تحليل: أي شرق أوسط جديد؟ نهاية الدولة الوطنية والخيار الفيدرالي
يمن فيوتشر - موريس عايق ـ مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان الجمعة, 23 يناير, 2026 - 12:25 مساءً
تحليل: أي شرق أوسط جديد؟ نهاية الدولة الوطنية والخيار الفيدرالي

أصاب الهلال الخصيب تحولات مهولة يصعب تقدير تبعاتها، مثلما يصعب وضع نقطة بداية لها. هل علينا النظر إليها باعتبارها نتيجة للربيع العربي؟ أم النظر إليها في سياق أوسع؟ في هذه الحالة، ما علاقتها بالربيع العربي؟ على أية حال، هي أحداث يصعب تخيلها خارج سياق الربيع العربي.

هناك إمكانية للنظر إلى الأحداث التي نراقبها حاليًا بوصفها الفصل الأخير من مشروع الدولة الوطنية في المشرق، الفصل الذي يبدأ عام 2003 بسقوط النظام البعثي في العراق وينتهي بشكل أو بآخر عام 2024 مع سقوط النظام البعثي في سوريا. وهو يمثل الفصل الختامي في مشروع الدولة الوطنية في المشرق الذي يمكن اعتبار الثورة العربية نقطة بدايته الرسمية.

لا يتعارض هذا التصور مع فكرة الربيع العربي وارتداداته الهائلة، لكنه لا يقتصر على حصريتها. إذ أنه يقدم عبر المنظور التاريخي الطويل إمكانية لربط ما يحدث أمامنا من تحولات وتصدعات بهذا التاريخ بما يعطيها معنى تعكسه الصورة التاريخية الكلية لهذه الأحداث، وهو ما لا تسمح به المقاربة المتمركزة على الربيع العربي. أخيرًا، استعادة شيء من تاريخ محاولات الآباء المؤسسين للدولة الوطنية من أجل حل هذه المعضلات التي طُرحت قديمًا ومبكرًا، ومحاولاتهم للتعامل معها، وهي محاولات تبدو وكأنها شديدة الراهنية والفائدة، حتى تتجاوز ما هو مطروح على الساحة.

 

تنقسم الورقة إلى مجموعة محاور:

تقديم الخطوط العامة لموضوع أننا نشهد الفصل الأخير من مشروع الدولة الوطنية.

التفكير في مجموعة من الحلول والمقاربات المتجاوزة للدولة الوطنية نفسها والتفكير خارج صندوقها، مثل الفيدرالية وحتى التقسيم.

استعادة لمحاولة تاريخية للتعامل مع هذه المعضلات مثل دستور المملكة السورية لعام 1920 وهو دستور لم يُعمل به بسبب الاحتلال الفرنسي ونهاية المملكة السورية. لكن هذا الدستور يُقدم لنا مشروع شديد الراهنية وتأصيل محلي لأطروحات الفيدرالية واللامركزية وتقييد سلطات الدولة أفقيًا (فصل السلطات) وعموديًا (توزيع السلطات بين المركز والأقاليم).

 

نهاية الدولة الوطنية

في عام 2003 سقط نظام البعث العراقي عبر غزو أمريكي حمل لواء تحرير العراق من نظام الاستبداد ونشر الديمقراطية، إلا أن نتائج ذلك السقوط خالفت تمامًا التوقعات الأمريكية. فقد ظهرت الانقسامات الأهلية في المجتمع العراقي بشكل شديد الحدة، فصار العراقيون جماعات (أو حتى شعوب) تتصدرها ثلاث مجموعات كبرى: الأكراد والعرب السنة والعرب الشيعة. حاز الأكراد ما يشبه دولتهم في الشمال، فيما تنازع العرب السنة والعرب الشيعة فيما بقي من العراق. رحب الشيعة بسقوط النظام بشكل واسع، وتصدرت أحزابهم وتياراتهم السياسية العملية الانتقالية وهي، في مجملها، أحزاب عرفت نفسها بالهوية الشيعية. في المقابل، ناهض السُنة الحكم الأمريكي ومنهم ظهرت غالبية الحركات المقاومة المسلحة ضد الاحتلال الأمريكي، والتي خاضت أقسى الصراعات ضده. لا يعني هذا غياب مقاومة شيعية ضد الأمريكان، مثل التيار الصدري، لكنها بقيت محكومة بتوازنات شيعية أساسًا، ولم تصل لمستوى الحرب الصفرية مع الاحتلال الأمريكي من ناحية، أو المقاطعة التامة مع النظام العراقي الجديد الذي شكّله الأمريكيون.

