اقتصاد: طعنة في ظهر ميت.. الحرب تجمّد الاستثمار الهشّ في اليمن
يمن فيوتشر - العربي الجديد- محمد راجح: السبت, 25 أبريل, 2026 - 03:27 مساءً
اقتصاد: طعنة في ظهر ميت.. الحرب تجمّد الاستثمار الهشّ في اليمن

لا يزال التوتر يسيطر على المنطقة، وسط احتمالات عودة المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، فيما تبرز تداعيات اقتصادية عميقة تتجاوز حدود الصراع المباشر، لتطاول اقتصادات هشة، وفي مقدمتها الاقتصاد اليمني الذي جاءت حرب إيران لتضاعف وضعيته المتردية إلى مستويات قاسية. إذ لم تتوقف هذه التداعيات والتبعات عند حدود سلاسل الإمداد والطاقة، بل تعدت ذلك لتصل إلى الاستثمار وتثير الفزع وتعيد الوضع إلى نقطة الصفر في بيئة كانت تتلمس طريق التعافي بعد أزمات مستمرة منذ أكثر من 10 سنوات.
وتوقع خبراء اقتصاد يمنيون أن يكون حجم تأثيرات حرب إيران أكثر حدة على اليمن نظراً لخصوصية وضعه الاقتصادي، الذي يعاني من انقسام نقدي وضعف مؤسسي واعتماد كبير على الواردات والمساعدات والتمويلات الخارجية، وأكدوا أن تصاعد التوتر الإقليمي يدفع إلى تسريع وتيرة خروج رؤوس الأموال من الأسواق ذات المخاطر المرتفعة، ويؤدي إلى تجميد قرارات الاستثمار، وارتفاع تكلفة التمويل والتشغيل.

 

•نزوح الأموال
وفي تصريح لـ"العربي الجديد"، توقع أستاذ الاقتصاد السياسي بجامعة عدن محمد جمال الشعيبي، أن يشهد الاقتصاد المحلي في اليمن المزيد من التدهور، وهروب رؤوس الأموال، سواء عبر القنوات الرسمية أو غير الرسمية، في ظل تراجع الثقة بالبيئة الاستثمارية. وشرح الشعيبي أن حجم الأموال القابلة للحركة داخل السوق اليمني قد يشهد نزوحاً سنوياً يتراوح بين 500 مليون إلى 1.5 مليار دولار، مع احتمالية ارتفاع هذا الرقم في حال استمرار أو توسع نطاق الصراع، ويشكل هذا النزيف ضغطاً مباشراً على السيولة المحلية والاستقرار النقدي.
وهو الأمر الذي جعل الخبير الاقتصادي اليمني المعروف المتخصص في اقتصاد الحرب والتعافي بعد الصراع يوسف شمسان المقطري، يضع في تصريح خاص لـ"العربي الجديد"، التوصيف الأكثر دقة للحالة الراهنة في اليمن، والتي اعتبرها بمثابة "طعنة في ظهر ميت". فاليمن يعاني هيكلياً من ندرة الاستثمار أصلاً، ومن هروب رؤوس الأموال من قبل الحرب.
لذا أتت الحرب لتضاعف هشاشة اقتصاد كان يعاني ومنهاراً أساساً، وما يحدث من صراع إقليمي يسرع نزيف ما تبقى من مدخرات وطنية. ويقدر المقطري في حديثه لـ"العربي الجديد"، أن حجم الأموال الهاربة من اليمن قبل الحرب ناهزت 12 مليار دولار خلال عشر سنوات بمعدل 2.7 لكل دولار تحصل عليه اليمن، في حالات الاستقرار النسبي، ومن المؤكد أن هذا الرقم تضاعف الآن ليفوق تلك التقديرات بأضعاف في ظل غياب أرقام دقيقة توثق حجم النزيف.
وفي ما يتعلق بهروب الرساميل، رأى يوسف شمسان المقطري أن اليمن يفتقر لسوق مالي بالمعنى المتعارف عليه، وبالتالي فهو ليس بيئة جاذبة لـ "الأموال الساخنة" العالمية التي تبحث عن الفائدة. بدلاً من ذلك، نجد "أموال المضاربة بالعملة" التي يتحكم بها نافذون يمتلكون أدوات الدخول والخروج من السوق في توقيتات مدروسة، مما ينهك العملة المحلية، ويعرض المودعين في المؤسسات المالية إلى ضياع أموالهم.
وينعكس ازدياد رقابة البنك المركزي وانخفاض عائد المضاربة على شركات الصرافة التي لم تعد تجد الدخل المجدي لاستمرارها وقد تواجه ذعراً مالياً في المستقبل، ويكون الخاسر الأكبر هم صغار المودعين، ذلك لأن استقرار العملة ليس في صالحها، وفق تعبيره.

