دفعت الهجمات الحوثية الدامية التي استهدفت السعودية خلال الأسبوع الماضي الرياض إلى مواجهة ضغوط متزايدة للرد عليها.
وشنّت السعودية، على مدى الشهر الماضي، غارات جوية على الحوثيين دعماً للقوات الحكومية اليمنية. ومع ذلك، بدت الرياض مترددة في الرد على الهجمات الحوثية على نطاقٍ واسع. وفي ظل ذلك، تتصاعد التكهنات في المنطقة بشأن الخطوة التالية المحتملة، فيما يميل المحللون إلى تصوير السعودية على أنها تواجه صعوبات كبيرة في التعامل مع الحوثيين.
فهل صحيح أن السعودية لا تملك خيارات مجدية للتعامل مع الحوثيين؟
تناولت تقارير عدة نُشرت مؤخراً جوانب مختلفة من الخيارات التي تدرسها الرياض، وما قد تقرر الإقدام عليه في المرحلة المقبلة.
ومن بين هذه الخيارات، مسألة تقديم الولايات المتحدة الدعم للسعودية. فعلى الرغم من إدانة واشنطن والعديد من الدول لهذه الهجمات، فإن الرئيس الأميركي (دونالد ترامب) ترك وسائل الإعلام في حالة ترقّب وتكهن بشأن ما إذا كانت الولايات المتحدة ستتخذ خطوات إضافية. وبحسب هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، يبدو أن واشنطن تقدم دعماً للسعودية في مجالي الاستخبارات وتحديد الأهداف العسكرية.
و هدّد الحوثيون بالرد بـ«سرعة وبشكلٍ مؤلم» في حال تدخلت الولايات المتحدة. وقال (محمد البخيتي)، عضو المكتب السياسي للحوثيين، لوكالة فرانس برس: «إذا انخرطت الولايات المتحدة في العدوان على اليمن، فلن نتردد في اتخاذ قرار الرد، بل سيكون هناك رد سريع ومؤلم يستهدف الولايات المتحدة وجميع مصالحها في المنطقة».
ولا شك أن كل هذه التطورات تلقي بظلالها على التنسيق الأميركي السعودي، في ظل تساؤلات بشأن احتمال أن يؤدي اتساع نطاق الحرب في اليمن إلى دفع إيران نحو تفعيل دور الميليشيات التابعة لها في العراق وإشراكها بصورة عملياتية في المواجهة.
• مع من ينبغي للسعودية أن تتحالف للحد من اتساع رقعة الحرب في الشرق الأوسط؟
سبق أن واجهت السعودية هذا النوع من التحديات. ففي عام 2015، تدخلت في اليمن دعماً للحكومة اليمنية في مواجهة الحوثيين. لكن الحوثيين وسّعوا نطاق الحرب بشنّ هجمات بالصواريخ الباليستية والطائرات المُسيّرة على السعودية. وفي عام 2019، شنّت إيران هجوماً مباشراً على السعودية، كما استهدفت ميليشيات في العراق الأراضي السعودية. ولذلك، تدرك الرياض تماماً حجم المخاطر والتداعيات المحتملة.
وفي غضون ذلك، تثار تساؤلات بشأن احتمال أن تؤدي التوترات في اليمن إلى تجدد المواجهة مع إيران. وتشير تقارير إلى احتمال مشاركة إسرائيل مجدداً في شن ضربات على إيران، أو حتى استهداف الحوثيين.
ويحظى هذا الملف باهتمام بالغ لدى حليفَي السعودية، تركيا وباكستان، اللتين انضمتا إلى تحالف مع الرياض خلال الأشهر القليلة الماضية.
غير أن تركيا، على الأرجح، لن ترغب في الوقوف إلى جانب إسرائيل في مواجهة عسكرية تشارك فيها إلى جانب السعودية. وقد أشارت وسائل إعلام تركية، من بينها وكالة الأناضول في أنقرة، إلى أن الرياض رفضت حتى الآن «مسعى إسرائيل للانضمام إلى القتال». ومع ذلك، ليس من الواضح تماماً ما إذا كانت إسرائيل تسعى إلى الانخراط مجدداً وبعمق في الصراع الدائر في اليمن.
وكانت إسرائيل قد شنّت بالفعل ضربات على اليمن خلال عامي 2024 و2025، رداً على الهجمات المتكررة التي شنّها الحوثيون ضدها. كما استهدف الحوثيون سفناً تجارية زعموا أنها مرتبطة بإسرائيل، واستولوا على السفينة «غالاكسي ليدر»، ولم يفرجوا عن طاقمها إلا في عام 2025.