كان هناك أحزاب عراقية ذات خطاب وطني، توجهت إلى عموم العراقيين، وليس انطلاقًا من كونهم شيعة أو سُنة، وربما يكون إياد العلاوي وتياره الممثل الأبرز لهذا التوجه. لكن، وخلال سنوات محدودة، انحسرت هذه التيارات وضعف تأثيرها وتضاءل مع الوقت لصالح أحزاب تتحدث إلى العراقيين انطلاقًا من كونهم شيعة أو سُنة.

خلال هذه السنوات شهد العراق حربين أهليتين، انطلقت الأولى 2006 إثر تفجير مرقد الإمام العسكري وتفجيرات استهدفت الزوار الشيعة، إذ اندلعت حرب طاحنة بين فصائل شيعية وسُنية (في إطار الحرب العراقية الأوسع والنزاع مع قوات الاحتلال الأمريكي). رافق الحرب مجارز وتطهير عرقي بحق العراقيين وخاصة العرب السُنة. انطلقت الحرب الثانية عام 2014 مع تنظيم الدولة الإسلامية واستيلائه على الموصل والمجازر ضد الجنود العراقيين الشيعة (مجزرة سبايكر) واستمرت حتى دحر داعش. رافقت هاتين الحربين مجازر وعمليات التطهير العرقي والإبادة، وسقط الجميع ضحية لها، إلا أن أثرها الأكبر يتضح في حالة الجماعات الصغيرة التي اختفت تقريبًا من العراق. فقد تعرض الإيزيديون إلى إبادة مارستها داعش ضدهم، واختفى تقريبًا المسيحيون والصابئة والشبك وغيرهم من الأقليات الدينية والإثنية من العراق، أو لجئوا إلى كردستان العراق التي قدمت لهم ملاذًا آمنًا حتى الآن من العمليات والاعتداءات التي استهدفتهم من قبل المتحاربين السُنة والشيعة على السواء. يضاف إلى هذا المقتلة العامة التي استهدفت وأصابت الشيعة والسُنة على حد سواء، وما رافقها من تطهير وتغيير ديمغرافي وصلت آثاره حتى مدينة الموصل المحسوبة كمدينة سُنية.

العراقيين اليوم سُنة وشيعة وأكراد ومكونات أخرى، ومن يتابع اللغة السياسية العراقية، خاصة في أعقاب انتفاضات شعبية أو حتى المظاهرات، سوف يلحظ حضور هذا الوعي «الإثني» في تصور السياسية والاجتماع هناك. كيرًا ما يسمع المرء رجال دين يحذرون الشيعة من تبعات التظاهر ضد الحكم كونه حكم شيعي، وبالتالي المخاطرة بأن يفقد الشيعة حكمهم. انتهى العراقيون باعتبارهم شعب عراقي له هوية وطنية، مثلما تم تخيلها منذ تأسيس المملكة العراقية مع الملك فيصل حتى نهاية نظام البعث. وآل وصف «الشعب العراقي» إلى أن يكون مفهوم قانوني لا أكثر، في حين إنه يتكون حقيقة من شعوب، يكون فيها نظام الحكم من نصيب أحدها من أجل التحكم بالشعوب الأخرى، فيما تحاول الشعوب الأخرى عرقلة هذا النظام أو الخروج عنه لكي تنجو بنفسها أو على الأقل تشارك في ميزات هذا النظام.

أما في سوريا، فقد سقط نظام الأسد عبر عملية عسكرية مفاجئة وغير مفهومة تمامًا حتى الآن، ومع سقوطه انتهى الفصل الأول من الحرب الأهلية التي دامت 14 عامًا، عرفت سوريا خلالها دمارًا واسعًا وتحطيمًا لمجتمعاتها ومدنها على يد نظام الأسد بشكل أساسي، وقد كانت المجتمعات العربية السُنية بدورها الضحية المباشرة لهذا النظام والميليشيات الشيعية المتحالفة معه. ترافقت الحرب مع صعود داعش واستيلائها على مساحات واسعة وممارستها عمليات تطهير وإبادة، عانى منها الأكراد بشكل خاص، وهم الذين حملوا لاحقًا على عاتقهم العبء الأكبر لمواجهة داعش وهزيمته. أيضًا، هناك انتهاكات وجرائم حرب نفذتها الفصائل الإسلامية السُنية، وهي السمة (الطابع المذهبي للفصائل والجهر بها كهوية) التي ترسخت للفصائل المعارضة الثائرة على نظام الأسد بعد سنتين أو ثلاث على بدء الحرب. أصبحت الحرب بدورها تسير لحد كبير على خطوط اقتتال أهلي (طائفي/إثني)، وإن كان نظام الأسد الوحيد ربما الذي يتبنى لغة وطنية ويمتلك –للسخرية– قاعدة واسعة عابرة للطوائف، وإن كان العصب العسكري–الأمني له طائفي، مثلما كان حلفاؤه شيعة بشكل شبه حصري.