 

•القطاعات المتأثرة
بالحرب ويعدّد المقطري، مجموعة من التأثيرات المباشرة لتبعات الحرب الراهنة والتي تتركز في قطاعات حيوية، أهمها قطاع الطاقة الذي توقف فيه الاستثمار تماماً، ويعاني من مشاكل فنية وعدم توافق سياسي داخلي، إذ كان بالإمكان عمل صندوق سيادي لعائدات النفط المرتفعة، والاستفادة من أموال التصدير عند إحلال السلام لعملية سداد الديون الداخلية والتعجيل بالتعافي.
فضلاً عن أن اليمن مستورد للطاقة الجاهزة وعبر دول الخليج، لذا فإن أي اضطراب في سلاسل التوريد وفق هذا الخبير يرفع الفاتورة بشكل مباشر ويؤثر على بقية السلع والخدمات، فكل زيادة قدرها عشرة دولارات في تكاليف الطاقة تزيد التضخم بنسبة 0.4%. وهناك قطاع النقل واللوجستيات، وهو القطاع الأكثر تضرراً نتيجة الارتفاع الجنوني في تكاليف التأمين البحري والشحن، إضافة إلى التجارة والمواد الغذائية، حيث تبرز هنا أزمة "الأسمدة والصناعات الكيماوية" بحسب المقطري التي تأثرت بتوقف صادراتها عبر مضيق هرمز، مما ينعكس طردياً على فاتورة الاستيراد ويزيد المعاناة المعيشية للمستهلك اليمني.
ويشير إلى تأثير آخر يطاول الدعم والمساعدات التي ترتبط بحجم الضرر الذي قد يصيب الشركاء في المنطقة ويعكس نفسه على حجم المساعدات المقدمة لليمن، وكذا على المشاريع والتمويلات المتوجهة إلى التنمية والبنى التحتية التي تساعد وتساهم في توفير مقومات الاستثمار وتنعكس على جذب رؤوس الأموال، الأمر الذي يجعل اليمن من الدول المتأثرة بتبعات حرب إيران، ليس فقط فيما يتعلق بسلاسل الإمداد والطاقة، بل أيضاً في قطاع الاستثمار في الوقت الذي تعتبر البلاد بأمس الحاجة لجذب الاستثمارات ورؤوس الأموال لمشاريع البناء وإعادة الإعمار.
ومن المعروف أن الاستثمارات تتسم بالحساسية المفرطة تجاه المخاطر السياسية، حيث تميل رؤوس الأموال إلى الهروب السريع والبحث عن البيئات الأكثر استقراراً. ومن هذا المنطلق يتوقع الشعيبي لـ"العربي الجديد"، أن تتأثر عدة قطاعات رئيسية، في مقدمتها قطاع التجارة والاستيراد نتيجة ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، والقطاع المالي نتيجة زيادة المضاربات وشح السيولة، إضافة إلى ركود محتمل في القطاع العقاري، وارتفاع تكاليف التشغيل في قطاعات الطاقة والنقل.
كما أن التأثير الاقتصادي لا يرتبط فقط بوقوع الحرب فعلياً، بل يتأثر بدرجة كبيرة بتوقعاتها، حيث تلعب حالة عدم اليقين دوراً في تشكيل سلوك المستثمرين وتوجهات الأسواق. وعليه، وفق الشعيبي، فإن الاقتصاد اليمني يواجه تحدياً مركباً يتمثل في التعرض لصدمات خارجية في ظل محدودية أدوات الاستجابة الداخلية، ما يستدعي تعزيز السياسات النقدية، ورفع مستوى التنسيق المؤسسي، والعمل على استعادة الثقة بالبيئة الاقتصادية، للحد من تداعيات هذه التطورات الإقليمية.


التعليقات