في ظل تنامي لهجة التصعيد من جانب إيران، وتعثر المحادثات الرامية إلى إنهاء الحرب، تبدو إدارة ترامب وكأنها توسّع نطاق اتصالاتها لتشمل مجموعة أكبر من الدول التي قد تتمكن من المساعدة في ممارسة ضغوط على طهران، أو تخفيف موقفها المتشدد، بعدما أخفقت جهود الوسطاء التقليديين حتى الآن في تحقيق ذلك.
وفي الوقت الذي تتواصل فيه المحادثات بين إيران وعُمان، وكذلك بين إيران وكل من باكستان وتركيا وقطر، بوتيرة متباينة وغير متوقعة، تعمل الإدارة الأميركية بهدوء على توسيع دائرة اتصالاتها لتشمل أطرافًا أوروبية ربما لم تكن متوقعة في هذا الدور.
فهذا الأسبوع وحده، التقى وزير الخارجية الأميركي (ماركو روبيو) شخصيًا في واشنطن وزير الخارجية النمساوي يوم الثلاثاء، كما أجرى اتصالًا هاتفيًا مع وزير الخارجية اليوناني يوم الأربعاء.
ولم تكن تلك الاتصالات لافتة للنظر، إذ جاءت في إطار المسار المعتاد للعلاقات بين الولايات المتحدة وحليفين أوروبيين وثيقين. كما جاءت البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الخارجية الأميركية بشأن المحادثات مقتضبة وعمومية، ولم تذكر إيران بالاسم باعتبارها موضوعًا للنقاش.
لكن تبيّن لاحقًا أن وزيري الخارجية النمساوي واليوناني كليهما — وبعد محادثاتهما مع روبيو مباشرة تقريبًا — أجريا يوم الخميس اتصالات مع وزير الخارجية الإيراني (عباس عراقجي).
ويأتي هذا التوجه الجديد، على ما يبدو، لكسر الجمود الذي يعرقل المفاوضات، في وقتٍ تسعى فيه كل من الولايات المتحدة وإيران إلى بسط السيطرة على مضيق هرمز، وهو ممر حيوي لشحنات النفط. ولا يملك الرئيس (دونالد ترامب) هامشًا واسعًا للمناورة في خطواته المقبلة، في ظل التداعيات الاقتصادية للحرب وتراجع مخزونات الأسلحة الرئيسية، وهي عوامل تفرض تحديات سياسية على الجمهوريين قبيل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس المقررة في نوفمبر/ تشرين الثاني.
•مساعٍ محمومة لكسر الجمود الدبلوماسي بين الولايات المتحدة وإيران
يرى محللون أن انضمام النمسا واليونان إلى الجهود الدبلوماسية لا يُرجَّح أن يكون محاولة رسمية للوساطة بقدر ما يعكس مسعىً محمومًا لوقف الصراع، نظرًا إلى تداعياته التي باتت تطال عددًا متزايدًا من الدول، وليس دول الشرق الأوسط وحدها.
وقال (علي فايز)، مدير مشروع إيران في مجموعة الأزمات الدولية: «الجميع يحثّ الطرفين ببساطة على وقف هذه اللعبة المتهورة التي يخوض فيها كل طرف اختبارًا لمدى استعداد الآخر للتراجع».
كما يعكس ذلك مدى ما فرضه الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز من جانب إيران على الدول التي كانت، لولا ذلك، مجرد أطراف محايدة تراقب الصراع الأوسع من بعيد، إذ بات يتعين عليها استخدام أي نفوذ دبلوماسي تتمتع به لدى الجانبَين الإيراني والأميركي، في محاولة لإطلاق مسار يقود إلى تسوية مستدامة.
وحذّرت (منى يعقوبيان)، مديرة برنامج الشرق الأوسط في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، من أن أي جهود تبذلها اليونان أو النمسا، أو أي دولة أخرى لا تضطلع بدور الوساطة، قد تبوء بالفشل.
وقالت يعقوبيان: «صحيح أن الاتصالات مع الطرفين قد تتضمن حثّ إيران والولايات المتحدة على العودة إلى طاولة المفاوضات، لكن مثل هذه الجهود لا ترقى إلى مستوى الوساطة، التي تُعد مسعىً بالغ التعقيد، وتتطلب من الوسيط بناء الثقة مع كلا الطرفين».
وأضافت أن الوساطة ليست أمرًا يمكن لأي دولة أن «تنخرط فيه ببساطة من دون تمهيد».