بسقوط الأسد غادر اللاعب الوحيد الذي طالما تشدق بالحديث بلغة وطنية، وتسلمت هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة والفرع الشامي للقاعدة في لحظات سابقة وفرع من تنظيم الدولة الإسلامية في لحظتها الأولى) وحلفاؤها من الفصائل المسلحة الأخرى للحكم في سوريا.

خلال شهر آذار، شهدت سوريا عملية عسكرية استهدفت العلويين في الساحل، إثر ما يُفترض أنه تمرد عسكري لفلول النظام. إلا أن قمع حركة الفلول تحول إلى مجزرة استهدفت العلويين واستباحتهم، ورافقها تعبئة أهلية على أساس طائفي. أثناء هذه التعبئة وما سبقها، من تعبيرات ومواقف تجاه العلويين، يشبه بشكل كبير الدعاية المعادية للسامية ضد اليهود في ألمانيا وغيرها. بعدها بأشهر قليلة حدثت مجزرة أخرى تجاه الدروز في السويداء مع استباحة كاملة للسكان على أساس انتمائهم الأهلي، رافقتها دعاية معادية للدروز بوصفهم كذلك، وعلى النمط السابق ذاته القائم على نزع إنسانيتهم واتهامهم بالخيانة والتآمر. وقد سبق مجازر السويداء مناوشات متفرقة واعتداءات ضد الدروز في جرمانا وصحنايا. بالإضافة إلى صدامات شبة دائمة مع الأكراد ودعاية تُذكر بسابقتها، كما تتواصل الانتهاكات في حق العلويين بشكل يومي من حوادث قتل فردية واختطاف للنساء وإهانة وإذلال على الحواجز.

 

أثناء هذه الصدامات تصلبت الهويات الأهلية بشكل كبير وبدأت تتحول إلى «شعوب»، مع ما يرافقها من تأكيد على الهوية الخاصة والمغايرة، عبر التأكيد على اختلاف الثقافة ونمط الحياة ومنظومة القيم، وعلى الرغبة بالخروج والاستقلال. في المقابل فإن سلطة الأمر الواقع صارت تُحكم قبضتها على السلطة بشكل متزايد وحصري بما يشير إلى شبق السلطة، وأيضًا إلى إضفاء وتثبيت طابع أهلي/مذهبي لها، عبر تغيير أسماء الشوارع والمدارس والأعياد الوطنية، ويترافق هذا مع تبلور لغة تؤكد على سُنية السلطة وسوريا. اليوم، تحول السوريون بدورهم إلى شعوب تغادر الهوية الوطنية السورية، شعوب ما يفرقها يوازي –إن لم يزد– عما يجمعها. شعوب تزداد القطيعة النفسية بينها وترتفع بينها الحواجز عاليًا، وتغيب الثقة عنها.

لا يختلف حال لبنان كثيرًا، الذي يعاني ما يشبه انهيارًا تامًا منذ انفجار الصراعات الداخلية منذ 2005 إثر اغتيال رفيق الحريري وخروج الجيش السوري والنزاعات الداخلية، وما يشبه انقلابًا نفذه حزب الله في السابع من آيار 2008، وحربين إسرائيليتين 2006 و2025 انتهت الأخيرة بهزيمة مدوية لحزب الله واغتيال قياداته السياسية والعسكرية.

إن النظر إلى مآلات الأحداث خلال هذين العقدين لا يؤشر وحسب إلى تحطم الدولة الوطنية كمؤسسة، إنما إلى تحطم وتكسر فكرة الجماعة الوطنية نفسها وتفككها، وبروز ما اعتاد المراقبون والمحللون تسميته «هويات دنيا أو فرعية» إلى الساحة، وتحول هذه الهويات إلى مشاريع «أمم» أو إثنيات تطالب بمعاملتها على هذا الأساس، وبالطبع هذه الإثنيات تظهر عبر مشاريع متخاصمة ومتضادة طالما أنها تتنازع الأرض والمجال السياسي نفسهما.

 

تقدّم الحركات الإسلامية وحيازتها على الهيمنة على المجال السياسي، سلمًا أو حربًا، عزز هذا التوجه ودعمه طالما أن الحركات الإسلامية، بوصفها حركات هوية ومذهبية، تعزز خطوط الانكسار المجتمعي وتُناقض المخيال الوطني العابر للطوائف والجماعات الدينية. ومما زاد من عنف هذا التحطيم المرافق لصعود الحركات الإسلامية أن النسخة الحالية من الحركات الإسلامية أكثر راديكالية وطائفية وسلفية (فيما يتعلق بالحالة السُنية) من الأجيال السابقة للحركات الإسلامية، التي نظرت إلى نفسها عبر «الأمة الإسلامية» واعترفت بتنوع هذه الأمة (وإن بقي هذا الأمر إشكاليًا لغير المسلمين).

