تسببت الضربات الإيرانية في إلحاق أضرار أكبر بالأصول العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط مما تبدو إدارة ترامب مستعدة للإقرار به.
ويكشف تحليل أجرته هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، ونُشر يوم الاثنين، أن الهجمات التي شنتها الجمهورية الإسلامية تسببت في خسائر تُقدَّر بمليارات الدولارات، وألحقت أضرارًا بما لا يقل عن 20 موقعًا عسكريًا أمريكيًا، وربما يصل العدد إلى 28 موقعًا، موزعة على ثماني دول في المنطقة، منذ أن أطلق دونالد ترامب حربه على إيران في أواخر فبراير/شباط.
وكان ترامب قد كرر مرارًا أن القوات الأمريكية «دمّرت» و«سحقت» و«قضت تمامًا» على القدرات العسكرية للنظام الإيراني. وفي الوقت نفسه، سعت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) إلى الحد من تقييمات حجم الأضرار التي لحقت بالأصول الأمريكية، عبر ممارسة ضغوط على شركة «بلانت لابز»، إحدى كبرى مزودي صور الأقمار الصناعية، لتقييد إتاحة الصور الجديدة للمنطقة أمام الجمهور.
وتقول هيئة الإذاعة البريطانية إنها تمكنت، رغم ذلك، من إجراء تحليلها باستخدام «صور أقمار صناعية من مزودين دوليين آخرين، إلى جانب صور أقدم من شركة بلانت، لتتبّع حجم الأضرار الناجمة عن الهجمات الإيرانية». وقد رفض مسؤولو وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) التعليق على النتائج، مبررين ذلك بـ«اعتبارات الأمن العملياتي».
وتشير الهيئة إلى أن إيران استهدفت خلال الأشهر الماضية «ثلاث منظومات متطورة لاعتراض الصواريخ الباليستية» في كل من الإمارات العربية المتحدة والأردن، ضمن الأصول العسكرية الأمريكية التي تعرضت للهجمات.
كما ألحقت الضربات الإيرانية أضرارًا «جسيمة» بطائرات «التزوّد بالوقود والمراقبة» في المملكة العربية السعودية، فضلًا عن استهداف «مخابئ تخزين الوقود، وحظائر الطائرات، ومرافق إقامة القوات» في الكويت.
وتلفت هيئة الإذاعة البريطانية إلى أن البنتاغون قدّر، وفق أحدث الأرقام، تكلفة عملية «الغضب العارم»، وهو الاسم الذي أطلقه دونالد ترامب على حربه مع إيران، بنحو 29 مليار دولار. غير أن مشرعين ديمقراطيين انتقدوا هذه الأرقام، معتبرين أنها تقلل من الحجم الحقيقي للتكاليف.
وكان ترامب قد أعلن انتهاء النزاع في أوائل مايو/أيار. غير أن اتفاق وقف إطلاق النار، الذي جرى التوصل إليه بوساطة باكستان، لا يزال قائمًا من الناحية الفنية، لكنه بات يواجه ضغوطًا متزايدة في ظل إخفاق المحادثات بين واشنطن وإيران في التوصل إلى تفاهمات تفضي إلى سلام دائم.
ولا تزال إيران تمتنع عن إعادة فتح مضيق هرمز، وهو ممر مائي حيوي في الخليج العربي يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية سنويًا. وقد أدى إغلاقه منذ فبراير/شباط إلى ارتفاع حاد في أسعار الوقود، حيث بلغ متوسط سعر غالون البنزين على مستوى الولايات المتحدة 4.33 دولارات الشهر الماضي.
وأعلنت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) يوم الاثنين أنها نفذت خلال عطلة نهاية الأسبوع «ضربات دفاعًا عن النفس» استهدفت مواقع إيرانية في جنوب البلاد، ردًا على إسقاط طائرة مُسيّرة عالية القدرات فوق المياه الدولية. ومن جانبها، قالت إيران إنها استهدفت القاعدة الجوية التي انطلقت منها تلك الضربات، من دون الكشف عن اسمها.
