في قرية نائية بمحافظة تعز، جنوبي غرب البلاد، اختارت شمس أن تنهي حياتها بصمت، بعد أن ضاقت بها خيارات النجاة من قبضة مبتز رقمي كان أحد أقاربها.
تركت شمس فيديوهًا وداعيًا قالت فيه: "وعند الله تجتمع الخصوم"، ثم انطفأت، تاركة خلفها أسئلة لا ترحم: من يحمي الفتيات في اليمن من الموت الخفي؟ لماذا يصمت المجتمع عن الجاني؟ وأين هو القانون؟
مع تصاعد حالات الانتحار في صفوف الفتيات والشباب الضحايا للابتزاز الرقمي، أطلقت منصة "ياء" الشبابية في منتصف يناير/كانون الثاني 2026 حملة وطنية تحت عنوان "قانون يحمينا"، وهي أكبر حراك يمني في مجال الأمان الرقمي بحسب منظمي المبادرة.
*حين يصبح القانون شريكًا صامتًا*
في اليمن، لم تعد مأساة الابتزاز الرقمي حوادث فردية بل ظاهرة قاتلة تتوسع بلا رادع، لتتحول إلى شكل جديد من العنف القائم على النوع الاجتماعي، يتغذى على فراغ تشريعي، وصمت مجتمعي، وتهاون أمني.
في هذا السياق المتأزم، أطلقت منصة "ياء" الشبابية حملة "#قانون_يحمينا"، بوصفها أكبر تحرك حقوقي رقمي يمني لمواجهة الجرائم السيبرانية، والمطالبة بتشريع استثنائي يواكب تعقيدات العصر الرقمي.
*سياق الانفجار: لماذا الآن؟*
في منتصف يناير/كانون الثاني 2026، انطلقت الحملة من داخل منصة "ياء"، التي تضم فريقًا شابًا متخصصًا في التقنية وصناعة المحتوى. جاءت كرد فعل على تصاعد حاد في جرائم الابتزاز الرقمي التي طالت بالذات النساء والفتيات، دون أن يجدن حماية قانونية أو مجتمعية.
القانون اليمني الحالي، المستند إلى قانون العقوبات لعام 1994، لا يحتوي على مواد واضحة تجرم الابتزاز الإلكتروني. وهذا ما يجعل الضحايا مكشوفين قانونيًا، بينما يستفيد الجناة من ثغرات قديمة، غالبًا ما تتيح الإفلات من العقاب.
*أهداف الحملة: أربع مطالب مفصلة*
1. تشريع استثنائي عاجل: إقرار قانون خاص بالابتزاز الالكتروني والجرائم الرقمية يواكب تكنولوجيا 2026.
2. معادلة الردع القاسي: فرض عقوبات مغلظة تصل إلى تكييف بعض الجرائم كـ"قتل بالتسبب"، في حالات الانتحار الناتجة عن الابتزاز.
3. حماية وسرية الضحايا: إنشاء وحدة سيبرانية متخصصة تتبع وزارة الداخلية، تضمن خصوصية بيانات الضحايا.
4. الملاحقة الدولية: تضمين القانون الجديد آليات تعاون دولي عبر الإنتربول لملاحقة المبتزين العابرين للحدود.
*القانون الحالي: صمت رسمي... وقتل معنوي*
بحسب ورقة سياسات قامت بها الباحثة منية محمد والصادرة عن "مبادرة الإصلاح العربي" (2025) ، لا يزال الابتزاز الرقمي في اليمن يُعالج عبر مواد قديمة مثل (256، 257، 313) من قانون العقوبات، التي لا تأخذ في الاعتبار طبيعة الجريمة الرقمية وتعقيداتها. تُظهر الورقة أن هذا الفراغ القانوني يجعل من الضحية مجرمًا محتملًا في نظر المجتمع، وغالبًا ما تُقنع الضحايا بالتنازل في مراكز الشرطة، أو يُتهمن بمخالفة القيم العامة.