وحاول الحوثيون تحويل السفينة إلى ما يشبه مزاراً سياحياً، قبل أن تتعرض للغرق جزئياً في نهاية المطاف في أبريل/ نيسان 2026، وفقاً لما أورده موقع «ذي ماريتايم إكزكيوتيف» المتخصص في الشؤون البحرية.
• كيف وصلت السعودية إلى مرحلة التوتر مع الحوثيين؟
لنستعرض مجدداً كيف وصلت الرياض إلى هذا الوضع. ففي مارس/ آذار 2015، تدخلت السعودية عسكرياً في اليمن، وقادت تحالفاً ضد الحوثيين المدعومين من إيران، عقب سيطرة الجماعة على صنعاء وتقدمها باتجاه عدن. وسرعان ما تحول التدخل إلى صراعٍ طويل الأمد، تخللته غارات جوية ومعارك برية وهجمات حوثية بالصواريخ والطائرات المُسيّرة على الأراضي السعودية. وفي أبريل/ نيسان 2022، أسهمت هدنة برعاية الأمم المتحدة في خفض حدة الأعمال القتالية بشكلٍ ملحوظ. وعلى الرغم من انتهاء مدتها رسمياً في أكتوبر/ تشرين الأول من العام نفسه، أعقبتها فترة هشة من الهدوء النسبي.
غير أن هذه الهدنة تعرّضت لضغوط متزايدة خلال عام 2026. فقد شكّلت الغارات السعودية على صنعاء في يوليو/ تموز تصعيداً جديداً، فيما شنّ الحوثيون لاحقاً هجوماً باتجاه مضيق باب المندب، الممر البحري الاستراتيجي الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن. وتجدر الإشارة إلى أن السعودية والحكومة اليمنية كانتا تعارضان استخدام إيران مطار صنعاء لنقل مستشارين إيرانيين جواً إلى الحوثيين.
وفي أكتوبر/ تشرين الأول، شنت القوات اليمنية المدعومة من السعودية هجوماً مضاداً، بدعم من غارات جوية للتحالف، بهدف استعادة مناطق بالقرب من باب المندب والمخا. كما صعّد الحوثيون هجماتهم على المطارات السعودية، بما فيها مطار الملك خالد الدولي في الرياض، حيث أسفر هجوم وقع في 10 أكتوبر/ تشرين الأول عن مقتل 12 شخصاً وإصابة 309 آخرين. وتعهّدت الرياض بالرد بحزم.
و امتد الصراع أيضاً إلى خارج حدود اليمن. ففي 11 سبتمبر/ أيلول، تعرّض خط أنابيب النفط السعودي الممتد من الشرق إلى الغرب لهجوم بطائرات مُسيّرة، قالت السلطات السعودية والعراقية إنها انطلقت من العراق. وعلى إثر ذلك، أوقفت الرياض ضخ النفط عبر الخط مؤقتاً، وهو مسار بديل بالغ الأهمية لنقل النفط وتصديره بعيداً عن مضيق هرمز. وسلّط الهجوم الضوء على المخاوف المتزايدة بشأن التنسيق بين الجماعات الإرهابية المدعومة من إيران في أنحاء المنطقة، فضلاً عن احتمالات تعرض البنية التحتية للطاقة في السعودية لهجمات.
وفي 12 أكتوبر/ تشرين الأول، تحدّث (مايكل ماكوفسكي)، رئيس معهد الأمن القومي اليهودي الأميركي (JINSA) ومديره التنفيذي، إلى شبكة «فوكس نيوز» بشأن أحدث الهجمات الحوثية.
وقال ماكوفسكي: «من المهم للغاية أن ينجح ولي العهد السعودي في مواجهة الحوثيين، فذلك أمر حيوي للأمن القومي الأميركي. لكنه أبعد نفسه عن عدد من الدول المحورية التي كان بإمكانها تقديم مساعدة مهمة في هذا الصدد، أو تسبّب في توتر علاقاته معها. أعني أنه خاض خلافاً معروفاً للغاية مع الإماراتيين، الذين أثبتوا فاعلية في مواجهة الحوثيين. كما حافظ على مسافة بينه وبين الإسرائيليين، الذين أثبتوا فاعلية كبيرة في استهداف الحوثيين، وفي بعض مراحل هذه الحرب، اتخذ موقفاً فاتراً إلى حدٍّ ما تجاه الولايات المتحدة».
