تقرير: اليمن يستعين بـ”مارشال” للانضمام إلى “الخليجي”
يمن فيوتشر - الحرة- سكينة المشيخص: الاربعاء, 18 فبراير, 2026 - 10:03 مساءً
تقرير: اليمن يستعين بـ”مارشال” للانضمام إلى “الخليجي”

تجدّد الحديث عن انضمام اليمن إلى مجلس التعاون الخليجي، على وقع تصريحات يمنية رسمية أعادت الملف إلى واجهة النقاش السياسي في المنطقة.

فقد جدّد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي، الأسبوع الماضي، دعوته إلى إدماج بلاده بشكل كامل في مجلس التعاون، عبر ما وصفها بـ”البوابة السعودية”، مؤكداً أهمية الارتقاء بالعلاقات اليمنية – الخليجية إلى مستوى شراكة استراتيجية متكاملة.

وخلال جلسة حوارية نظمها مركز الخليج للأبحاث بالتعاون مع مجموعة الأزمات الدولية حول الدور المتنامي لدول الخليج في تسوية النزاعات، عبّر العليمي عن تطلع حكومته إلى بناء تكامل مؤسسي واندماج جيو-اقتصادي شامل مع دول المجلس، مقترحاً إطلاق “خطة مارشال” خليجية لإعادة إعمار اليمن، مستلهمة من البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن.

من جانبه، اعتبر نائب وزير الخارجية اليمني مصطفى أحمد النعمان، في تصريح لموقع “الحرة”، أن انضمام اليمن إلى مجلس التعاون “أمر طبيعي بحكم الجغرافيا”، مشيراً إلى عمق الروابط التاريخية والسياسية التي تجمعه بدول المجلس، ولا سيما السعودية وسلطنة عمان.

ولفت إلى أن تسمية المجلس قد تفتح مستقبلاً نقاشاً حول إطاره الجغرافي في حال انضمام اليمن، باعتباره جزءاً من شبه الجزيرة العربية وعمقاً استراتيجياً لها، لكنه شدد على أن هذا المسار يظل رهناً بتحقيق الاستقرار السياسي والأمني والاقتصادي في اليمن.

وهذه ليست المرة الأولى التي يُطرح فيها هذا الملف. فمنذ سنوات، تتكرر الدعوات اليمنية لمنح البلاد العضوية الكاملة في المجلس، ووجدت صدى متفاوتاً لدى شخصيات خليجية. فقد أعلن عاهل البحرين حمد بن عيسى آل خليفة تأييده لانضمام اليمن، كما دعا رئيس مجلس الأمة الكويتي مرزوق الغانم إلى ضمّه استناداً إلى وحدة النسيج الاجتماعي والروابط التاريخية.

وفي سياق مشابه، طرح الأمير تركي الفيصل فكرة تطوير مجلس التعاون وصولاً إلى صيغة اتحاد خليجي أو “جزيري” يضم اليمن بعد استقرار أوضاعه.

ويرى الكاتب السعودي سليمان العقيلي أن فكرة انضمام اليمن ليست مستحدثة، لكنها ظلت تصطدم بجملة اعتبارات، من بينها الفوارق التنموية، وتباين الأوضاع الاقتصادية، واختلاف طبيعة النظام السياسي في اليمن عن الأنظمة الملكية في دول المجلس. غير أن التحولات الإقليمية المتسارعة، برأيه، أعادت إحياء النقاش من زاوية استراتيجية وأمنية، بعدما بات استمرار بقاء اليمن خارج الإطار الخليجي مصدراً لتحديات تتجاوز حدوده، وتمسّ أمن واستقرار المنطقة برمتها.

ويتركّز النقاش حالياً حول ما إذا كانت التحولات الراهنة تمهّد لخطوة تاريخية تعيد رسم خريطة مجلس التعاون، أم أن الطريق إلى العضوية الكاملة لا يزال مشروطاً باستحقاقات يمنية داخلية لم تنضج بعد، وكذلك حدود استفادة الجانبين من خطوة كهذه.

 

واقعية الطرح

بحكم الجغرافيا، ظلت دول الخليج، لعقود طويلة، عرضة لتأثيرات ما يجري في اليمن، خصوصاً أنه تحوّل إلى ساحة لنفوذ دول إقليمية وعربية.

ويقول وزير حقوق الإنسان اليمني الأسبق محمد عسكر، في حديثه لموقع “الحرة”، إن عقداً من الحروب والانقسام أضعف سيادة الدولة وجعلها ساحة لتنافس نفوذ خارجي ما انعكس سلبا على أمن واستقرار الإقليم.

لكن عسكر يشدد على أن الانضمام الكامل لليمن إلى مجلس التعاون غير ممكن في ظل الانقسام وغياب الاستقرار، ما يعني الحاجة إلى “إيجاد مسار اندماج تدريجي منضبط بأطر زمنية وآليات مؤسسية واضحة”.

وكان اليمن قد انضم إلى عدد من الهيئات التربوية والاقتصادية والصحية والرياضية التابعة للمجلس منذ نحو 25 عاماً، لكن الأمر لم يصل إلى تحقيق خطوات كبرى في طريق الاندماج الكامل.

لذلك، يدعو عسكر إلى أن “يبدأ الإعداد للعضوية الكاملة اليوم وإن تعذر اعلانها حالياً”.