الصورة التي نراها أمامنا اليوم هي انهيار مشروع الدولة الوطنية، وبما أن الدولة الوطنية كانت الرافعة لفكرة الجماعة الوطنية –وهي جماعة لا تمتلك في المشرق أساس تاريخي صلب مستقل عن الدولة نفسها؛ فإن الانهيار امتد إلى الجماعة الوطنية واختفاء السوريين والعراقيين واللبنانيين لصالح ظهور الشيعة والسُنة والمسيحيين والعلويين والدروز والأكراد وغيرهم.

إن صدُقت هذه الصورة، فالسؤال المطروح هو كيف لنا التعامل مع هذا السياق وبغياب «الفكرة الوطنية» واندثارها؟ على مدى عقود، طرح المثقفون العرب سؤال الإصلاح بشكل منتظم ودائم دونما تكترث الدول العربية به. لكن ومنذ 2003، أخذ سؤال الإصلاح قوة وحضور كبيرين بفضل الضغط الدولي، الأمريكي والغربي خاصة، على الدول العربية للتعامل مع مشاكلها ومعضلاتها تحت تأثير الهجمات الإرهابية التي أصابت أمريكا ودول أخرى، والتي تحولت إلى معضلة تجد جذورها في انسداد الأفق العربي. لكن سؤال الإصلاح، وقد وصل إلى ذروته مع الربيع العربي، وصل إلى نهاية مفجعة أمام انفجار المجتمعات العربية تحت تأثير هذه الثورات وتبعاتها. ففي حين انتصرت الثورات المضادة في مصر وتونس، فإن الانهيار والحرب الأهلية كانت سمة الملازمة لسقوط الأنظمة العربية في سوريا وليبيا واليمن والسودان، وحتى العراق أو لبنان حيثما لم تسقط الأنظمة نفسها.

هذا يجعل من سؤال الإصلاح سؤالًا إشكاليًا، هل علينا حقًا إصلاح الدولة؟ أليست الدولة هي أصل البلاء؟ وبالمقابل أليس سقوط هذه الدولة أو تضعضعها قد يفتح صندوق باندورا، بحيث يكون من الأفضل بقاء الدولة وطغيانها على مواجهة الحرب الأهلية؟ إذا قررنا التركيز أكثر على الهلال الخصيب فيمكن تقديم مجموعة عامة من الملاحظات:

تبدو الدولة المركزية عاملًا أساسيًا في المآل المأساوي للمجتمعات العربية؛ فالدولة المركزية –وهي أخذت صيغة الدولة التحديثية كأساس لشرعيتها– سهّلت صعود أنظمة سلطوية وباطشة تجاه مجتمعاتها، دمرت هذه الأنظمة المجال السياسي وقدرات هذه المجتمعات الذاتية على تقديم نخبها ونظام قيمها وقدراتها التنظيمية وإنتاج منظومة قيمية معيارية. لقد أصبحت المجتمعات عارية ومُخصاة من قبل نظام سياسي فشل في إنتاج شرعية عابرة، واعتمد على الاستثمار في الانقسامات الأهلية وترسيخها للاستمرار في حكمه وإيجاد دعائم ترسخه.

في المقابل عجزت المجتمعات العربية، حتى على مستوى المخيال السياسي، عن تقديم تصورات سياسية مناهضة للمركزية الشديدة للدولة والنظام السياسي. وبطبيعة الحال، لم تُجد الصيغ الدستورية حول فصل السلطات الثلاث (التنفيذية والتشريعية والقضائية) نفعًا إلا لعقود قليلة خلال الفترة الليبرالية، والذي بدوره كان نجاحًا نسبيًا رافقته عورات عديدة. فيما يتعلق بصيغ أخرى للعقد السياسي، مثل الفيدرالية، فإنها بقيت غائبة تمامًا، بل وموصومة بشكل شديد السلبية باعتبارها مشروع تقسيمي لدولٍ خلقها الاستعمار مقسمة أصلًا.

محاولة إضعاف الدولة المركزية عبر الاعتراف بالجماعات الأهلية وإدخالها في بنية النظام السياسي عبر شكل من الديمقراطية التشاركية المؤسسة على الجماعات الأهلية، مثلما هو الحال في لبنان والعراق حاليًا، العديد من هذه التجارب بدورها انتهت إلى نتائج شديدة السلبية. لم تنه هذه الصيغ النزاع الأهلي، وإنما عززته ورسخته، فصار نزاع يتناوب بين صيغ الحرب الأهلية الباردة (أزمات سياسية متواصلة) أو حرب أهلية فعلية. إذ حافظت هذه الصيغ على «الدولة» بوصفها مؤسسة قوية تتمتع بالسيادة، وما يرافقها بالطبع من ميزات اقتصادية وعسكرية وتشريعية لمن يسيطر عليها أو يحظى بنصيب من سلطتها، وحصرت إمكانية الوصول إلى هذه الدولة بالجماعات الأهلية، فلا يمكن للمرء الوصول إلى منصب أو مسئولية في الدولة إلا عبر سُنيته أو شيعيته أو مارونيته. لم يُساءل نظامُ الديمقراطية التشاركية نظامَ الدولة الوطنية نفسه، إنما عمل على تقسيمها بطريقة «أهلية». غير أن معضلة هذا التقسيم، أنه يُثبِّت لحظة التوزيع في بناء الدولة، وهي مرهونة بتوازن معين للقوى، في لحظة التوزيع نفسها؛ إلا أن التحولات الاجتماعية قد تغير من طبيعة المجتمع ووزن جماعاته، بما يجعل من تغير توزيع السلطة داخل الدولة لمطابقتها مع التحولات الاجتماعية مشروع حرب أهلية.

