شهد العالم يوم الخميس تقلبًا حادًا بين مشهدين متناقضين: تصعيد خطير ووشيك للحرب مع إيران بدا أقرب من أي وقتٍ مضى، وادعاء مفاجئ بإحلال السلام وإنهاء الأزمة.
على الأقل، هذا ما يروّج له الرئيس الأميركي (دونالد ترامب).
ففي ساعات الصباح، لوّح القائد الأعلى للقوات المسلحة الأميركية بإمكانية استهداف جزيرة خرج الإيرانية، مركز تصدير النفط الحيوي، في خطوة عسكرية قد تعرّض حياة عدد كبير من الأميركيين للخطر.
لكن بعد ساعات فقط، أعلن أنه توصل إلى ما وصفه بـ«اتفاقٍ عظيم» لإنهاء الحرب، مؤكدًا أن نتيجته ستكون حرمان الجمهورية الإسلامية من امتلاك سلاح نووي.
وجادل ترامب بأن تهديداته — إلى جانب الضربات الجوية الأخيرة على إيران — دفعت طهران فعليًا إلى التراجع والعودة إلى طاولة التفاوض تحت وطأة الضغط العسكري.
وقال ترامب خلال تجمع انتخابي افتراضي يتعلق بسباق حاكم ولاية جورجيا:
«لا أعلم إن كنتم قد سمعتم، لكننا أنهينا الحرب مع إيران اليوم.»
غير أن الواقع قد يكون أكثر تعقيدًا بقليل.
فأي اتفاق قابل للتحقق يضع حدًا للطموحات النووية الإيرانية ويضمن امتثال طهران له، سيُعد اختراقًا تاريخيًا. كما أنه سينهي حربًا هزّت منطقة الشرق الأوسط، وأشعلت أزمة طاقة أربكت الاقتصاد العالمي، وأسهمت في ارتفاع أسعار الوقود ومعدلات التضخم داخل الولايات المتحدة.
و سيمنح ذلك ترامب مخرجًا من حرب كان يُفترض أن تستمر لأسابيع فقط عندما أطلقها في فبراير/ شباط، لكنها امتدت إلى فصل الصيف وألحقت ضررًا بمكانته السياسية على الصعيد الداخلي.
والأهم من ذلك، أن مثل هذا الاتفاق قد يسهم في إنقاذ أرواح العسكريين الأميركيين، والمدنيين الإيرانيين والإسرائيليين، وغيرهم ممن وجدوا أنفسهم عالقين وسط نيران التصعيد الإقليمي المتبادل.
لكن، وبعبارة مخففة، فإن ترامب بالكاد كان راويًا موثوقًا لتطورات هذه الحرب. فقد أعلن ما يقرب من 40 مرة أن التوصل إلى اتفاق بات وشيكًا، كما كرر مرارًا ادعاءه بأن إيران رضخت لمطالبه، في وقتٍ أظهرت فيه مواقف الجمهورية الإسلامية المتحدة عكس ذلك.
لذلك، سيترقب العالم مزيدًا من التفاصيل بشأن الاتفاق بقدرٍ مشروع من التشكيك، حتى في الوقت الذي يتوقع فيه ترامب إمكانية إقامة مراسم توقيع الاتفاق في أوروبا قريبًا.
وقال (سيث جونز)، رئيس قسم الدفاع والأمن في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، في تصريح لشبكة سي إن إن:
«حتى هذه اللحظة، لا توجد أدلة موثوقة تؤكد أن لدينا اتفاقًا، وحتى إذا وُجد اتفاق بالفعل، فما يزال من غير الواضح ما إذا كان سيصمد.»
وفي غياب مثل هذه الأدلة، قد يخلص كثيرون إلى أن الرئيس — المعروف ببراعته في التسويق السياسي وصناعة الصورة — يبالغ في الترويج للاتفاق.
