تواجه المملكة العربية السعودية معضلة مألوفة في اليمن، تتمثل في امتلاكها القدرات العسكرية اللازمة لتوجيه ضربات قوية إلى الحوثيين المدعومين من إيران، من دون أن يكون هناك ما يضمن أن تؤدي أي حملة عسكرية إلى منع هذه الجماعة المسلحة، التي تمتلك ترسانة كبيرة من الأسلحة، من تهديد المملكة مجدداً.
وقد سلّطت الموجة الأخيرة من الهجمات بالصواريخ والطائرات المُسيّرة الضوء بصورة أكبر على هذه المعضلة، بعدما استهدفت الضربات الحوثية مطارات سعودية، وهددت منشآت حيوية للطاقة، من بينها المقر الرئيسي لشركة أرامكو السعودية في الظهران.
وفي حين يتمثل التحدي الذي تواجهه السعودية في استعادة قدرتها على ردع الهجمات، يرى محللون أن الخيارات المتاحة أمام الرياض محدودة. وتشمل هذه الخيارات تكثيف الغارات الجوية، وتعزيز القوات الحكومية اليمنية على الأرض، وتدعيم الدفاعات الجوية، والسعي إلى استئناف الانخراط الدبلوماسي.
وقال عبد العزيز صقر، رئيس مركز الخليج للأبحاث، لصحيفة «ذا ناشيونال»: «ينبغي للسعودية ممارسة ضغط عسكري على الحوثيين داخل اليمن لردعهم عن شن مزيد من الهجمات». وأضاف: «تتمثل إحدى الأولويات الرئيسية في الحد من قدرتهم على شن هجمات عبر الحدود، ولا سيما من خلال إضعاف قدراتهم الصاروخية».
بدأت التوترات بين السعودية والحوثيين تتصاعد في يوليو/ تموز، عندما استهدفت غارة جوية مطار صنعاء الدولي، وهي ضربة حمّل الحوثيون السعودية مسؤوليتها. وأعلنت الحكومة اليمنية المدعومة من السعودية والمعترف بها دولياً مسؤوليتها عن الهجوم، موضحةً أنها استهدفت مدرج المطار لمنع طائرة إيرانية من الهبوط دون تصريح.
وجاءت الضربة لتختبر حالة الهدوء الهش التي سادت إلى حدٍّ كبير منذ دخول الهدنة حيز التنفيذ عام 2022. وعقب ذلك، أطلق الحوثيون صواريخ باتجاه السعودية، فيما تصاعدت حدة القتال بين الجماعة والقوات اليمنية.
وقال (السيد صقر) إن المملكة قبلت مبدأ وقف إطلاق النار مع الحوثيين، ولا تزال ملتزمة بخفض التصعيد. وأضاف: «مع ذلك، قد يكون من الضروري تجديد الضغط العسكري قبل الموافقة على هدنة أخرى، بهدف ضمان الحصول على تعهدات موثوقة بوقف الهجمات».
ويخوض الحوثيون القتال ضد الحكومة اليمنية منذ سيطرتهم على صنعاء عام 2014. وفي عام 2015، تدخلت السعودية على رأس تحالف من حلفائها الإقليميين لدعم الحكومة في مواجهة الحوثيين.
• ما وراء القوة الجوية
تمتلك السعودية واحدة من أكبر الميزانيات العسكرية في العالم، إلى جانب ترسانة متطورة من الأسلحة، تشمل طائرات حربية أمريكية الصنع، وأنظمة للدفاع الصاروخي، وغيرها من الأسلحة المتقدمة.
ومع ذلك، قال (عزيز الغشيان)، الزميل الأول غير المقيم في منتدى الخليج الدولي، إن هزيمة الحوثيين عسكرياً تتطلب ما هو أكثر من القوة الجوية.
وأوضح أن المملكة أثبتت قدرتها على تنفيذ العمليات الجوية، لكن نجاح أي حملة عسكرية يتطلب أيضاً قوات برية فعّالة قادرة على تغيير موازين القوى في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين. وأضاف أن ثمة حاجة إلى قوات بحرية للحد من حركة الإمدادات التي تصل إلى الجماعة عبر البحر الأحمر ومنطقة القرن الأفريقي.
