على الرغم من أن مكتب المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى اليمن (OSESGY) أُنشئ أساسًا لتيسير التوصل إلى تسوية سياسية تفاوضية للصراع في اليمن، إلا أن تركيز المكتب على مدى أكثر من عقد تحوّل تدريجيًا نحو إدارة الأزمات والتعامل مع تداعياتها بصورة تفاعلية. وقد اضطر المبعوثون الأمميون المتعاقبون، بمن فيهم المبعوث الحالي (هانس غروندبرغ)، إلى تحويل اهتمامهم من إصلاح منظومة الحكم إلى اتخاذ خطوات قصيرة الأمد لدعم اتفاقات وقف إطلاق النار الهشة.
وتعمل البعثة الأممية حاليًا وفق نهج يركّز على احتواء الأضرار عبر خطوات محدودة وتدريجية. فعلى سبيل المثال، تيسّر عمليات محدودة لتبادل الأسرى، وتجري مشاورات دورية مع الأطراف والجهات الفاعلة المحلية والإقليمية، وتحافظ على قنوات الاتصال الأساسية مفتوحة، بما يتيح إمكانية التفاوض على خرائط طريق تدريجية نحو السلام.
غير أن هذه الجهود تظل في جوهرها معالجات تكتيكية قصيرة الأمد. واليوم، باتت الاستراتيجية الشاملة لجهود الوساطة الأممية في اليمن مُقوَّضة بصورة جوهرية بسبب الانفصال عن الواقع والسياق المتغير على الأرض، ونزعة المؤسسات إلى الحفاظ على بقائها، فضلًا عن تضارب المصالح التي يُنظر إليها على أنها قائمة. وستظل الجهود الدبلوماسية الرامية إلى حل الصراع عقيمة وغير مجدية ما لم تخضع البعثة الأممية في اليمن لإعادة هيكلة جوهرية وشاملة.
• مجمَّدة في الزمن: الأمم المتحدة في اليمن
أطلقت الأمم المتحدة عملية الوساطة في اليمن خلال انتفاضة عام 2011. وعيّن الأمين العام للأمم المتحدة آنذاك (بان كي مون)، الدبلوماسي المغربي (جمال بن عمر) ممثلًا له. وبدأ بن عمر العمل بصفته مستشارًا، لكن الأمم المتحدة قامت في يونيو/حزيران 2012 بإضفاء طابع مؤسسي على هذا الدور من خلال إنشاء مكتب المستشار الخاص للأمين العام المعني باليمن (OSASGY). وبعد شهرين، عُيّن بن عمر رسميًا أول مستشار خاص للمكتب.
ومع احتدام الاحتجاجات في شوارع اليمن، وسط حملات القمع الأمني الدامية في أوائل العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، انصبّ التركيز الأول للبعثة الأممية على دفع اليمن نحو التحول الديمقراطي. فقد أسهمت الأمم المتحدة في تيسير اتفاق الانتقال السياسي الذي أُبرم في نوفمبر/تشرين الثاني 2011 بين نظام الرئيس السابق (علي عبد الله صالح) وقوى المعارضة، ونصّ على انتقال السلطة من صالح إلى نائبه (عبد ربه منصور هادي)، كما دعمت مؤتمر الحوار الوطني الذي انعقد خلال عامي 2013 و2014.
وفي عام 2015، تحوّل مكتب المستشار الخاص للأمين العام المعني باليمن (OSASGY) إلى مكتب المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى اليمن (OSESGY). وفي أبريل/نيسان 2015، أصدر مجلس الأمن الدولي القرار رقم 2216 بشأن النزاع في اليمن، طالبًا من الأمين العام استخدام مساعيه الحميدة لتيسير «عملية انتقال سلمية وشاملة ومنظمة، بقيادة يمنية، تلبي المطالب والتطلعات المشروعة للشعب اليمني».
وقد شكّل هذا القرار الأساس الذي استندت إليه جهود الوساطة الأممية اللاحقة. غير أن القرار 2216 لم يُحدَّث أو يُستبدل منذ ذلك الحين، ما يعني أن إطار الوساطة القائم حاليًا لا يزال يستند إلى تصورات بشأن موازين القوى السياسية في اليمن تعود إلى عام 2015، وهي تصورات أصبحت اليوم متقادمة.
فعلى سبيل المثال، يُفرِض القرار عقوبات على الرئيس السابق علي عبد الله صالح بسبب تحالفه مع الحوثيين، إلا أن الحوثيين أنفسهم قتلوا صالح عام 2017. كما ينص القرار على الالتزام بإعادة حكومة الرئيس هادي إلى السلطة، غير أن هادي استقال عام 2022 ونقل صلاحياته إلى مجلس القيادة الرئاسي (PLC).