•«هذا ليس اتفاقًا نهائيًا لإنهاء الحرب»
لم يصدر البيت الأبيض حتى الآن النص التفصيلي لمذكرة التفاهم المقترحة. غير أن أحد السيناريوهات المرجّحة يتمثل في توصّل المفاوضين إلى تفاهم مع إيران يقضي بإعادة فتح مضيق هرمز مقابل تعليق الحصار البحري الأميركي. وعلى الأرجح، سيتضمن ذلك تفاهمات تؤجل القضية الأكثر حساسية وتعقيدًا — أي مصير البرنامج النووي الإيراني — إلى جولات تفاوض لاحقة.
وقال (فرانك كيندل)، الذي شغل منصب وزير القوات الجوية الأميركية خلال إدارة (جو بايدن)، لشبكة سي إن إن في حديث مع (جاك تايبر) يوم الخميس، إن تصريحات ترامب ينبغي التعامل معها «بقدر من التحفّظ والحذر».
وأضاف كيندال:
«من المهم للغاية إدراك أن هذا ليس اتفاقًا نهائيًا لإنهاء هذه الحرب. بل هو، على الأرجح، تمديد لاتفاق وقف إطلاق النار لمدة تقارب 60 يومًا، بينما تستمر المفاوضات بشأن البرنامج النووي الإيراني، وهو السبب الذي دخلنا الحرب من أجله — ظاهريًا على الأقل.»
كما يبدي بعض الجمهوريين المحافظين تشككهم حيال الأمر، ومن بينهم المعلّق في قناة فوكس نيوز (مارك ليڤين). إذ كتب على منصة إكس:
«من الصعب مناقشة مذكرة تفاهم لم تُنشر للعلن بعد، ولا نعرف شروطها الدقيقة. وإذا كانت قد أُنجزت بالفعل وسيتم توقيعها خلال 48 إلى 72 ساعة، فلنرها.»
وحتى إذا جرى تأكيد مذكرة التفاهم وتوقيعها رسميًا، فإنها ستثير مجموعة جديدة من التساؤلات.
أولًا، سيُقيَّم ترامب على ضوء الاتفاق الشامل الذي جرى التفاوض عليه بدقة واستغرق وقتًا طويلًا، وحظي بدعم دولي، بهدف وضع حد يمكن التحقق منه للبرنامج النووي الإيراني، وهو الاتفاق الذي تفاوض عليه فريق الرئيس الأميركي السابق (باراك أوباما). وكان ترامب قد انسحب من ذلك الاتفاق في عام 2018، رغم أن إدارته خلال ولايته الأولى أقرت بأن طهران كانت ملتزمة ببنوده.
وفي نهاية المطاف، سيظل عليه الإجابة عن سؤال جوهري:
هل جعلت حربه — التي أودت بحياة 13 عسكريًا أميركيًا، وألحقت خسائر بمعدات عسكرية أميركية تُقدّر بملايين الدولارات، وأدخلت الاقتصاد العالمي في أزمة — الأميركيين أكثر أمنًا أو في وضع أفضل؟
•معايير تقييم اتفاقٍ محتمل
في حين يمتلك الرئيس مهارة واضحة في صياغة السرديات السياسية وتوجيهها، فإن الوقائع الميدانية للحرب، إلى جانب وجود خصم لا يُظهر أي استعداد للتراجع، تعني أن الطبيعة الحقيقية للاتفاق المقترح ستتكشف قريبًا.
وعندما تُنشر التفاصيل الكاملة للاتفاق، سيواجه ترامب مجموعة من الأسئلة والمعايير التي ستختبر مدى جديته وإمكانية استمراره.
فهل يقتصر الأمر على اتفاق لإعادة فتح المضيق وإنهاء الحصار، أم أنه يتناول جوهر القضية الأساسية المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني؟
وقد أثار ترامب إشارات تحذيرية عندما وصف مذكرة التفاهم المقترحة، خلال حديثه يوم الخميس في المكتب البيضاوي، بأنها «ذات طابع تصوّري إلى حدّ ما». ويوحي هذا الوصف بأن الاتفاق قد يكون سطحيًا ولم يصل بعد إلى مرحلة الصياغة النهائية.
