أُجبر نحو 125 ألف شخص على مغادرة منازلهم في أنحاء اليمن خلال الأسبوعين الماضيين، في وقتٍ تؤدي فيه موجة تصعيد جديدة وكبيرة، مرتبطة بالصراع بين الولايات المتحدة وإيران وبالحرب اليمنية المستمرة منذ نحو 12 عاماً، إلى تفاقم معاناة ملايين الأشخاص الذين يكافحون أصلاً من أجل البقاء.
كانت (حفيظة مرشد) قد أمضت أكثر من خمس سنوات في موقع للنازحين بمحافظة تعز غربي اليمن، قبل أن تندلع اشتباكات في 3 سبتمبر/أيلول بالقرب من الموقع الذي كانت تقيم فيه مع زوجها وأطفالها السبعة.
ومع اقتراب القتال، سارعت الأسرة إلى جمع أغلى ما لديها وأخفّه وزناً. وقالت مرشد لـ«ذا نيو هيومنتيرين»، متحدثةً من مخيم مؤقت في مكان آخر من تعز، حيث تقيم الأسرة حالياً: «مشينا قرابة ثلاثة كيلومترات على الأقدام. لم تكن هناك مركبات لنقل متعلقاتنا، لذلك وصلنا إلى هنا ومعنا فقط بعض أواني المطبخ وبطانية».
لطالما كانت تعز بؤرة ساخنة في الحرب اليمنية. فقد شكّل القتال والحصار والقيود المفروضة على وصول المساعدات وحركة التجارة، على مدى سنوات، سمات أساسية للحياة في هذه المحافظة الواقعة جنوب غربي البلاد. ويخوض المتمردون الحوثيون وقوات متحالفة مع الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً القتال منذ أوائل عام 2015، فيما تقع تعز بين مناطق يسيطر عليها الحوثيون وأخرى تسيطر عليها الحكومة المدعومة من السعودية.
وكانت هدنة عام 2022 قد أفضت إلى فترة من الهدوء النسبي، لكن الحوثيين، المعروفين رسمياً باسم «أنصار الله»، شنّوا هجوماً على عدة جبهات في أوائل سبتمبر/أيلول، في إطار مساعيهم للسيطرة على مضيق باب المندب ذي الأهمية الاستراتيجية. وردّت السعودية بشنِّ غارات جوية، فيما أفادت تقارير بأن الولايات المتحدة أرسلت مستشارين للمساعدة في الجهود العسكرية للمملكة، ما أثار مخاوف من عودة الحرب الشاملة.
و السيطرة على المضيق تتيح للحوثيين، الذين تربطهم علاقات بإيران، مواصلة عرقلة صادرات النفط السعودية عبر البحر الأحمر، إذ بدأت المملكة تستخدم المضيق لتصدير النفط منذ أن أغلقت إيران فعلياً مضيق هرمز. كما تندرج السيطرة عليه ضمن الهدف المعلن منذ فترة طويلة للحوثيين والمتمثل في انتزاع السيطرة على ساحل البحر الأحمر من القوات المدعومة من السعودية.
وفي حين لا تزال الدوافع وراء الهجوم الجديد غامضة ومعقدة، فإن تداعياته على المدنيين اليمنيين الأكثر ضعفاً كانت واضحة ومباشرة، ومن بينهم أكثر من 5.2 مليون شخص كانوا قد نزحوا بالفعل قبل هذا التصعيد في القتال.
وكحال كثيرين غيرها، كانت مرشد تعاني أصلاً من فقر مدقع قبل نزوحها الأخير. لكنها كانت تقيم لدى أحد أقاربها النازحين، الذي كان يتقاسم معهم، على الأقل، فرش النوم والبطانيات.
وتفيد الأمم المتحدة بأن 125 ألف شخص نزحوا حديثاً خلال أسبوعين فقط، وأن الأعداد تتزايد بسرعة، بينهم عشرات الآلاف في تعز وحدها. وقد أُجبرت مجتمعات بأكملها على مغادرة منازلها، فيما فرّ بعضهم من البلاد كلياً، إذ أفادت وكالة الأمم المتحدة للهجرة بأن 2,000 شخص وصلوا إلى السواحل الشمالية لجيبوتي.