وبالتالي، فإن القرار 2216 يستند إلى ظروف ومعطيات سياسية لم تعد قائمة اليوم.
كما يتعامل قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2216 مع الحوثيين أساسًا بوصفهم متمردين مسلحين. ويطالب القرار الحوثيين بنزع سلاحهم دون قيد أو شرط، والانسحاب الكامل من جميع المدن التي سيطروا عليها، بما فيها صنعاء. غير أن الحركة أصبحت منذ عام 2014 راسخة في صنعاء وشمال اليمن؛ ومن ثم فإن التعامل مع السلطات الحوثية بحكم الأمر الواقع في الشمال باعتبارها مجرد حركة تمرد قصيرة الأمد، يمثل مقاربة غير واقعية لمفاوضات السلام.
وقد تجلّى هذا الانفصال عن الواقع الراهن في اليمن أيضًا في عجز المجتمع الدولي عن تنفيذ بنود أخرى من القرار. فقد فرض القرار 2216 حظرًا مفتوح المدة على توريد الأسلحة بهدف الحد من قدرات الحوثيين، إلا أن الجماعة تمكنت باستمرار من الالتفاف على العقوبات عبر عمليات التهريب، ونجحت في الحفاظ على قدراتها المحلية في تصنيع الصواريخ والطائرات المُسيّرة.
كما أثبتت العديد من العقوبات عدم فاعليتها، نظرًا إلى أن الجماعة كانت تملك قدرًا محدودًا من الأصول الخارجية ونقاط الضعف المرتبطة بالخارج؛ ولذلك لم تُحدث قوائم العقوبات السوداء ذات الطابع العقابي تأثيرًا يُذكر عليها.
وفوق ذلك، وكما وثّق تقرير فريق الخبراء التابع لمجلس الأمن الدولي بشأن اليمن لعام 2025، فقد نجح الحوثيون إلى حدٍّ كبير في ترسيخ سيطرتهم العسكرية والمجتمعية في المناطق الخاضعة لهيمنتهم.
كما نظر قرار عام 2015 إلى الحوثيين باعتبارهم طرفًا يمنيًا محليًا. لكن في عام 2026، يبدو أن الحوثيين يتجهون إلى التحول إلى فاعل إقليمي يمتلك نفوذًا اقتصاديًا قد يمتد إلى المستوى العالمي، وهو ما تجلّى في انخراط الجماعة في حرب غزة وأنشطتها العسكرية في البحر الأحمر. وأصبحت الولاية الصارمة التي يفرضها القرار 2216 منفصلة عن الحقائق الجيوسياسية الراهنة، وغير ملائمة للتعامل مع النزاعات وحلها في سياقها المعاصر. كما أن الإطار القائم لا يوفر أي آليات للتعامل مع اتساع نطاق التهديد الذي تمثله جماعة الحوثيين. ولم يضغط الأمين العام للأمم المتحدة ولا المبعوث الخاص علنًا على مجلس الأمن من أجل إصدار قرار مُحدَّث.
وقد أدى الجمود المؤسسي إلى مزيد من تقويض فاعلية البعثة الأممية، التي باتت تعمل بصورة متزايدة كجهاز إداري يسعى إلى الحفاظ على استمراره، بدلًا من كونها آلية فعالة للوساطة. وتحولت جهود صنع السلام إلى ممارسة بيروقراطية تعيد إنتاج نفسها باستمرار، وهو ما يرى منتقدون أنه يعطي الأولوية للحفاظ على الولاية الرسمية للبعثة، بدلًا من تحقيق تسوية فعلية للصراع.
وعلى نحوٍ روتيني، دأبت الأمم المتحدة على تجديد ولاية بعثة الأمم المتحدة لدعم اتفاق الحديدة (UNMHA) سنويًا، وهي البعثة التي أُنشئت عام 2019 بموجب قرار مجلس الأمن رقم 2452، رغم أن الإطار السياسي الذي استندت إليه، والرامي إلى نزع الطابع العسكري عن الموانئ اليمنية الحيوية على البحر الأحمر، كان قد أخفق بالفعل.
وعمليًا، حافظت البعثة الأممية على وجود ميداني تُنفق عليه ملايين الدولارات لمجرد الإبقاء على حضورها الدبلوماسي، مفضّلةً استمرار ولايتها المؤسسية على تحقيق تسوية فعلية للصراع. ولم تُنهَ ولاية بعثة الأمم المتحدة لدعم اتفاق الحديدة إلا في مارس/آذار 2026.
وفي كثير من الأحيان، يبدو أن النشاط الدبلوماسي يستمر بعد أن تكون التطورات التي أُنشئ للتعامل معها قد تجاوزته بالفعل.