كما أن نطاق الاتفاق يُعد عنصرًا بالغ الأهمية.
فإعادة فتح المضيق من شأنه أن يمثل انفراجة كبيرة لحكومات المنطقة، والدول المنتجة للنفط، والمستهلكين حول العالم. كذلك، فإن إنهاء الحصار الأميركي قد يخفف جزئيًا من وطأة المعاناة الاقتصادية القاسية التي يتحملها المدنيون الإيرانيون في ظل سياسات حكامهم القمعية.
غير أن مثل هذا الاتفاق لن يمثل سوى عودة إلى نقطة البداية، أي إعادة عقارب الساعة إلى ما كانت عليه قبل اندلاع الحرب.
كما أنه لن يُلغي تطورًا استراتيجيًا إيرانيًا مهمًا، يتمثل في إظهار طهران لقدرة جديدة على إغلاق المضيق وخنق الاقتصاد العالمي في أي لحظة.
•ما مدى قوة الصياغة المتعلقة بتقييد الطموحات النووية الإيرانية؟
إن مجرد اتفاق لبدء محادثات بشأن البرنامج النووي الإيراني لا يمكن اعتباره بأي حال «اتفاقًا عظيمًا». فالتجربة التاريخية تشير إلى أن مثل هذه المفاوضات غالبًا ما تمتد لأسابيع أو أشهر، دون أي ضمان للوصول إلى نتيجة نهائية ناجحة.
كما ستتضمن تلك المحادثات مفاوضات دقيقة ومعقدة حول آليات التحقق من التزامات إيران بعدم تخصيب اليورانيوم.
أما مسألة التخلص من مخزونات طهران من اليورانيوم عالي التخصيب — والتي راكمتها بعد أن ألغى ترامب الاتفاق الذي أبرمته إدارة أوباما — فقد تكون كفيلة بإفشال المفاوضات في أي لحظة. إذ تؤكد إيران منذ فترة طويلة أنها لا تسعى إلى إنتاج سلاحٍ نووي، وبالتالي فإن مجرد توقيعها على وثيقة بهذا المعنى لن يحمل قيمة كبيرة، مهما حاول ترامب تقديمه في إطار سياسي مختلف.
وقد بدأ الغموض الذي يحيط بموقف البيت الأبيض يثير موجة من الشكوك داخل الكونغرس الأميركي.
وقال السيناتور الجمهوري عن ولاية لويزيانا (جون كينيدي) في تعليق لشبكة CNN عندما سُئل عن إعلان ترامب:
«أريد أن أطلع عليه. إنني أثق بالقيادة السياسية في إيران بقدر ما أثق بدورة مياه في محطة استراحة على الطريق.»
وسيكون رد فعل الجمهوريين على التفاصيل النهائية لمذكرة التفاهم عاملًا مهمًا في تحديد مسارها. إذ إن رفضًا داخل الحزب الجمهوري لصياغة سابقة يُعتقد أنه دفع ترامب إلى إعادة النص إلى إيران مع إدخال تعديلات عليه.
•ما حجم الأموال أو التخفيف من العقوبات الذي ستحصل عليه إيران مقابل المضي قدمًا؟
كان الاقتصاد الإيراني في حالة انهيار فعلي حتى قبل أن يفرض ترامب حصارًا على سفنها وموانئها. فقد أدت سنوات طويلة من العقوبات إلى إنهاك اقتصاد البلاد بشكلٍ بالغ. لذلك، طالبت طهران بحوافز مالية كبيرة للدخول في مسار دبلوماسي. وكانت شبكة سي إن إن قد ذكرت في مايو/ آيار أن إيران تسعى إلى الإفراج الفوري عن مليارات الدولارات المجمدة في حساباتٍ مصرفية خارجية.