وقد يكون من الصعب توفير هذه العناصر مجتمعة. فعلى الرغم من أن القوات اليمنية المناهضة للحوثيين طوّرت قدراتها، إلا أنها لا تزال تواجه مشكلات تتعلق بالكفاءة والانقسام السياسي.
وقال الغشيان: «إن السبب وراء احتفاظ الحوثيين بالمناطق التي يسيطرون عليها قد لا يعود إلى قوتهم بقدر ما يعود، في الواقع، إلى ضعف العمليات البرية للطرف الآخر». وأضاف: «كما أن الأمر يتطلب اتباع نهج يركز على بناء مؤسسات الدولة».
و تطورت جماعة الحوثيين، التي كان يُنظر إليها في السابق على أنها ميليشيا محدودة التسليح نسبياً، لتصبح قوة قتالية كبيرة يصعب الاستهانة بها. وتشمل ترسانتها صواريخ وطائرات مُسيّرة قادرة على ضرب أهداف تبعد أكثر من ألف ميل.
ومنذ اندلاع الحرب في غزة عام 2023، أطلقت الجماعة مئات الطائرات المُسيّرة والصواريخ باتجاه إسرائيل. وقد جرى اعتراض معظمها، لكن بعضها وصل إلى أهدافه، من بينها هجوم بطائرة مُسيّرة استهدف تل أبيب وأدى إلى مقتل رجل عام 2024، وهجوم صاروخي وقع بالقرب من مطار بن غوريون العام الماضي.
وتُعدّ الحرب بين السعودية والحوثيين امتداداً للحرب الأوسع نطاقاً مع إيران، التي بدأتها الولايات المتحدة وإسرائيل في فبراير/ شباط. ولم تتوصل واشنطن وطهران حتى الآن إلى اتفاق سلامٍ دائم. وخلال الأسابيع الأخيرة، تبادل الطرفان مقترحات لإنهاء الحرب وإعادة فتح مضيق هرمز، الذي يُعد شرياناً حيوياً لشحنات الطاقة العالمية، لكن المفاوضات لم تُستأنف.
ويرى بعض المراقبين أن التوصل إلى اتفاق أوسع بين الولايات المتحدة وإيران يمثل المسار الأكثر قابلية للتطبيق لإنهاء هجمات الحوثيين على السعودية. وبموجب مثل هذا الاتفاق، قد تسعى واشنطن إلى الحصول على تعهدات إيرانية بكبح جماح الحوثيين وضمان وقف هجماتهم، في إطار تسوية إقليمية شاملة. لكن لا يُعرف ما إذا كانت الجماعة ستلتزم بمثل هذا الترتيب.
• المساعدة الأمريكية
تدعم الولايات المتحدة السعودية في مواجهة الحوثيين من خلال صفقات بيع الأسلحة، وتوفير المستشارين العسكريين، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وتقديم المساعدة في تحديد الأهداف، مع تجنّب الانخراط المباشر في العمليات القتالية العسكرية.
وقال الرئيس الأمريكي (دونالد ترامب) إنه يدرس إمكانية الانضمام إلى الضربات ضد الحوثيين، في ظل هجمات الجماعة على حليف للولايات المتحدة وتهديدها إمدادات الطاقة العالمية. وحذّر الحوثيون من أن أي ضربات أمريكية قد تدفعهم إلى استهداف الأفراد والمصالح الأمريكية في أنحاء الشرق الأوسط، وهو ما قد يجرّ الولايات المتحدة إلى الانخراط بصورة أعمق في الحرب المستمرة منذ سبعة أشهر ونصف الشهر.
لكن مسؤولاً أمريكياً رفيع المستوى صرّح لصحيفة «ذا ناشيونال» بأن إدارة ترامب «ليس لديها ما تعلنه بشأن تقديم دعم أمريكي لعمليات عسكرية جديدة في اليمن». وأضاف المسؤول أن الإدارة تواصل حوارها مع السعودية والحكومة اليمنية بصورة مستمرة.
وقال المسؤول، من دون الخوض في مزيد من التفاصيل: «سنفي دائماً بالتزاماتنا تجاه شركائنا».