وفي ظل النقص المزمن في تمويل الاستجابة للأزمة الإنسانية في اليمن، وما فاقمته الآن التداعيات الاقتصادية للحرب بين الولايات المتحدة وإيران، يجد أشخاص مثل مرشد أنفسهم عالقين في حلقة لا تنتهي من النزوح، من دون مساعدات تُذكر أو من دون أي مساعدة على الإطلاق.
وقالت مرشد عن حياتها في موقع النزوح السابق، الذي كان بالفعل ثاني مكان تنزح إليه أسرتها: «لم تكن حياتنا مثالية، لكن كان لدينا على الأقل مخيم آمن. لقد أجبرنا القتال على الفرار مرة أخرى، والبدء من جديد في معاناة النزوح والبدء من الصفر مرة أخرى».
•أسعار الوقود وأجور العمال اليومية
قبل وقتٍ طويل من إجبار مرشد وأسرتها على مغادرة مخيمهم، كانت الأزمة الاقتصادية في اليمن قد بدأت بالفعل تنهك أشخاصاً مثلها، حتى بعيداً عن خطوط المواجهة.
وأوضحت مرشد قائلة: «حتى قبل أن نهرب الأسبوع الماضي، كنا نفتقر إلى كثير من الأساسيات، لأن فرص العمل أصبحت أقل بكثير مما كانت عليه. كان الرجال يخرجون في الصباح بحثاً عن عمل، ثم يعودون بحلول منتصف النهار خاليّ الوفاض».
وأدت التداعيات الإقليمية المتزايدة للصراع بين إيران والولايات المتحدة إلى ارتفاعٍ حاد في أسعار الوقود في مختلف المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية. فقد ارتفع سعر الديزل سعة 20 لتراً من 25 ألف ريال يمني (17 دولاراً) في مايو/أيار — أي بعد عدة أشهر من اندلاع الحرب — إلى 45 ألف ريال يمني (30 دولاراً) اليوم.
وقال مصدر في شركة النفط اليمنية في عدن لرويترز في مايو/أيار إن ارتفاع أسعار الوقود — حتى في ذلك الوقت — كان نتيجة أزمة في الإمدادات وارتفاع أسعار الوقود عالمياً، مدفوعاً بالصراع الإقليمي وإغلاق مضيق هرمز.
ومنذ ذلك الحين، خلّف هذا الارتفاع آثاراً متسلسلة، إذ أدى إلى زيادة تكلفة السلع والخدمات التي تعتمد على الوقود ووسائل النقل، بما في ذلك مواد البناء، وكان العمال بأجر يومي أول من تضرروا بذلك. وأصبحت فرص العمل الوحيدة التي يستطيع كثير من الرجال النازحين، مثل زوج مرشد، الحصول عليها حالياً هي أعمال يومية في مواقع البناء، أو تحميل وتفريغ مواد البناء في المتاجر المحلية.
و وصف (مراد ثابت)، وهو عامل بناء في الخمسينيات من عمره عمل في هذا القطاع في مناطق مختلفة من اليمن، الأزمة الحالية بأنها «أسوأ أزمة مرّت عليه في حياته».
وقال لـ«ذا نيو هيومنتيرين»: «أعمل منذ نحو 40 عاماً، لكن هذه الأيام هي الأسوأ. أسعار مواد البناء ترتفع بشكلٍ هائل، ولذلك أوقف كثير من المقاولين ومالكي العقارات أعمال البناء إلى أن تستقر الأوضاع».
وثابت، الذي نزح من قريته الواقعة جنوب غربي المحافظة ويستأجر منزلاً في مدينة تعز لزوجته وأطفاله الثلاثة، قال إن كثيراً من العمال بأجر يومي يكافحون لتوفير الاحتياجات الأساسية لأسرهم.
وأضاف: «لا أتذكر في حياتي وقتاً كنا نتناول فيه الخبز والشاي فقط على الإفطار والعشاء، كما نفعل الآن. نشتري من الطعام ما يكفينا بالكاد للبقاء على قيد الحياة، لأن دخلنا لا يسمح لنا بشراء المزيد، ولا نستطيع تحمّل تكلفة الطعام الذي نرغب فيه فعلاً».
وشدد ثابت على أن مشكلته الأساسية تتمثل في نقص فرص العمل، وليس في ارتفاع أسعار الغذاء بحد ذاته. وهذه مشكلة طالما عانى منها اليمن، حيث شكّل الانهيار الاقتصادي الناجم عن حربه المستمرة منذ 12 عاماً أحد العوامل الرئيسية وراء تفاقم الجوع.