 

الفيدرالية وممكنات أخرى

تطرح هذه الملاحظات علينا الحاجة لإعادة التفكير في خيارات تتجاوز الشكل المعياري للدولة الوطنية الذي عرفناه، وتلزمنا بالتفكير في أشكال للحوكمة مغايرة للدولة الوطنية صاحبة السيادة، مثل التفكير بنزع السيادة أو تقييدها بشدة من ناحية وإيجاد أشكال يمكن للهويات الجمعية الجديدة التعبير عن نفسها من خلالها، مع غياب الهوية الوطنية نفسها من ناحية أخرى.

ربما يكون التقسيم أحد هذه الخيارات التي لا يجب لنا إغفالها من التفكير، وإن كان هناك قدر كبير من التقييدات التي تعترضه حاليًا وكلفته المهولة في حال حصوله عنوة، ولنا في مثال الاستفتاء الخاص بكردستان العراق مثال جيد على ما يبدو أفقًا مسدودًا لهذا الخيار. لكن علينا عدم إغفال هذا الخيار، خاصة أن العديد من العوامل التي تعترضه، وخاصة الموقف الإقليمي والدولي، هي عوامل متغيرة وغير قابلة للتوقع لدرجة كبيرة. إضافة إلى أن الفشل المتزايد لأنظمة الحكم في هذه المنطقة، فشل مستدام حقًا، يعزز من احتمال هذا الخيار وحتى قد يكون السبب في تغيير المواقف الدولية والإقليمية منه. فالعراق شهد حربين أهليتين خلال العقدين الأخيرين، فيما عايشت سوريا وخلال العهد الجديد مجزرتين بطابع إبادي وخروج مناطق عديدة عن سيطرة دمشق، وعدم أهلية السلطة في دمشق واستئثارها الشديد بالسلطة وطابعها المذهبي الشديد الذي يجعل من الممكن خروج جماعات متزايدة عنها وتصاعد معارضتها لها. إن الفشل الداخلي، وهو ما يبدو مرجحًا تبعًا لسمات القوى الحاكمة، قد يغدو عاملًا مهمًا في تغيير موقف القوى الدولية من التقسيم نفسه، أو الانفتاح على أشكال أقل جذرية من الانفصالية مثل نظام حكم ذاتي شبه مستقل لمناطق بعينها داخل الدولة.

لكن إن وضعنا التقسيم جانبًا، وهو الخيار الأقصى والأشد تطرفًا ولا يمكن توقع آلياته حال حدوثه؛ فإن هناك خيارات قد تفتح مجالات للإصلاح والحياة المشتركة وامتلاك السياسة من جانب الناس، وهي الخيارات التي تستند إلى الفيدرالية واللامركزية الموسعة، وحتى أشكال من الحكم الذاتي. من هذا الباب تبدو الفيدرالية خيارًا راهنًا يسمح لنا –وضمن حدود معينة– بتجاوز مأزق الدولة الوطنية المركزية صاحبة السيادة، ويؤمن مساحة أوسع للتعامل مع المشاكل المرتبطة بالتنوع الإثني والطائفي، وحتى فرصة لتجاوز الآثار النادمة عن الاحترابات الأهلية التي رافقت هذه النزاعات.

 

أولًا، تسمح الفيدرالية بمواجهة الدولة المركزية، خاصة أن الفكرة التقليدية لفصل السلطات الثلاث (التنفيذية والتشريعية والقضائية) لم تُسعف حقًا في تقييد سلطة الدولة المركزية وكبحها. بل إن الدولة في النهاية نجحت في الهيمنة على هذه السلطات جميعها. هنا، تقدم الفيدرالية إمكانية مضافة لمواجهة الدولة المركزية عبر تفتيت السيادة وتوزيعها ليس فقط أفقيًا على السلطات الثلاث، إنما أيضًا عموديًا عبر نقل قسم من هذه السيادة والمشاركة بها إلى الأقاليم وحكوماتها ومجالسها التشريعية ومحاكمها، دون أن تكون محصورة في المركز وحسب.