وأضاف: «أود أن أرى السعوديين يعملون بالتنسيق مع الإسرائيليين والإماراتيين والولايات المتحدة للتصدي للتهديد الحوثي. فهذا التهديد لا يستهدف السعودية وحدها، بطبيعة الحال، بل يؤثر في العالم بأسره، نظراً إلى ما يشكله الحوثيون من تهديد للتجارة الدولية. ولذلك، لا بد من تشكيل تحالف دولي».
و من جانبه، أشار (توماس جونو)، الأستاذ في جامعة أوتاوا، المتخصص في الشؤون الإيرانية واليمنية، والمحلل السابق في وزارة الدفاع الوطني الكندية، في منشور على منصة «إكس» بتاريخ 11 أكتوبر/ تشرين الأول، إلى أن السعودية لا تملك خيارات جيدة للتعامل مع الحوثيين.
وكتب جونو: «كان التصعيد العسكري أمراً لا مفر منه، ومن المرجح أن يستمر، لكنه سيلحق بالسعودية أضراراً أكبر مما سيلحق بالحوثيين. كما أن المفاوضات حتمية، وإن لم تكن في المدى القريب. يمتلك الحوثيون أوراق ضغط أقوى، وهم يدركون ذلك، وسيكون هدفهم انتزاع أكبر قدر ممكن من التنازلات من السعودية، التي لا تزال مترددة في دفع هذا الثمن الباهظ للغاية».
فهل يمكن أن تساعدنا نظرية الألعاب على فهم المعضلة التي تواجهها السعودية في التصدي للحوثيين؟
يكمن التحدي في بناء نموذج يفسّر مدى تعقيد هذه الساحة، في ظل تشابكها مع ملفات إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، والميليشيات المدعومة من إيران في العراق، فضلاً عن تركيا وباكستان.
وتتمثل المعضلة الأساسية في أن السعودية قد تتفوق عسكرياً على الحوثيين، لكن التفوق العسكري لا يترجم بالضرورة إلى نفوذ استراتيجي. فالحوثيون قادرون على تكبيد السعودية خسائر فادحة من دون هزيمة قواتها المسلحة. وفي المقابل، يتعين على الرياض أن تأخذ في الحسبان تأثير ردها ليس على اليمن فحسب، بل أيضاً على أمنها الاقتصادي، وتحالفاتها الإقليمية، وعلاقاتها مع إيران.
وهذا ما يُعرف باسم «الصراع غير المتكافئ»، حيث لا تتحدد موازين القوة بالقدرات العسكرية وحدها، بل أيضاً بقدرة كل طرف على فرض التكاليف على الطرف الآخر وتحقيق أهدافه الاستراتيجية.
و يفرض هذا الوضع عدداً من المعضلات الاستراتيجية المتداخلة. إذ تواجه السعودية ثلاثة اعتبارات يتعين عليها التعامل معها في آنٍ واحد: أولها، دراسة السبل الكفيلة بردع الحوثيين عن شن مزيد من الهجمات، وثانيها، إدارة تحالفاتها، وثالثها، مراعاة السياق الإقليمي واحتمالات اتساع نطاق التصعيد.
ولا تقدم نظرية الألعاب إجابة حاسمة عن هذه المعضلة، لأن النتائج تتوقف على معلومات غير مؤكدة، وتباين الأهداف، والقرارات التي يتخذها عدد من الأطراف المستقلة. ومع ذلك، قد يكون من المفيد تطوير نماذج أكثر تفصيلاً لتحليل هذه الإشكالية، فالسعودية، رغم صعوبة موقفها، تمتلك خيارات متعددة.
و بإمكان السعودية احتواء الأزمة وتجاوز تداعياتها، فقد سبق لها أن فعلت ذلك في الماضي. وتتسم القيادة السعودية بطابع حذر بطبيعته، على غرار معظم دول الخليج. وفي المقابل، تميل الدول الغربية إلى تفضيل الحلول السريعة، كما يبدو أن وسائل الإعلام الغربية تفترض أن عدم الرد الفوري والواسع، على غرار استراتيجية «الصدمة والرعب»، يعني أن شيئاً لا يحدث على الإطلاق.
غير أن هذا التصور يسلط الضوء على اختلاف الحسابات الاستراتيجية بين الأطراف. فالحرب مع إيران، على سبيل المثال، أثبتت أنها أطول أمداً وأكثر تعقيداً مما توقعه كثيرون. وربما يعكس ذلك تبايناً في الرؤى والحسابات بين واشنطن والقدس والرياض وأنقرة وغيرها من العواصم في المنطقة.