• فوق مستوى الشبهات
إن تعيين السويدي (هانس غروندبرغ) مبعوثًا خاصًا للأمم المتحدة في أغسطس/آب 2021 استفاد في البداية من السمعة الراسخة التي تتمتع بها السويد لدى اليمنيين، لجهة احترامها لحقوق الإنسان والتزامها بالحياد. ويحافظ غروندبرغ رسميًا على حياد مؤسسي واضح، إذ لا تربطه علاقات انحيازية بأي طرف من أطراف النزاع، سواء التحالف الذي تقوده السعودية، أو الحكومة اليمنية، أو الحوثيين. ومع ذلك، واجه غروندبرغ عددًا من العقبات الكبيرة التي أعاقت تقدّم مهمته.
وفي حين التقى المبعوثون الأمميون السابقون (عبد الملك الحوثي)، زعيم جماعة الحوثيين، وجهًا لوجه عدة مرات، لم يتمكن غروندبرغ من عقد مثل هذا اللقاء قط. وكان وصول كبار المسؤولين الأمميين إلى صنعاء مقيّدًا أصلًا. وبعد زيارته للعاصمة في مايو/أيار 2023، لم يتمكن غروندبرغ من زيارتها مجددًا لما يقرب من عامين.
وخلال تلك الفترة، ازداد الوضع تدهورًا عقب حملة الاعتقالات التعسفية التي شنّها الحوثيون في منتصف عام 2024 وطالت موظفين أمميين وعاملين في منظمات المجتمع المدني. وبعد أن اتهمت السلطات الحوثية المعتقلين علنًا بالانتماء إلى ما وصفته بـ «شبكة تجسس أمريكية-إسرائيلية»، جُمّدت الزيارات الأممية المباشرة إلى العاصمة.
وباستثناء زيارة نادرة استمرت ثلاثة أيام في يناير/كانون الثاني 2025، وكان هدفها الأساسي المطالبة بالإفراج عن الموظفين المحتجزين، ظلّت الزيارات الأممية المباشرة إلى العاصمة مجمّدة. وقد أدى هذا الافتقار إلى التواصل المباشر عمليًا إلى شلّ جهود الوساطة الحضورية بين الجانبين.
و في 15 أغسطس/آب 2024، عُيّنت زوجة غروندبرغ (ألكسندرا ريدمارك)، سفيرةً للسويد لدى إسرائيل. وجاء تعيينها بعد شهر واحد فقط من الهجوم غير المسبوق الذي شنّه الحوثيون بطائرة مُسيّرة على تل أبيب في 19 يوليو/تموز 2024. وكان ذلك الهجوم المرة الأولى التي يتمكن فيها مقذوف حوثي من اختراق منظومة الدفاع الجوي الإسرائيلية المتعددة الطبقات والمتطورة وإصابة وسط المدينة، ما أسفر عن مقتل شخص وإصابة عشرة آخرين. وفي اليوم التالي، شنّت إسرائيل هجماتٍ انتقامية مكثفة على ميناء الحديدة الخاضع لسيطرة الحوثيين. ورأت وسائل إعلام مؤيدة للحوثيين أن تعيين ريدمارك من شأنه أن يقوّض موقف غروندبرغ، ويضعف الحياد الذي يُفترض أن تتحلى به الأمم المتحدة، ويخلق تضاربًا حادًا في المصالح في جهود الوساطة لحل النزاع اليمني.
ومع دخول الحوثيين في مواجهة عسكرية مباشرة مع إسرائيل، لم يعد من الممكن النظر إلى الروابط الشخصية لغروندبرغ بمعزل عن سياق الصراع. ففي وساطة النزاعات عالية المخاطر، حيث يكون الحياد المتصوَّر حاسمًا بقدر الحياد المؤسسي، فإن حتى الروابط العائلية والزوجية غير المباشرة بأحد أطراف النزاع المنخرطين فعليًا في القتال قد تعرّض مكانة المبعوث بوصفه وسيطًا محايدًا للخطر.
كما تتقوّض فاعلية غروندبرغ بصفته المبعوث الخاص للأمم المتحدة بسبب عدم إجادته اللغة العربية، الأمر الذي يصعّب عليه الإحاطة على نحو كامل بالسياق الاجتماعي والثقافي المحلي وفهم تعقيداته.
• الحاجة إلى إعادة هيكلة مؤسسية
إن إجراء إصلاح شامل في إطار الوساطة الأممية —على المستويات القانونية والمؤسسية والدبلوماسية والعملياتية— بات أمرًا ضروريًا لتحقيق تقدم حقيقي في جهود الأمم المتحدة لإحلال السلام في اليمن. وتقع مسؤولية ذلك على عاتق مجلس الأمن الدولي والأمين العام للأمم المتحدة.