وقالت شبكة نظام الإنذار المبكر بالمجاعة (FEWS NET)، التي تراقب انعدام الأمن الغذائي بتمويل من الولايات المتحدة، باستمرار إن النازحين والأشخاص الذين لا يملكون دخلاً هم الأكثر إثارة للقلق في بلد يُتوقع أن يحتاج فيه ما بين 15 و16 مليون شخص إلى مساعدات غذائية حتى سبتمبر/أيلول، من دون احتساب تداعيات تطورات هذا الشهر.
وقال ثابت: «إذا كان لدينا دخل، فيمكننا شراء الطعام حتى لو ارتفعت الأسعار قليلاً. لكن عندما لا يكون لدينا عمل، كما هو الحال الآن، فإننا لا نستطيع تحمّل تكلفة الطعام حتى لو كان رخيصاً».
و قال ثابت إنه واحد من بين كثير من الرجال الذين ينتظرون كل صباح في المكان نفسه في تعز بحثاً عن عمل، لكن معظمهم يغادرون محبطين. وقال: «عندما يأتي شخص يبحث عن عامل واحد، يركض نحوه نحو عشرة أشخاص، ويقبلون بأي أجر لأنهم في أمسّ الحاجة إلى العمل».
(عبدالله محمد)، وهو أب نازح لثلاثة أطفال في أواخر الثلاثينيات من عمره، فقد مؤخراً عمله كعامل بناء وحارس في موقع تشييد في تعز. وقبل أن يعلّق مالك المبنى أعمال البناء في مايو/أيار ويستغني عن جميع العمال، كان دخل محمد يكفي لاستئجار منزل وإعالة أسرته.
وقال محمد لـ«ذا نيو هيومنتيرين»: «أخبرنا مالك المبنى بأنه سيستأنف أعمال البناء عندما تهدأ الأوضاع وتنخفض الأسعار، لكن يبدو أنه لن يفعل ذلك في المستقبل القريب، لأن الأوضاع تزداد سوءاً والأسعار تواصل الارتفاع».
وقد أخرج الآن ابنه الأكبر من المدرسة، ويصطحب الصبي البالغ من العمر 12 عاماً معه لجمع زجاجات البلاستيك الفارغة التي يمكنهما بيعها مقابل مبلغ بسيط من المال. وقال محمد: «التعليم ليس أولويتنا الآن؛ الأولوية هي أن يتوفر لدينا ما يكفي من الطعام. وبمجرد أن يتوفر لدينا ما يكفي من الطعام على المائدة ويصبح لدي مصدر دخل ثابت، سأعيد أطفالي إلى المدرسة وأوفر لهم كل ما يحتاجونه، حتى الألعاب التي كنت أشتريها لهم كل شهر».
و وجد مسح أجرته منظمة «أنقذوا الأطفال» في أغسطس/آب أن نحو حالة واحدة من كل خمس حالات تسرب من المدارس في اليمن كانت بسبب عمالة الأطفال، إذ يُرسَل الأطفال إلى العمل لمساعدة أسرهم على البقاء على قيد الحياة.
وتعز هي المحافظة الوحيدة الخاضعة لسيطرة الحكومة في اليمن التي تفتقر بالكامل إلى الكهرباء العامة؛ فقد دُمّرت محطة الكهرباء الرئيسية في بداية الحرب ولم تتم إعادة إصلاحها منذ ذلك الحين. ويشتري السكان الكهرباء من مولدات تجارية خاصة، لكن الارتفاع الحاد في أسعار الوقود أدى إلى رفع التكلفة من 1,100 ريال يمني (0.70 دولار) لكل كيلوواط/ساعة في فبراير/شباط إلى 1,500 ريال يمني (1.00 دولار).
(سامي محمد)، وهو أب لأربعة أطفال يبلغ من العمر 47 عاماً، يعمل موظفاً حكومياً ويتقاضى راتباً شهرياً يبلغ نحو 100 دولار. وهذا المبلغ يكفي بالكاد لإطعام أسرته، لكن الكهرباء أصبحت الآن بعيدة عن متناول قدرته المالية.
وقال محمد لـ«ذا نيو هيومنتيرين»: «وصلت منزلي بشبكة الكهرباء قبل نحو ثلاث سنوات، عندما كانت تكلفة الكيلوواط/ساعة نحو 400 ريال يمني (0.25 دولار)، لكن بالأسعار الحالية سأضطر إلى إنفاق نصف راتبي على الكهرباء وحدها».