تفيد الفيدرالية في تقييد السلطة التنفيذية وضبطها. إذ تُشارك الأقاليم في السيادة على مصادر السلطة والموارد مثل تحصيل الضرائب وملكية الثروات الاقتصادية وعمليات فرض القانون والقوى المسلحة والشرطة والتشريع والمحاكمات، حيث تحظى الأقاليم بحكوماتها ومحاكمها وشرطتها الخاصة التي تعمل على تنفيذ القانون، وبمجالسها التشريعية التي تتولى مراقبةَ حكوماتها الإقليمية وإقرارَ التشريعات المحلية الخاصة. كما تتولى الأقاليم تحصيل الضرائب وتحويل جزء منها إلى المركز، وتتكفل بإدارة ثرواتها وامتلاك مشاريع عامة تعود ملكيتها لها، بالمشاركة مع الحكومة المركزية التي تكون عادةً مالكة للمشاريع ذات الطابع القومي.

إن الأثر السلبي للدولة المركزية لم يقتصر على تغول الدولة على مجتمعها وتسلطها عليه، إنما كان له آثار سلبية على أشكال التطور الاجتماعي والاقتصادي؛ إذ صارت العواصم مدنًا عملاقة تنوء بسكانها، وخاصة إن كانت الموارد الطبيعية لهذه المدن محدودة مثلما هو الحال لدينا، وتم إهمال الأطراف وحتى المدينة الثانية، مثلما حصل مع حلب في سوريا. وهنا أيضًا يمكن للفيدرالية، ثانيًا، الاعتناء بشكل أكبر بحاجات تطوير الأقاليم والمناطق انطلاقًا من خيارات سكانها وحاجاتهم وقراراتهم. إذ لن تخسر الأطراف والمدن الصغيرة ثرواتها لمصلحة المركز دون أن تنال منها إلا اليسير، ولن تُفرَض عليها خطط تنمية ومشاريع من قبل المركز لا تتناسب مع احتياجاتها ولا تُراعي رغبات أهلها. في الحالة السورية، على سبيل المثال، يُقدم هذا فائدة مباشرة لمناطق طرفية وغنية بثرواتها لكنها كانت عرضة لإهمال دائم من قبل العاصمة دمشق، مثل منطقة الجزيرة وبشكل أقلّ حوران.

 

أخيرًا، تستطيع الفيدرالية تقديم إمكانيات أكثر وأرحب للتعامل مع أسئلة الهويات والجماعات والخصوصيات الثقافية. الفيدرالية ليست تقسيم على أساس إثني أو ديني، وكثير من الدول الفيدرالية لا تعرف مثل هذه الانقسامات أساسًا، أو أن أقاليمها لا تتقاطع بشكل حصري مع مثل هذه الانقسامات. لكن الفيدرالية تمثل إطارًا أكثر رحابة ويسمح بشكل أكثر سهولة بالتعامل مع هذه التحديات مقارنةً مع الدولة المركزية. يمكن للأقاليم أن تحدد سياساتها الثقافية والتعليمية الخاصة بها آخذة بعين الاعتبار تركيبتها السكانية والتقاليد السائدة بينها. فمثلًا، يمكن لمنطقة الجزيرة السورية، حيثما يتواجد الأكراد بشكل كبير، أن تتبنى سياسات ثقافية وتربوية تأخذ هذا الواقع بعين الاعتبار، فيما لا يضطر إقليم مثل حماة أو الساحل إلى التعامل مع هذه الإشكالية لعدم وجود أكراد هناك. أيضًا الاختلافات الدينية والتقاليد المتباينة يمكن لها التعبير عن نفسها في القوانين العامة التي تقرها الأقاليم، مثل الاختلافات بين إدلب وجبل الدروز والساحل السوري، أو البصرة والموصل وبغداد.

يمكن إجمال الميزات الأساسية التي تقدمها الفيدرالية، وأية أشكال أخرى موسعة من اللامركزية، في تقييد الدولة المركزية وتوزيع السيادة على مستويات مختلفة بما يصعب من إمكانية ظهور أنظمة تسلطية جديدة، والتعامل مع التنوع الاثني والطائفي داخل الجماعة الوطنية بشكل أفضل، وتقديم أشكال أكثر عدالة للتنمية والحوكمة لمختلف المناطق.