أولًا، ينبغي لمجلس الأمن الدولي، بقيادة أعضائه الخمسة الدائمين: الصين وفرنسا وروسيا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، أن يبادر فورًا إلى إعداد وطرح قرار مُحدَّث بشأن اليمن. وينبغي للقرار الجديد أن يتخلى رسميًا عن النص القديم والمرجعيات السياسية التي تعود إلى عام 2015، وأن يعكس موازين القوى الراهنة، بما في ذلك مجلس القيادة الرئاسي والسلطات الفعلية الحالية التي تسيطر على الأراضي، وأن يرسّخ إطارًا متعدد الأطراف لتسوية النزاع، ويستبدل المطالب غير المشروطة بنزع سلاح الحوثيين بمنظومة أمنية منظمة تُطبَّق على مراحل.
كما ينبغي استبدال العقوبات العقابية الجامدة بحوافز ديناميكية ومتدرجة. فعندما جعل القرار 2216 نزع السلاح الكامل شرطًا مسبقًا بدلًا من اعتباره نتيجة يمكن تحقيقها على مراحل، فإنه لم يترك للحوثيين أي حافز سياسي يُذكر للتفاوض، وأسهم عمليًا في تعزيز توجههم نحو مواصلة القتال.
ولتحقيق جهود حقيقية وفاعلة لصنع السلام، يتعين على الأمم المتحدة أن تستبدل العقوبات المفتوحة وغير محددة الأجل بحوافز مرنة مرتبطة بمعايير واضحة وقابلة للقياس، بحيث تكون هذه الحوافز مشروطة بالتزامات أمنية واقعية تُنفَّذ على مراحل.
و ينبغي أن ينصّ قرار جديد لمجلس الأمن أيضًا على إنشاء آلية لتوزيع العمليات الإنسانية على مراكز إقليمية، بما يحرم السلطات المركزية من القدرة على استغلال اعتماد الجهات الإنسانية عليها أو احتجاز الموظفين لتحقيق مكاسب سياسية. وعلى الرغم من أن المنسق المقيم ومنسق الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة انتقل إلى عدن في سبتمبر/أيلول 2025، فإن عمليات الانتقال المؤقتة من هذا النوع تظل غير كافية، نظرًا إلى تركّز إجراءات الموافقات الإدارية والتصاريح اللوجستية والمقرّ الرئيسي للمنظمات والوكالات الأممية في صنعاء، وهو ما يمنح الحوثيين شبه احتكار لتوزيع المساعدات.
ويجب أن يُلزم القرار الجديد وكالات الأمم المتحدة وصناديقها وبرامجها بتوزيع عمليات المشتريات والتصاريح اللوجستية وإدارة شؤون الموظفين بصورة منهجية بين مراكز إقليمية، مثل عدن ومأرب والمخا والمكلا.
أما الإصلاح الأهم في إطار الوساطة، فيتمثل في فرض بروتوكولات صارمة للتعامل مع تضارب المصالح من جانب الأمانة العامة للأمم المتحدة. ومن شأن وضع ضوابط واضحة للفصل الدبلوماسي ومعايير أخلاقية محددة للمبعوثين الأمميين إلى اليمن أن يساعد في منع تدهور الوضع المتردي أصلًا. وخلال الحروب الإقليمية، يتعين على الأمم المتحدة فرض إفصاحات إلزامية وبروتوكولات لتقييم مخاطر التصورات والانطباعات، مثل التعيينات الدبلوماسية لأفراد الأسرة المباشرين، التي قد تقوّض الحياد الذي يُنظر إلى المبعوث على أنه يتحلى به، فضلًا عن احتمال تعريض موظفي الأمم المتحدة المحليين والدوليين للخطر.
كما ينبغي ألا تغفل عملية الإصلاح تفاصيل أساسية، مثل إتقان اللغة المحلية. إذ يجب أن يكون بوسع القيادات العليا وفرق الوساطة الأساسية العاملة على الأرض إثبات كفاءتها في اللغة العربية وإلمامها العميق بالسياق المحلي.
ولا تملك الأمم المتحدة قدرات سحرية لإجبار أطراف الحرب على الانخراط والتعاون، أيًّا كان نموذج السلام الذي تتبناه. فالوساطة في اليمن تعتمد في جوهرها على الإرادة السياسية للأطراف المحلية والإقليمية. لكن إذا أرادت الأمم المتحدة أن تكون لديها فرصة حقيقية لتحسين الوضع، فعليها أولًا تهيئة الظروف التي تمكّن مبعوثيها من النجاح في أداء مهمتهم.
للاطلاع على المادة من موقعها الأصلي عبر الرابط التالي..
https://arabcenterdc.org/resource/why-un-mediation-in-yemen-needs-an-overhaul/