من جهته، يشدد المحلل السياسي سليمان العقيلي، في حديث لموقع “الحرة”، على أن انضمام اليمن قد يبدو في بدايته عبئا اقتصاديا وتحديا تنمويا بسبب الفوارق في مستويات التنمية، غير أن هذا التصور قد يتغير مع تقدم عملية المواءمة والاندماج المؤسسي، لكنه يستبعد انضماماً قريباً، موضحاً أن الامر يتطلب وقتا لاستكمال التسوية السياسية في اليمن وتنفيذ الاصلاحات الاقتصادية والتأهيل المؤسسي.


الواقع الإنساني

يواجه اليمن واحدة من أعقد الازمات الانسانية في العالم، اذ يحتاج نحو 19.5 مليون شخص الى مساعدات إنسانية وخدمات حماية بزيادة 1.3 مليون شخص عن عام 2024، بحسب الأمم المتحدة، ما يعكس اتساع رقعة الهشاشة وتفاقم الاحتياجات الأساسية.

وتشير المؤشرات الى أن نحو 17 مليون شخص يعانون من انعدام الامن الغذائي، بينما يواجه اكثر مليون طفل دون الخامسة سوء التغذية الحاد. كما يشهد القطاع الصحي تراجعا حادا في قدرته التشغيلية، اذ يعمل عدد كبير من المرافق بشكل جزئي او خارج الخدمة بسبب نقص التمويل والمعدات والكوادر.

وعلى المستوى الاقتصادي، خسر اليمن نحو 90 مليار دولار من ناتجه المحلي منذ عام 2015، ويعيش حوالي 58% من السكان في فقر مدقع، الأمر الذي يعمق الاعتماد على المساعدات الخارجية.

وفي توصيفه لهذا الواقع، يقول وزير الإدارة المحلية اليمني ورئيس اللجنة العليا للاغاثة السابق، عبد الرقيب سيف فتح لـ”الحرة”، إن الحرب دمرت مقومات الحياة الأساسية في معظم المحافظات من الكهرباء والمياه والغذاء إلى العملة والخدمات العامة، ويوضح أن العملة الوطنية تراجعت من 215 الى 1625 مقابل الدولار، اي بنسبة تتجاوز 650% تقريبا، وان الانفاق الحكومي للفرد انخفض من 480 دولارا عام 2014 الى نحو 39 دولارا في 2025، ما يضع اليمن في واحد من اسوأ اوضاعه الاقتصادية من حيث قدرة الدولة على اداء مسؤولياتها تجاه مواطنيها.

لذلك يعتبر فتح أن اطلاق مشروع مارشال لليمن أصبح ضرورة قصوى على ان يكون متعدد المسارات ويعالج الاحتياجات الاساسية بالتوازي مع اعادة الاعمار، بتكلفة تقديرية تتراوح بين 100 و150 مليار دولار.


خطة مارشال خليجية

دعوة العليمي إلى اطلاق خطة مارشال خليجية لاعمار اليمن، سبقها إعلان السعودية، عام 2018، عن برنامج لتنمية وإعمار اليمن، يتضمّن تنفيذ مشاريع تنموية وخدمية في مختلف المحافظات اليمنية.

ويتوقع العقيلي أن يواصل البرنامج السعودي عمله حتى قبل اكتمال التسوية السياسية الشاملة، “باعتباره جزءا من رؤية المملكة لتحقيق استقرار اليمن وتعزيز سيادته الحكومية والوطنية”، ويشير إلى أن ما انفق حتى الآن في إطار هذا البرنامج، والبالغ قرابة ملياري دولار، يعد رقما كبيرا قياسا بالسياق الاقتصادي، وهو مخصص لمشاريع التنمية والاعمار فقط دون احتساب مساعدات مركز الملك سلمان للإغاثة”.

ويتفق العديد من المراقبين على أن انضمام اليمن إلى مجلس التعاون يتطلّب، لإضافة إلى وقف الصراع المسلّح فيه وتوحيده، إصلاحات اقتصادية بنيوية واستثمارات ضخمة في مختلف القطاعات، تتجاوز ما تم تقديمه من مساعدات خليجية لهذا البلد في السنوات الأخيرة.

ويلفت عسكر إلى أن “خطة مارشال الخليجية” ستبقى توصيفا إعلاميا ما لم تتضح عناصرها، مثل طبيعة المانحين وحوكمة المنح والمشاريع الاستراتيجية، وتوافر بيئة أمنية تحمي المشاريع، إضافة إلى مركز مالي واضح يضبط العملة ويدير التمويل.

وبدلاً من انتظار التسوية السياسية، يقترح عسكر تعافياً مرحلياً يبدأ بتوفير المرتبات والخدمات الأساسية كالكهرباء والمياه والصحة والتعليم عبر برامج مؤسسية، “مع توحيد الايرادات في المناطق المحررة وتوريدها إلى البنك المركزي بعدن، ثم الانتقال إلى مشاريع انتاجية”.

ويخلص عسكر إلى أن الإعمار لا يسبق السياسة بالكامل ولا ينتظرها تماماً، إنما يمكن استخدامه كرافعة لتقليص اقتصاد الحرب وتقليل كلفة تعطيل الدولة.


التعليقات