يقول خبراء إن أحد أبرز الوكلاء الإقليميين لإيران بدأ شنّ هجماتٍ على إسرائيل، في خطوة قد تُشتّت الجهود العسكرية للولايات المتحدة وتُطيل أمد الحرب في الشرق الأوسط.
وقد انخرط الحوثيون في اليمن، المتحالفون مع إيران، في الصراع يوم السبت، حيث نفّذوا أولى هجماتهم على إسرائيل، ما يثير احتمال استهدافهم وتعطيلهم لممر شحن استراتيجي ثانٍ في الشرق الأوسط، هو مضيق باب المندب.
وتشهد أسواق النفط بالفعل حالة اضطراب، إذ إن مضيق هرمز —الممر البحري الحيوي الواقع على الحدود الجنوبية لإيران، والذي يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط والغاز العالمية— أصبح فعليًا شبه مُعطَّل.
ويأتي هذا الهجوم الأخير بعد سنواتٍ من الهجمات المتبادلة بين الحوثيين والولايات المتحدة، والتي برزت بشكلٍ أكبر مع تصاعد الحرب بين حماس وإسرائيل في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، حين استهدفت الجماعة سفنًا مرتبطة بإسرائيل دعمًا للفلسطينيين.
وقد تطورت هذه الاستراتيجية التعطيلية لدى الحوثيين، إذ وسّعوا نطاق عملياتهم ليشمل استهداف حركة الملاحة في البحر الأحمر على نحوٍ أوسع.
وردّت الولايات المتحدة، أحيانًا بدعم من المملكة المتحدة، عبر عمليات دفاعٍ بحري وضرباتٍ جوية، ما أدى إلى صراعٍ مستمر قائم على سياسة «الكرّ والفرّ».
وكان اتفاق وقف إطلاق النار بين الحوثيين والولايات المتحدة، الذي توسطت فيه سلطنة عُمان في مايو/أيار من العام الماضي، قد وضع حدًا لما يقارب عامين من الهجمات على السفن.
غير أن وقف إطلاق نارٍ منفصل بين الحوثيين وإسرائيل، تم التوصل إليه في أكتوبر/تشرين الأول عقب موافقة إسرائيل على هدنة مع حماس، يبدو الآن أنه قد انهار.
وقد عاد الحوثيون إلى الواجهة مجددًا، ما يثير مخاوف من مزيد من الاضطرابات في طرق الملاحة البحرية، ويُعقّد في الوقت ذاته مسار الصراع القائم واتفاقيات السلام الهشّة في المنطقة.
وأفادت السلطات الإسرائيلية، يوم الأحد، بأنها اعترضت طائرتين مُسيّرتين أُطلقتا من اليمن.
⸻
• من هم الحوثيون؟
يُعدّ الحوثيون «حليفًا قويًا» لإيران، وقد تأسست حركتهم —التي تضم جناحين سياسيًا وعسكريًا— في تسعينيات القرن الماضي.
وبعد مرور ثلاثة عقود، تحوّلت هذه الجماعة المتمردة إلى قوة حاكمة تسيطر حاليًا على مساحاتٍ واسعة من شمال اليمن، وأصبحت منخرطة بعمق في صراعات ممتدة ذات تداعيات إقليمية ودولية.
وتاريخيًا، تمثّل الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا الخصم الرئيسي للحوثيين، الذين يسعون إلى إسقاطها. وقد أدّت الحرب الأهلية المستمرة بين الطرفين، إلى جانب التصعيد التدريجي للنزاع بين الحوثيين والمملكة العربية السعودية، إلى تفاقم واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم داخل اليمن.
وقد صنّفت الحكومة الأسترالية الجماعة منظمةً إرهابية في عام 2024، عقب سلسلة من الهجمات التي استهدفت سفنًا في البحر الأحمر.
ومنذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، انخرط الحوثيون أيضًا في شنّ هجماتٍ على حركة الملاحة في البحر الأحمر، وهو ما اعتبره هشام العُميسي، المستشار اليمني البارز لدى المعهد الأوروبي للسلام، ربما أكثر استراتيجياتهم زعزعةً للاستقرار فاعليةً في المنطقة.
وقال، في حديث لإذاعة ABC صباح الاثنين:
«منذ آخر مرة تعرّضوا فيها لهجمات، أُتيحت للحوثيين فرصة لإعادة تنظيم صفوفهم وإعادة بناء مخزوناتهم، والآن عادوا وهم مستعدون للقتال».
وأضاف:
«من خلال استهداف مضيق باب المندب، يمكنهم فتح جبهة ثانية في الحرب. لم يُغلقوا المضيق بعد، لكن ذلك قد يكون الخطوة التصعيدية التالية».
ويُعدّ المضيق بوابة الدخول والخروج الجنوبية للبحر الأحمر، ويرتبط مباشرةً بقناة السويس، ما يجعله ممرًا حيويًا للتجارة بين أوروبا وآسيا والشرق الأوسط.
ويمر عبر هذا المضيق حجم كبير من النفط والغاز الطبيعي، ما يجعله أحد أهم نقاط اختناق إمدادات الطاقة عالميًا.
وأشار العُميسي إلى أن هذا النشاط الاقتصادي الكثيف يجعله هدفًا مغريًا للحوثيين، في ظل سعي «حليف إيران القوي» إلى ردع المزيد من الهجمات الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة.