وأي انطباع بأن إيران «تشتري» ترامب سياسيًا سيكون كارثيًا على الرئيس من الناحية السياسية. فهو قد وجّه انتقاداتٍ متكررة لما اعتبره تنازلات مالية قدمتها إدارة أوباما مقابل تجميد البرنامج النووي الإيراني. كما أن مثل هذا المسار قد يواجه رفضًا حاسمًا من أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين الذين سيحتاج ترامب إلى دعمهم لرفع بعض العقوبات من أجل تثبيت أي اتفاقٍ نهائي.
وقال السيناتور الجمهوري عن ولاية لويزيانا جون كينيدي:
«كما أريد أيضًا أن أعرف كم من الأموال سنُفرج عنها لإيران.»
•هل ستكون إسرائيل على توافق؟
أطلق ترامب الحرب بالتعاون مع رئيس الوزراء الإسرائيلي (بنيامين نتنياهو)، غير أن مصالح الطرفين بدأت تتباعد خلال الأسابيع الأخيرة. فقد ضغط ترامب على إسرائيل لتقييد هجماتها على حزب الله المدعوم من إيران في بيروت، والتي كانت تهدد فرص التوصل إلى اتفاق.
وتحدث الزعيمان مرة أخرى يوم الخميس، وأظهر البيان الإسرائيلي الرسمي نبرة دبلوماسية لم تنتقد ترامب بشكلٍ مباشر، لكنه أوحى بأن الاتفاق الأولي لن يلبي أهم المطالب الأمنية لإسرائيل.
وأشار نتنياهو إلى أنه «أعرب عن تقديره» لترامب على التزامه بأن أي اتفاقٍ نهائي سيشمل إزالة اليورانيوم المخصب من طهران، وتفكيك بنيتها التحتية النووية، والحد من إنتاج الصواريخ، وإنهاء دعمها للوكلاء الإقليميين.
ويرى الجانب الإسرائيلي أن وجود قوات حزب الله في لبنان، وإصرار إيران على إعادة بناء هذه القوة كأداة رئيسية لنفوذها الإقليمي، كاد أن يعرقل محادثات الولايات المتحدة وإيران الأسبوع الماضي.
ولا يزال هذا السيناريو قائمًا وقادرًا على عرقلة المسار في أي لحظة مستقبلية.
•هل تشارك إيران رؤية ترامب للتقدم؟
أشار ترامب يوم الخميس إلى أن المرشد الأعلى الإيراني الجديد قد وافق على الاتفاق.
لكن لا توجد أدلة تُذكر تدعم ادعاءاته بأنه بات يتفاوض مع قيادات أكثر «عقلانية» داخل النظام الإيراني، وذلك بعد مقتل عدد من كبار المسؤولين في غارات أميركية وإسرائيلية.
و حتى الآن، يبدو أن الضربات الأميركية تميل إلى تعزيز موقف النظام وزيادة تصلبه، رغم تأكيد ترامب يوم الخميس أن غاراته الجوية الأخيرة أجبرت إيران على تقديم تنازلات.
ولا توجد مؤشرات على أن هذا الواقع قد تغيّر.
وفي أول رد فعل على تصريحات ترامب المتفائلة بشأن قرب التوصل إلى اتفاق، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية (إسماعيل بقائي) لوكالة الأنباء الرسمية وكالة أنباء الجمهورية الإسلامية الإيرانية (إرنا) إن هذه التقارير «مجرد تكهنات».
وأضاف: «حتى الآن، لم تتوصل إيران إلى قرار نهائي بشأن أي اتفاق».
وفي نهاية المطاف، لن يكون المهم ما يقوله ترامب عن مضمون الاتفاق، بل ما إذا كانت إيران ستوقع عليه وتلتزم بتنفيذه.
ورغم نبرة التفاؤل القوية التي تبناها الرئيس خلال يوم مضطرب، فإن تلك اللحظة لا تزال، على ما يبدو، بعيدة المنال.