اقتصاد: سمك البحر الأحمر للأثرياء.. الصيادون يواجهون مخاطر أمنية والفقراء يدفعون الثمن
يمن فيوتشر - العربي الجديد- محمد راجح: السبت, 08 أغسطس, 2026 - 04:01 مساءً
اقتصاد: سمك البحر الأحمر للأثرياء.. الصيادون يواجهون مخاطر أمنية والفقراء يدفعون الثمن

لم يكن أحد في اليمن يتصور أن يصل الوضع إلى مستوى اختفاء السمك عن موائد عدد كبير من أسر البلاد التي يزيد شريطها الساحلي عن 2500 كيلومتر، وتحتوي على أكثر من 300 نوع من السمك، خصوصاً في المدن والمناطق الساحلية حيث كان الصيد مصدر رزق أساسياً، ومختلف أنواع السمك لا تفارق الموائد على نحوٍ شبه يومي.
وزادت التوترات المتصاعدة في البحر الأحمر وخليج عدن والبحر العربي، أزمات اليمن الذي يعيش أساساً وسط حروب وصراعات داخلية، ويواجه سكانه الفقر والبطالة وارتفاع أسعار الوقود والسلع بمختلف أنواعها، ومنهم الصيادين والذين يعتبرون من أكبر الفئات العاملة على الشريط البحري، والذين يواجهون مخاطر أمنية كبيرة في عرض البحر الذي يشهد استهدافات للسفن وتهديدات متواصلة للناقلات البحرية.
ورصدت "العربي الجديد" من خلال استطلاع آراء العديد من المواطنين والأسر في عدن، جنوبي اليمن، المتخذة عاصمة مؤقتة للحكومة المعترف بها دولياً، تناقص عدد الأيام التي كان فيها اليمنيون يتناولون السمك من ستة أيام أسبوعياً إلى يومين بالحد الأقصى. في حين يختلف الوضع في صنعاء والحديدة شمال غربي اليمن، إذ يغيب السمك كلياً عن موائد النسبة الأكبر من المستطلعة آراؤهم، فمدينة الحديدة الواقعة على البحر الأحمر، تشهدُ اضطرابات متواصلة منذ العام 2023، وزادت مؤخراً بعدما توسّعت عملية إغلاق مضيق هرمز إلى باب المندب وإلى المياه اليمنية جنوبي البحر الأحمر. وتعتبر الحديدة مصدراً رئيسياً لأكثر من 50 صنفاً من السمك.
وشرح عدد من الصيادين لـ"العربي الجديد" عن رحلاتهم الشاقة والمخاطر التي يواجهونها في عرض البحر، إذ ابتعد السمك كثيراً باتجاه عمق البحر، ما أجبر الصيادين للابتعاد أيضاً بحثاً عن كميات قد توفر لهم طعام عائلاتهم وكمية أخرى للتجارة.


•مسارات السفن في مواقع الاصطياد
ولفت بعض الصيادين إلى أن العديد من السفن تلجأ إلى طرق إبحار متخفية بعيداً عن مرمى الحوثيين، ما وضع مساراتها في مواقع الاصطياد، فضلاً عن تكاثر القطع العسكرية بالقرب من المناطق المائية في اليمن، من البحر الأحمر وخليج عدن وصولاً إلى البحر العربي في حضرموت والمهرة وسقطرى شرقي البلاد.
وتبرز القوارب الصغيرة البدائية وارتفاع أسعار الوقود كأكبر المشاكل والأزمات التي يواجهها الصيادون، إلى جانب صعوبة الوصول إلى مناطق الاصطياد وارتفاع تكاليف الوقود وتردّي الأوضاع المعيشية لنسبة كبيرة منهم، فيما خفضت مواقع الاصطياد البعيدة كمية الصيد.
يقول الصياد مشتاق أحمد، من عدن، لـ"العربي الجديد" إنّه يعجز في الكثير من الأيام عن الخروج للصيد هو ورفاقه، لعدم توفر المال لشراء الوقود وتشغيل القوارب، فيما يضطر كثيرون لاقتراض المال لهذا الغرض، في حين أن رحلات الاصطياد الشاقة في خليج عدن جعلت الكثير منهم يتردد في الذهاب للصيد.
يلفت الصياد يحيى المروعي من محافظة الحديدة، إلى أن القوارب البدائية والصغيرة ليست قادرة على الإبحار للوصول إلى مناطق الاصطياد التي يجدونها تبتعد عنهم أكثر فأكثر كلما ذهبوا في رحلة اصطياد مؤخراً؛ بسبب الوضع المضطرب في البحر الأحمر.
ويبدي الكثير من المواطنين اليمنيين دهشتهم عند سؤالهم عن السمك والقدرة على شرائه والمرة الأخيرة التي أكلوا فيها طبقاً بحرياً، إذ يقول المواطن عابد أحمد وهو من سكان عدن لـ"العربي الجديد" إنّه تمكن في الأيام العشرة السابقة من توفير السمك وجبةً رئيسية مرتَين فقط.
بدوره، يشير المواطن جلال قايد، وهو من سكان صنعاء لـ"العربي الجديد" إلى الغلاء باعتباره سبباً رئيسياً أدى إلى ابتعاد الكثير من الأسر عن شراء السمك، وتقلّص الكثير من الأصناف غزيرة التكاثر والإنتاج ورخيصة السعر والتي لم تعد تتوفر في الأسواق.
ويوضح منصور عبيد من سكان عدن ذلك أكثر لـ"العربي الجديد" بالقول، إنّ الأمر خلال الفترات الماضية لم يكن يتطلب سوى ألف ريال، وفي حد أقصى 3 آلاف ريال، لشراء كيلوغرام من السمك، لكن الآن حتى مبلغ 15 ألف ريال لا يكفي لتوفير السمك التي تعتبر رخيصة الثمن: "أما شراء أصناف أكثر جودة وشهرة فقد يفقدك راتبك بالكامل أو نصفه في حال أردت شراء كيلوغرام واحد فقط منها".