الورقة نفسها ترصد أمثلة حية على صمت العدالة وضعف النظام القانوني، ما دفع كثير من الناجيات إلى الصمت أو إلى الانتحار.
*التحليل القانوني: الجريمة الذكية التي لا تُرى*
في تحليل قانوني معمّق للناشط الحقوقي محمد عبدربه ناصر، نُشر عام (2024) ، تُعرّف جرائم الابتزاز الإلكتروني كجرائم ذكية تُرتكب بهدوء ودون أثر مادي ملموس.
يشير التحليل إلى أنها جرائم "عابرة للحدود"، تتطلب تعاونًا دوليًا ووجود تشريعات حديثة لتجريمها.
كما يوضح أن صعوبة الإبلاغ والإثبات تجعل منها جريمة قاتلة في مجتمع يُعلي من ثقافة العيب، ويرى في ضحاياه عارًا لا ضحايا.
النساء والأطفال بالذات، هم الأكثر عرضة للسكوت والخذلان، في ظل غياب محاكم متخصصة أو وحدات أمنية رقمية مدرّبة.
*من فداء إلى شمس: ضحايا بلا ضجيج*
منصة "ياء" وثقت خلال أول 72 ساعة من إطلاق الحملة أكثر من 60 حالة ابتزاز حيّة، وأغلقت 5 حسابات تنشر صورًا مسروقة. ومن بين الحالات التي شكلت صدمة جماعية في اليمن:
• شمس، فتاة من قرية بيت بكرين بمحافظة تعز، أنهت حياتها شنقًا بعد ابتزازها من أحد أقاربها، تاركة رسالة تقول: "وعند الله تجتمع الخصوم".
• فداء، شابة من قرية الهارونية بمحافظة الحديدة، غربي البلاد، كانت تدرّس بنظام التعاقد، انتحرت بعد أن تعرّضت لابتزاز من شخص سرّب صورها.
*الحملة ليست وحدها: بين المجتمع والقانون*
في السنوات الأخيرة، ظهرت مبادرات نسوية عدة تطالب بحماية رقمية للنساء، وتدعو لتحديث القانون الجنائي. بعض هذه المبادرات - مثل تكتل "نون" - نظّم حملات مناصرة، وضغط على المشرّعين لتعديل القوانين. لكن حملة "قانون يحمينا" تذهب خطوة أبعد، حيث جمعت ملفًا قانونيًا متكاملًا أعدّه كبار القضاة، وتسعى لجمع 100 ألف توقيع شعبي لدفعه كوثيقة مطلبية إلى مجلس القيادة الرئاسي.
حتى لحظة إعداد هذا التقرير، تجاوز عدد الموقعين 32 ألف توقيع من مختلف المحافظات.
*من النصوص إلى الدروع*
"الابتزاز يزدهر حيث ينهار الردع. نحن لا نطالب بنصوص جامدة، بل بدرع قانوني يحمي كل بيت يمني. الفضيحة ليست في التعرض للابتزاز، بل في الصمت عن المجرم." — أحمد غازي، مؤسس منصة "ياء".
بصوت شاب جريء، ومطالب واضحة، ورسائل لا تخاف المجتمع، تصرّ حملة "قانون يحمينا" على كسر الصمت، وسنّ قانون يحاسب القاتل الرقمي لا الضحية.
وفي بلد بلا قانون سيبراني، يتحول الابتزاز إلى حكم إعدام مؤجل، وتغدو العدالة فكرة معلقة.
حملة "قانون يحمينا" تكشف فراغًا تشريعيًا ومنظومة صمت تسمح للجريمة بالاستمرار، وتترك الضحية وحيدة في مواجهة القاتل الرقمي.
وسن قانون سيبراني عاجل يعد إجراءً مباشرًا لحماية الحياة وواجبًا أساسيًا على الدولة.