لكن هذه الإيجابيات لا تعني أن الفيدرالية هي الحل الذي سوف يُنهي كل مشاكلنا بمجرد تطبيقه. الواقع أن الطريق إلى الفيدرالية يواجهه سلفًا تحديات كبيرة، منها السمعة السيئة للفدرالية في المخيال السياسي العربي الذي يجعلها مرادفًا للتقسيم وينظر لها بريبة وتوجس كمشروع استعماري لإضعاف الأمة. إلا أن هناك تحديات أخرى تتجاوز السمة السلبية للفيدرالية في المخيال العربي، فالفيدرالية كخيار تفترض مسبقًا حد أدنى من الثقة والرغبة بالعيش المشترك بين الجماعات المختلفة وإمكانية الحوار والتواصل بينهم بما يمكنهم من الوصول إلى تسويات بينهم، وهي شروط تبدو غير مُتحققة في اللحظة الحالية، خاصةً في سوريا مع بقاء السلطة الحالية في الحكم والقطيعة الحاصلة بين الجماعات والمجازر وعمليات الاستهداف الطائفي المستمرة والمتنقلة.

الفيدرالية لا تقدم حلًا للنزاع الإثني، وإنما مسعى لتجاوزه، خاصة أنها تفترض مثلًا أن الأقاليم نفسها متنوعة إثنيًا وطائفيًا، وهو واقع الحال في سوريا والعراق ولبنان. لكن مع انهيار الثقة الوطنية والانغلاق في هويات طائفية وإثنية وتكريس المواجهة على خطوط الانكسار الأهلي لا تعود الفيدرالية –ربما– قادرة على تقديم حلول مفيدة. فالجماعات الأهلية المتنازعة حاضرة في مجمل الأقاليم المفترضة، والنزاع عندها قد يصير نزاعًا على مستوى الإقليم، والمسعى للتطهير العرقي داخل حدود الإقليم قد ينتهي عندها إلى التقسيم، فما الداعي للبقاء في دولة اتحادية إن صار كل إقليم صافيًا على مستوى الجماعة الأهلية؟

 

الفيدرالية هي خيار للعيش معًا والحفاظ على الدولة الراهنة، لذا فإنها تفترض رغبة حقيقية في العيش معًا وهي تقدم إطار حوكمي لصياغة هذا العيش. لكن بانتفاء هذه الرغبة فإن الفيدرالية لا تملك ما تقدمه. الأمر الذي يُبقى السؤال الأساسي المطروح علينا في المشرق يتعلق بالجماعات (من نحن؟) ورغبتها الحقيقية بالعيش معًا بما يضمن كرامة وحرية الجميع وتأمين العدل لهم.

هذا الشرط الأخير يبدو متعذر التحقيق في اللحظة الحالية، خاصة مع وصول حركات سلفية جهادية إلى السلطة في سوريا ونشوة سُنية مرفقة بـ«مظلومية سُنية» تمنح الجماعة العربية السنية وحدة متخيلة وشعور بأن الحكم الحالي هو حكمها، وتصورها للعدل يقوم على تصور امتيازي خاص بها يدفع الآخرين إلى الخوف والرغبة بالخروج، خاصة مع ما رافق الأشهر الأخيرة من مجازر في حق العلويين والدروز. بل إن حاجة السلطة إلى تحقيق الوحدة المتخيلة للجماعة السنية، وتماهيها مع السلطة الحالية لا يمكن إلا عبر المواجهة والتهديد بفقدان الامتياز و«حلف الأقليات» في غياب أية قدرات إيجابية مثل المشاركة في السلطة (وتمتاز السلطة الحالية بشبق هائل للسلطة، واحتكار شديد لها مثلما يظهر في إعلانها الدستوري وحوارها الوطني وانتخاباتها لمجلس الشعب) أو مشروع اقتصادي لإعادة الإعمار والتنمية وغيرها. فيبقى التهديد من الآخرين والمواجهات وسيلتها الأساسية لضمان الحشد والتأييد، وهذا التهديد يمكن أن يتحول لمواجهة الأعداء الداخليين، مثلما يظهر من تعبير مثل «سني كيوت». يتشابه الحال، وإن كان بشكل أقل درامية، في العراق؛ فكثيرًا ما تتردد واقعة أن الحكم حاليًا للشيعة وعليهم الحفاظ عليه وتُوظف هذه الحجة لقمع الأصوات الشيعية بشكل خاص المحتجة على تدهور الخدمات والمؤسسات والفساد. أيضًا النزاعات الأهلية التي ما تزال تهدد العراق، والمسالة الكردية المفتوحة. لبنان بدوره يقدم مثالًا آخر، إذ يعود سؤال سلاح حزب الله إلى الواجهة، وإن كان الشعار ما يزال شعار المقاومة ومواجهة إسرائيل، إلا أن الوظائف الأكثر حيوية حاليًا للسلاح تبدو داخلية أكثر منها مواجهة مع إسرائيل في ظل الأوضاع الحالية للهزيمة التامة. لكن أيضًا، ماذا يملك الشيعة إن نُزع منهم سلاحهم، إذ يبدو أن الآخرين يجهزون أنفسهم للانقضاض على حزب الله وبيئتهم والثأر منهم. ولهذا يظهر السلاح معضلة موازية لمعضلات سوريا والعراق، بقاؤه مصدر للنزاع، وانتزاعه تهديد للجماعة الأهلية في غياب بدائل وطنية عامة وانعدام للثقة بين الجماعات.