وفي حين لا يزال من غير الواضح حجم الخسائر التي تكبّدها الحوثيون جرّاء صراعهم مع الولايات المتحدة وإسرائيل، فإن إسرائيل قتلت عددًا من كبار قياداتهم.
ففي أغسطس/آب، نفّذت إسرائيل غارة جوية أسفرت عن مقتل رئيس وزراء الحوثيين ورئيس هيئة الأركان وعدد من الوزراء، غير أن زعيم الحركة، عبد الملك الحوثي، لم يكن متواجدًا في موقع الاستهداف.
⸻
• لماذا التدخل الآن؟
شكّلت الضربة التي نفذها الحوثيون ضد إسرائيل خلال عطلة نهاية الأسبوع محطةً لمرور أربعة أسابيع على اندلاع الصراع منذ أن شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل هجومهما على إيران في 28 فبراير/شباط.
وأوضح هشام العُميسي أن قرار الحوثيين دخول الحرب جاء «بتوقيت مدروس بعناية وبُعدٍ استراتيجي»، ويستهدف تحقيق هدفين رئيسيين.
أولًا، يسعون إلى الرد على إسرائيل دعمًا لإيران و«للقضية الإسلامية الأوسع»، مشيرًا إلى ارتباط الجماعة بالمذهب الشيعي.
كما يهدفون أيضًا إلى ردع أي غزو أمريكي محتمل.
وأضاف:
«هم يدركون أن الولايات المتحدة لوّحت بإمكانية نشر قوات برية داخل إيران، وبالتالي فإن إطلاق الصواريخ باتجاه إسرائيل يبعث برسالة مفادها أنهم مستعدون لتعطيل التجارة العالمية وشحنات النفط إذا قرروا إغلاق المضيق».
وأفادت صحيفة واشنطن بوست بأن وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) تستعد لأسابيع من العمليات البرية داخل إيران، قد تشمل غارات تنفذها قوات العمليات الخاصة إلى جانب وحدات مشاة تقليدية، نقلًا عن مسؤولين أمريكيين.
وفي السياق ذاته، دفعت واشنطن بآلاف من مشاة البحرية إلى الشرق الأوسط، حيث وصلت أولى دفعتين يوم الجمعة على متن سفينة هجومية برمائية، وفق ما أعلنته القوات المسلحة الأمريكية.
وقال شهرام أكبر زاده، مدير منتدى دراسات الشرق الأوسط في جامعة ديكن، إن الهجوم الذي شنّه الحوثيون على إسرائيل قد «يوسّع نطاق الصراع بشكل كبير».
وأضاف، في تصريح لشبكة إس بي إس نيوز:
«كانت إيران قد سعت بالفعل إلى إضفاء طابع إقليمي على الحرب بهدف ممارسة الضغط على الولايات المتحدة عبر إيلامها اقتصاديًا».
وتابع:
«أما الآن، فإذا انخرط الحوثيون أيضًا في الحرب، فإن ذلك سيؤثر بشكلٍ خطير على تدفق النفط عبر البحر الأحمر، وهو ما سيضاعف حجم الضغوط على دونالد ترامب لإنهاء الحرب».
⸻
• التداعيات طويلة المدى
ورغم استعداد الحوثيين لمهاجمة إسرائيل، رجّح أكبر زاده أن الجماعة لن تتبنى استراتيجية إيران القائمة على استهداف دول الخليج المجاورة.
فمنذ 28 فبراير/شباط، نفّذت إيران هجماتٍ على عدد من الدول المجاورة، ما أدى إلى تعطيل حركة الطيران وزيادة الضغوط على حكومات أخرى للتدخل في الصراع القائم.
وأوضح:
«غير أن الحوثيين يُرجّح أن يركّزوا على استهداف الأصول الأمريكية، مثل القواعد العسكرية المنتشرة في أنحاء المنطقة، إضافةً إلى ضرب السفن في البحر الأحمر».
وختم بالقول:
«من شأن ذلك أن يرفع بشكلٍ كبير مستوى الضغط على ترامب لمعالجة التداعيات المالية والاقتصادية، بما في ذلك ارتفاع أسعار النفط وتأثيراته على الاقتصاد العالمي، فضلًا عن انعكاساته على قاعدته الداخلية».
وقال شهرام أكبر زاده إن ذلك من شأنه أن يزيد الضغوط على دونالد ترامب للانسحاب من الشرق الأوسط و«إنهاء الحرب بسرعة».
وأضاف:
«بوسعه ببساطة إعلان النصر، والقول إنه حقق أهدافه، ثم الانسحاب من الحرب».
وتابع:
«لقد دمّر البحرية الإيرانية، والقوة الجوية الإيرانية، وقضى على القيادة الإيرانية؛ ويمكنه أن يقدّم ذلك كدليل على نجاحه وانتصاره في ساحة المعركة».
ومن جانبه، أشار هشام العُميسي إلى أن ترامب قد يلجأ، كما في سنوات سابقة، إلى توجيه تهديدات للحوثيين، والسعي إلى القضاء عليهم عبر عمل عسكري بدلًا من الانسحاب.
لكنه أوضح أن هيكل القيادة لدى الجماعة «متماسك» وقادر على الصمود حتى في مواجهة القوة العسكرية الأمريكية.
وقال:
«لقد وضعت الجماعة هذه الخطط منذ وقت طويل، بوصفها ميليشيا».
وأضاف:
«هم يدركون أن القيادة قد تُستهدف في أي لحظة، ولهذا أعدّوا خطة تعاقب قيادي تمتد لسبع طبقات».