•بين التضخم والرقابة
رصدت "العربي الجديد" تصاعد سعر سمك الديرك خلال السنوات الخمس الماضية، من 4000 ريال، ثم 8 آلاف ريال قبل أن يقفز منذ عامَين إلى 18 ألف ريال، ثم 24 ألفاً، في حين يصل سعره حالياً إلى نحو 25 ألف ريال، علماً بأن سعر الصرف في عدن اقترب خلال فترة من الفترات من تجاوز حاجز الألف الثالثة مقابل الدولار بعدما استقر فترة بين 2500 و2800 ريال، قبل تثبيته منذ نهاية العام الماضي عند 1600 ريال للدولار الواحد (يبلغ سعر الصرف في صنعاء نحو 550 ريالاً مقابل الدولار). علاوة على ذلك يعاني الموظفون بخاصّة من تدني رواتبهم والتي لا تزيد عن 70 ألف ريال، وهي مبالغ ضئيلة يلتهمها التضخم والأسعار.
في السياق، يعدد وكيل وزارة الثروة السمكية غازي بلحمر في تصريح لـ"العربي الجديد" أربعة أسباب لشح وارتفاع أسعار السمك محلياً، يتمثل أولها بضعف البنية التحتية للأسواق المحلية والتجهيزات اللازمة لحفظ وتداول السمك بكميات كافية وجودة عالية، فيما السبب الثاني يعود إلى ضعف الرقابة على الأسواق المحلية من الجهات ذات العلاقة في مراقبة الأسعار وضبط المتلاعبين.
ويبرز ارتفاع أسعار الوقود عاملاً ثالثاً من ناحية تأثيره الكبير على العملية الإنتاجية وارتفاع تكاليف التشغيل، بينما يعود العامل الرابع إلى تراجع مواسم بعض الأنواع المرغوبة محلياً.
من جهته، يرد نائب وزير الصناعة والتجارة اليمني سالم سلمان في تصريح لـ"العربي الجديد" أنّ وزارة الصناعة والتجارة تنسق مع وزارة الزراعة والري والثروة السمكية والسلطات المحلية لمتابعة المعروض والأسعار. أما حظر التصدير بحسب حديث سلمان فلا يُتخذ إلّا عند ثبوت وجود نقص فعلي يهدد السوق المحلية، مع تفضيل الحلول التنظيمية المؤقتة التي تحقق التوازن بين حماية المستهلك ومصالح الصيادين والمنتجين وهذا أمر استراتيجي يجري بتنسيق مباشر من الوزارتَين للحفاظ على الاستقرار والاستثمار نحو التنمية المستدامة.
ويؤكد نائب وزير الصناعة والتجارة اليمني أنّ أسعار السمك ترتبط بحجم الإنتاج اليومي، وكلفة الوقود والتخزين والنقل والحفظ، والأحوال الجوية، وتعدد الوسطاء، ومستوى الطلب المحلي والخارجي. 


التعليقات