وأضاف: «هذا الارتفاع الأخير ناجم عن الصراع الإقليمي وتأثيره في إمدادات الوقود. نأمل أن تتحسن الأوضاع، لكن إلى أن يحدث ذلك، فصلت منزلي عن شبكة الكهرباء لأنني ببساطة لا أستطيع تحمّل تكلفتها».
وسامي واحد من بين كثير من السكان الذين يعتمدون الآن على بطاريات سيارات صغيرة تعمل بالطاقة الشمسية لتوفير قدر من الإضاءة في منازلهم، وهي طريقة يستخدمها أيضاً النازحون في المخيمات. ورغم أن هذه البطاريات توفر قدراً من الضوء، إلا أنها لا تتمتع بالطاقة الكافية لتشغيل الأجهزة المنزلية، مثل الثلاجات.
•الفئات الأكثر تضرراً
قال (فوزي الحبشي)، مدير جمعية «حياة أفضل»، وهي منظمة إغاثية مقرها تعز، لـ«ذا نيو هيومنتيرين» إن الفئات الأكثر ضعفاً، مثل الأسر النازحة والمهمشين، في أمسّ الحاجة إلى مزيد من المساعدات.
و«المهمشون» هم أقلية في اليمن يُعتقد، وفقاً لبعض الروايات، أن أصولهم تعود إلى عبيد أو جنود من أصول أفريقية. وقد تعرّضوا للتمييز منذ زمن طويل، ويعيش معظمهم في أحياء فقيرة وفي ظل ظروف من الفقر المدقع.
وقال الحبشي: «خلال التصعيد الأخير، شهدنا كثيراً من الأسر النازحة التي اضطرت إلى الفرار من منازلها للمرة الثانية أو الثالثة. ومع فرارها ووصولها إلى مخيمات النزوح القائمة، فرض ذلك ضغطاً هائلاً على المجتمعات المضيفة»، مشيراً إلى أنه لم تكن هناك في كثير من الأحيان كميات كافية من المياه لتلبية احتياجات الوافدين الجدد.
وقال إن منظمات الإغاثة تبذل ما في وسعها في ظل قيود مالية شديدة، لكن تراجع التمويل يعرقل جهود الاستجابة للأزمة بشكلٍ كبير، مضيفاً أنه من المهم إدراك أن الاحتياجات الإنسانية لم تبدأ مع موجة النزوح الأخيرة أو الحرب بين الولايات المتحدة وإيران.
وقال الحبشي: «لقد تأثر جميع اليمنيين بالارتفاع الأخير في أسعار الوقود والغذاء، لكن المجتمعات الأكثر ضعفاً — مثل النازحين والأشخاص الذين فقدوا وظائفهم — هي الأكثر تضرراً، لأنها تفتقر إلى مصدر دخل يساعدها على تجاوز الأزمة».
ودعا المجتمع الدولي إلى زيادة دعمه لليمن، حتى تتمكن منظمات مثل منظمته من مساعدة مزيد من الناس، قائلاً: «الأسر النازحة وغيرها من الفئات الأكثر ضعفاً تتعرض لضربة مزدوجة؛ أولاً بسبب الأزمة الاقتصادية، والآن بسبب التصعيد الأخير. لذلك، يجب ألا ينساهم المجتمع الدولي».
كما ناشدت مرشد، التي نزحت حديثاً إلى تعز، المنظمات الدولية تقديم المساعدة، لكنها تحدثت أيضاً عن روح التضامن التي رأتها بين اليمنيين الآخرين، الذين يتقاسمون ما لديهم، رغم قلته، مع من هم في أمسّ الحاجة إليه.
وقالت: «ننام تحت الخيمة الصغيرة نفسها، والمكتظة، مع أسرة أخرى، لأنه لا خيار أمامنا. المياه شحيحة، وتوفير الطعام يعتمد على ما إذا كان لدى الآخرين ما يكفي ليتقاسموا معنا بعضاً منه. الأسر النازحة في هذا المخيم تدرك معاناتنا ولا تتردد في مساعدتنا، لكنها هي أيضاً في أمسّ الحاجة إلى المساعدة، ولذلك نتقاسم جميعاً هذا العبء».