من هنا تبدو الفيدرالية وأشكال الحكم اللامركزية بمثابة تحدي، من ناحية تظهر وكأنها الوسيلة الوحيدة للحفاظ على بقية الوحدة الوطنية وصيانتها، والقادرة على مواجهة مشاريع سلطوية –تحت ذريعة أن الدولة القوية وحدها القادرة على الحفاظ على الوطن موحدًا أو الحاجة إلى ديكتاتور وطني– تنذر بموجات خراب جدية. لكنها من ناحية أخرى، تحتاج في الوقت ذاته إلى رغبة صادقة للعيش المشترك وتجاوز رغبات الاستئثار والثأر والتسلط وحتى القدرة على المسامحة وعلى قبول شيء من الضيم من أجل الحفاظ على العيش المشترك، وهي شروط تبدو ضعيفة الحضور حاليًا.

 

التأسيس التاريخي للفيدرالية

الانطباع السلبي الذي تحظى به الفيدرالية في المشرق يبدو غريبًا إذا أخذنا بالاعتبار أول تجربة دستورية عرفتها سوريا، وهي دستور 1920 الذي لم يتح له التحقق عمليًا؛ فقد احتل الفرنسيون دمشق بعد معركة ميسلون وأنهوا المملكة السورية. أُقر الدستور السوري وقتها عبر مجلس ضم ممثلين عن كافة مناطق سوريا، وأيضًا عن جماعاتها الأهلية المتنوعة وتياراتها السياسية، من علمانية ليبرالية إلى تقليدية محافظة. ونصَّ هذا الدستور على وجوب إقامة حكمٍ اتحادي في البلاد، إذ تُدار المقاطعات باللامركزية الواسعة كما في المادة الثانية والثالثة من الدستور. وقد خُصّص الفصل الحادي عشر للمقاطعات، واحتوى على ثلاثٍ وعشرين مادةً عرفت المجالس النيابية الخاصة بالولايات وحددت شروطها وحقّها في إقرار القوانين وتشكيل المحاكم الخاصة بهذه المقاطعات ومسئولية الوالي أمام المجلس النيابي لهذه الولاية، إذ أن تعيين الوالي كان من صلاحيات الملك. كانت الفيدرالية أيضًا أساسًا للملكية الدستورية والمقيدة التي سعى لها السوريون ونظموها في دستورهم، لتقييد وضبط صلاحيات الملك فلا يتعداها وتبقى مقيدة ومسئولة أمام مجلس نيابي اتحادي، ومقيدة أيضًا بسلطات الولايات ومجالسها. بهذا تكون الفيدرالية قد ظهرت في أوّل وثيقة سياسية أقرّها السوريون بأنفسهم، بهدف حماية استقلالهم في مواجهة التهديد الاستعماري الفرنسي.

توجَه السياسيون السوريون إلى الفيدرالية كان لمعرفتهم وإدراكهم لتنوع البلاد السورية وتنوع سكانها الذين يشتركون بالكثير بقدر ما يختلفون بالكثير، واختلاف مستويات تطور المناطق السورية وحاجاتها. وبهذا أدركوا ضعف الهوية الوطنية السورية، باعتبارها هوية حديثة وناشئة، مقارنة بالهويات التي ألفها السوريون واعتادوا تنظيم حياتهم تبعًا لها، هوياتهم الدينية والمناطقية والعشائرية. وهذا ما جعلهم يتجهون إلى الفيدرالية بوصفها شكل الحوكمة الأكثر مناسبة لهم، وأيضًا الذي يعطيهم قدرة أكبر على مواجهة ادعاءات الخارج الذي يقدم نفسه باعتباره مدافعًا عن الأقليات، وتشكل حمايتها ذريعته للتدخل.

إن تجربة 1920 تقدم أساسًا تاريخيًا لاستعادة الفيدرالية باعتبارها الشكل الأول والأكثر مثالية الذي فكرت به النخب السورية كشكل لحكم هذه البلاد، سواء لإدارة العيش المشترك بين شعوبها/جماعاتها من ناحية، ولتقييد وضبط صلاحيات السلطة التنفيذية والمركز من ناحية أخرى. ونحن ما نزال إلى اليوم في مواجهة هذين التحديين مثلما كان أجدادنا قبل قرن من الزمن، ويبدو أن خيارهم وقتها –وهو الخيار الذي لم يسعفه الوقت للاختبار– الخيار الأفضل والأكثر راهنية، ويقدم أساسًا تاريخيًا لمسألة الفيدرالية واللامركزية في المشرق.


التعليقات