•روبيو ناقش الملف الإيراني مع نظيريه النمساوي واليوناني
قالت وزارة الخارجية الأميركية يوم الجمعة إنها لا تستطيع التعليق على توقيت الاتصالات التي أجراها وزراء خارجية دول أخرى، وأكدت أن روبيو لم يطلب من أيٍّ من نظيريه النمساوي أو اليوناني التواصل مع إيران أو نقل رسائل إلى عراقجي.
وقال دبلوماسي أوروبي، أُطلع على تفاصيل الموضوع وتحدث شريطة عدم الكشف عن هويته نظرًا لحساسية المحادثات الدبلوماسية، إن توقيت هذه الاتصالات لم يكن مصادفة.
لكن وزارة الخارجية أقرت بأن إيران كانت بالفعل أحد موضوعات النقاش في محادثات روبيو، التي جرت في وقتٍ يواجه فيه ترامب ضغوطًا سياسية كبيرة بسبب حرب قدّم لها أهدافًا متغيرة.
ولم يعد الهدف يقتصر على جعل إيران عاجزة عن إنتاج سلاح نووي؛ بل أصبح الهدف الفوري هو إعادة فتح مضيق هرمز، الذي تمر عبره عادةً خُمس إمدادات النفط العالمية، والذي كان مفتوحًا قبل أن تشن الولايات المتحدة وإسرائيل هجماتهما على إيران في 28 فبراير/شباط.
وقال نائب الرئيس الأميركي (جي دي فانس) في مقابلة أجراها يوم الخميس مع شبكة «فوكس نيوز»: «هذا هو الهدف الأول: إبقاء أسعار النفط والغاز منخفضة بالنسبة للأميركيين في جميع أنحاء البلاد». لكنه لم يتطرق إلى ضرورة أن يظل المضيق مفتوحًا ومتاحًا أمام السفن العابرة من دون رسوم أو عوائق، كما كان يؤكد في السابق.
وقال فانس إن الهدف الثاني هو ضمان ألا تحصل إيران على سلاح نووي أبدًا.
•للبلدين الأوروبيين صلات وثيقة بتداعيات الحرب
قد لا تبدو النمسا واليونان خيارين بديهيين للمساعدة في الملف الإيراني، لكن فيينا تستضيف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، التي ستؤدي دورًا محوريًا في أي تسوية تتعلق بالبرنامج النووي الإيراني، كما استضافت المفاوضات النهائية التي أفضت إلى الاتفاق النووي الإيراني لعام 2015. أما اليونان، فهي دولة بحرية رئيسية في منطقة البحر المتوسط، ولديها مصالح كبيرة في قطاع الشحن البحري عبر مضيق هرمز والبحر الأحمر.
ومن خلال البيانات الصادرة عن وزارات الخارجية النمساوية واليونانية والإيرانية، كان واضحًا أن الملف الإيراني تصدّر جميع المحادثات التي جرت هذا الأسبوع.
وقالت وزارة الخارجية اليونانية إن وزير الخارجية (جورج جيرابيتريتيس) تلقى إحاطة من عراقجي بشأن «التطورات الإقليمية، ولا سيما المحادثات الجارية بشأن مضيق هرمز». وأضافت أن جيرابيتريتيس «شدد على أهمية حرية الملاحة والأمن البحري».
و من جانبها، عرضت وزارة الخارجية النمساوية استضافة محادثات محتملة جديدة مع إيران، وقالت إن وزيرة الخارجية (بياته ماينل-رايزينغر) شددت خلال اتصالها بعراقجي على «ضرورة إعادة الاستقرار إلى المنطقة عبر جهود دبلوماسية جادة».
وقالت الوزارة: «لا يمكن أن يكون هناك حل عسكري. ولا يزال الحل الدبلوماسي ممكنًا. وأولويتنا هي ضمان حرية الملاحة عبر مضيق هرمز».
و تبنّت وزارة الخارجية الإيرانية، كما كان متوقعًا، نهجًا مختلفًا في تفسيرها لهذه الاتصالات.
وقالت الوزارة يوم الجمعة إن عراقجي بحث خلال اتصالاته مع نظيريه الأوروبيين «آليات الإدارة المستقبلية لمضيق هرمز»، مشيرًا إلى أن حركة الملاحة فيه تعطلت بسبب «العدوان غير القانوني الذي شنته الولايات المتحدة والنظام الإسرائيلي على إيران».
وفي كلا الاتصالين، اتهم عراقجي الولايات المتحدة بانتهاك الاتفاق المؤقت الذي وقّعه الجانبان في يونيو/حزيران بهدف إنهاء الأعمال القتالية المباشرة وبدء محادثات أوسع للتوصل إلى إنهاء الحرب.