نقلت وكالة رويترز عن أربعة مصادر عراقية وأميركية مطّلعة أن الولايات المتحدة وجّهت خلال الشهرين الماضيين رسائل تحذير إلى سياسيين عراقيين كبار، مفادها أن ضم جماعات مسلحة مدعومة من إيران إلى الحكومة المقبلة قد يعرّض العراق لعقوبات، بينها احتمال استهداف تدفقات الدولار المرتبطة بعائدات النفط، فكيف يمكن لواشنطن فعل ذلك؟
بحسب ثلاثة مسؤولين عراقيين ومصدر مطلع تحدثوا لرويترز، فإن القائم بالأعمال الأميركي في بغداد جوشوا هاريس كرّر هذا التحذير في اتصالات مع مسؤولين وقادة شيعة نافذين بمن فيهم، عبر وسطاء، بعض قادة جماعات مرتبطة بإيران مشيرا إلى أن واشنطن قد تُعلّق التعامل مع الحكومة الجديدة إذا مُثّل في مجلس الوزراء نوّاب تعتبرهم الولايات المتحدة على صلة بطهران.
وقال أحد المسؤولين إن الرسالة ركّزت على 58 نائبا ترى واشنطن أنهم مرتبطون بإيران، وإن "تعليق التعامل" يعني عمليا -وفق قوله- تعليق التحويلات الدولارية.
ولم ترد السفارة الأميركية في بغداد أو هاريس على طلبات للتعليق من رويترز، وفي رد مكتوب، قال متحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية إن واشنطن "تدعم سيادة العراق"، معتبرا أنه "لا دور للميليشيات المدعومة من إيران" التي "تثير الفتنة الطائفية وتنشر الإرهاب"، من دون أن يجيب مباشرة عن أسئلة متعلقة بالتهديد بفرض عقوبات.
وتبرز حساسية التحذير الأميركي في أن العراق أحد كبار منتجي "أوبك" يحتفظ بمعظم عائدات صادراته النفطية بالدولار في حساب للبنك المركزي العراقي لدى الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك
ورغم أن الحساب سيادي، تسيطر الولايات المتحدة عمليا على عائدات النفط العراقية بالدولار منذ غزو عام 2003 عبر إدارتها لهذه العائدات في بنك الاحتياطي الاتحادي في نيويورك، ما يمنح واشنطن نفوذا كبيرا على الاقتصاد العراقي وعلى القرار السياسي في بغداد.
وقد أُنشئ هذا الترتيب عبر "صندوق العراق للتنمية" لحماية الإيرادات النفطية من الدعاوى القضائية وتمويل إعادة الإعمار، قبل أن يتحول لاحقا إلى حساب تابع للبنك المركزي العراقي في نيويورك، وهو الوضع القائم حتى اليوم.
ويُعد النفط المصدر الأساسي لإيرادات العراق، إذ يشكّل نحو 90% من ميزانية الدولة، ما يمنح الولايات المتحدة قدرة استثنائية على التأثير في الاستقرار الاقتصادي والسياسي للبلاد.
وقد استخدمت واشنطن هذا النفوذ في السابق، إذ هدّدت عام 2020 بحرمان بغداد من الوصول إلى عائداتها النفطية عندما طالبت الحكومة العراقية بانسحاب القوات الأميركية، ما دفع العراق إلى التراجع عن موقفه.
ورغم أن هذا النظام يوفر للعراق استقرارا ماليا وثقة دولية ويسهّل الوصول إلى الدولار الضروري للتجارة والاستيراد، فإنه يفرض في المقابل قيودا على السيادة الاقتصادية.
كما أسهمت القيود الأميركية على الدولار في ظهور سوق سوداء للعملة وفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق، ما يعكس مخاطر التعامل خارج النظام المالي الرسمي، خاصة مع تصاعد حملة “أقصى الضغوط” الأميركية على إيران.
ولا تزال عائدات النفط العراقية خاضعة لإشراف الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، فيما أنهى العراق في مطلع عام 2025 نظام مزادات الدولار بعد ضغوط أميركية لمكافحة تهريب العملة إلى جهات خاضعة للعقوبات، خصوصًا إيران. ويعكس هذا الواقع استمرار اعتماد العراق على النظام المالي الأميركي، ما يضع سيادته الاقتصادية في معادلة معقّدة بين الاستقرار المالي والنفوذ الخارجي.
وتحدثت رويترز عن أسماء قالت إنها تلقت الرسالة، بينها رئيس الوزراء محمد شياع السوداني وشخصيات سياسية شيعية بارزة وقيادات كردية.
كما أوردت أن واشنطن تعارض تعيين عدنان فيحان المرتبط بجماعة "عصائب أهل الحق" نائبا أول لرئيس البرلمان، وأن زعيم الجماعة قيس الخزعلي أبلغ الأميركيين وفق مصدرين باستعداده لإقالة فيحان، فيما لم يصدر تعليق من فيحان أو "عصائب أهل الحق" حتى الآن.
وتأتي هذه التطورات في وقت تحاول فيه بغداد الحفاظ على توازن علاقاتها بين واشنطن وطهران