وقد أعاد التصعيد الأخير الزج بالكويت إلى واجهة التوترات مجددًا، بعدما استهدفت صواريخ باليستية إيرانية يوم السبت قاعدة علي السالم الجوية التي تديرها القوات الأمريكية. وتمكنت أنظمة الدفاع الجوي من اعتراض الهجوم، إلا أن خمسة أشخاص، بينهم عسكريون أمريكيون ومتعاقدون مدنيون، أُصيبوا جراء سقوط الحطام.
وفي الوقت الذي بدأت فيه التقارير تتوارد بشأن وقوع تلك الإصابات، شوهد دونالد ترامب متوجهًا إلى نادي ترامب ناشيونال للغولف في مدينة سترلينغ بولاية فرجينيا، ولم يصدر عنه حتى الآن أي تعليق علني بشأن الهجوم.
غير أن الرئيس أرسل في وقت لاحق من تلك الليلة منشورًا حاد اللهجة عبر منصة «تروث سوشيال»، شن فيه هجومًا لاذعًا على شبكة «سي إن إن» بسبب تغطيتها لمفاوضاته السلمية مع إيران.
وكتب ترامب: «زعمت شبكة الأخبار الكاذبة سي إن إن اليوم، وكعادتها، أن اتفاقي النووي مع إيران لا يتناول الملف النووي، بينما ينص بوضوح تام على أن إيران لن تمتلك سلاحًا نوويًا».
ثم أضاف، في تصريح بدا ملتبسًا، تعليقًا على تقرير الشبكة، الذي كان يتناول تحديدًا الجوانب النووية لأي اتفاق محتمل، قائلًا: «ثم ينتقل [التقرير] إلى مناقشة جوانب نووية أخرى مختلفة بتفصيل مطوّل وقوي. في الواقع، هذا هو محور معظم الاتفاق».
وفي منشور لاحق نشره قرابة الساعة الواحدة فجر يوم الاثنين، اشتكى ترامب من أن التغطية الإعلامية السلبية للمفاوضات تجعل، بحسب وصفه، من الصعب عليه التوصل إلى اتفاق مع إيران.
وكتب ترامب: «إن إيران ترغب فعلًا في إبرام اتفاق، وسيكون اتفاقًا جيدًا للولايات المتحدة الأمريكية ولحلفائنا». وأضاف: «لكن، ألا يدرك الديمقراطيون، وبعض الجمهوريين الذين يبدون، على ما يبدو، غير وطنيين، أن أداء مهمتي والتفاوض بالشكل المناسب يصبح أكثر صعوبة بكثير عندما يواصل المعلّقون السياسيون إطلاق الانتقادات السلبية بصورة غير مسبوقة، مرارًا وتكرارًا، مطالبين تارةً بأن أتحرك بسرعة أكبر، وتارةً أبطأ، أو أن أخوض حربًا، أو ألا أخوضها، أو أيًّا يكن؟».
واختتم ترامب تصريحاته بدعوة المعلّقين والخبراء إلى التخفيف من حدة التفاعل مع النزاع، قائلًا: «فقط استرخوا واهدؤوا، فالأمور ستنتهي على نحو جيد في نهاية المطاف. إنها دائمًا كذلك!».
ومن جهتها، تواصلت صحيفة «ذا ديلي بيست» مع البيت الأبيض ووزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) للحصول على تعليق بشأن هذه القضية.
وقال متحدث باسم وزارة الدفاع: «نحن لا نناقش تقييمات أضرار المعارك لأسباب تتعلق بالأمن العملياتي». وأضاف: «قواتنا لا تزال تعمل بكامل جاهزيتها، ونواصل تنفيذ مهامنا بالمستوى ذاته من الاستعداد والكفاءة.