تقرير: بعد الخلاف في اليمن، السعودية تسعى لإقصاء الإمارات من القرن الأفريقي وسواحل البحر الأحمر
يمن فيوتشر - واشنطن بوست- ترجمة غير سمية الاربعاء, 21 يناير, 2026 - 04:42 صباحاً
تقرير: بعد الخلاف في اليمن، السعودية تسعى لإقصاء الإمارات من القرن الأفريقي وسواحل البحر الأحمر

أدّت المنافسة المحتدمة منذ زمن طويل بين السعودية والإمارات، والتي انفجرت خلال الأسابيع الأخيرة في جنوب اليمن، إلى تحوّل دراماتيكي في ميزان القوى الإقليمي، وتهدّد بإرباك دول هشّة أخرى تمارس فيها الدولتان نفوذًا واسعًا.

فالسعودية، التي تدعم الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، تدخّلت الشهر الماضي عندما اجتاح انفصاليون مدعومون من الإمارات مناطق واسعة وسيطروا على أراضٍ استراتيجية، إذ شنّت ضربات على مقاتلين متمرّدين واستهدفت شحنة إماراتية قالت الرياض إنها كانت تحتوي على أسلحة مخصّصة للجماعة. وعلى إثر ذلك، سارعت الإمارات إلى سحب قواتها، كما قام المجلس القيادي للانفصاليين بحلّ نفسه على الفور.

غير أنّ الشرخ بين الملكيتين الغنيتين بالنفط بدأ بالفعل يمتدّ إلى ما وراء اليمن، إذ تعمل السعودية، القلقة مما تعتبره تحركات عسكرية وسياسات خارجية هجومية من جانب جارها الأصغر حجمًا بكثير، على مواجهة شبكة النفوذ العميقة التي أمضت أبوظبي سنوات في بنائها في القرن الأفريقي وحول البحر الأحمر.

وقال دبلوماسي سعودي، طلب عدم الكشف عن هويته بسبب حساسية الموضوع، إن توسّع نفوذ الإمارات في هذه المنطقة “يتعارض مع رؤية السعودية لهذه الأقاليم باعتبارها جزءًا من حزامها الأمني الاستراتيجي”، مضيفًا أن الرياض عازمة على إيصال «خطوطها الحمراء» بوضوح.

وأثار التحوّل المفاجئ في موقف الرياض نحو نهج أكثر حزمًا محاولاتٍ من دول المنطقة للتعامل مع هذا الشرخ، فقد عملت السعودية والإمارات إلى حدٍّ كبير جنبًا إلى جنب على مدى سنوات، حيث دعمتا أنظمة استبدادية أخرى في مواجهة انتفاضات الربيع العربي، وتعاونتا لمواجهة الحوثيين المدعومين من إيران في اليمن. غير أنّ السعودية، في الأيام الأخيرة، عزّزت تحالفات بديلة بهدف كبح نفوذ منافستها، وتُجري محادثات مع كلٍّ من مصر والصومال لتوسيع التعاون الأمني بين الدول الثلاث، بحسب مسؤول أمني صومالي رفيع المستوى.

كما أعلنت الحكومة الفيدرالية الصومالية أنها ستُلغي اتفاقياتها الدفاعية مع الإمارات، التي تدير موانئ تجارية وقواعد عسكرية في ما لا يقل عن ثلاث مناطق: أرض الصومال، وبونتلاند، وجوبالاند، حيث يكاد نفوذ حكومة مقديشو وحضورها يكونان محدودين.

وفي الوقت نفسه، تُظهر بيانات تتبّع الرحلات الجوية أن طائرات قادمة من الإمارات، يقول محللون إنها على الأرجح تنقل إمدادات إلى وكلاء أبوظبي في أماكن مثل تشاد وليبيا والسودان، قد أُعيد توجيهها مؤخرًا لتجنّب المجال الجوي المصري والسعودي والصومالي.

ويقول ليام كار، قائد فريق أفريقيا في مشروع “التهديدات الحرجة” التابع لمعهد “أمريكان إنتربرايز”، تعليقًا على موقفي الإمارات والسعودية: “إن هذا الانقلاب في المواقف هائل”.

ويضيف كار أنه في أواخر ديسمبر/كانون الأول بدا وكأن الإمارات وحلفاءها في اليمن يتجهون إلى السيطرة على جانبي مضيق باب المندب الشمالي والجنوبي، وهو ممر مائي ضيّق لكنه بالغ الأهمية يربط البحر الأحمر بخليج عدن، إضافة إلى خليج عدن نفسه، غير أنّ تغيّر موازين القوى لصالح السعودية جعل “الأمر يبدو الآن وكأن العكس قد يكون صحيحًا”، على حدّ تعبيره.

ولم ترد وزارة الخارجية الإماراتية مباشرة على الأسئلة المتعلقة بالتوترات مع السعودية عند التواصل معها، كما لم ترد وزارة الإعلام في الرياض ومتحدث باسم السفارة السعودية في واشنطن على طلبات التعليق، فيما امتنع مسؤولون كبار آخرون عن التعليق أو لم يستجيبوا.

وصوّر محللون ومعلّقون من الإمارات تحركات السعودية الأخيرة بوصفها نابعة من “عقدة الأخ الأكبر”، أي شعور بأنهم جرى تجاوزهم أو تركهم خلف الركب، بينما اضطلع جارهم الأصغر مساحةً والأقل عددًا للسكان بدورٍ مبالغ فيه على المستويين الإقليمي والدولي.

فقد تجاوزت الإمارات الصين عام 2022، على سبيل المثال، لتصبح أكبر مستثمر في أفريقيا، بحسب بيانات «إف دي آي ماركتس»، وهي جهة عالمية لمراقبة الاستثمارات مملوكة لصحيفة «فايننشال تايمز». وشملت هذه الاستثمارات تشغيل موانئ تجارية في الصومال وجيبوتي، إلى جانب مشاريع زراعية في إثيوبيا وكينيا وأوغندا، هدفت إلى تأمين واردات الإمارات الغذائية.

ويقول عبد الله عبد الخالق، وهو أكاديمي إماراتي بارز: “يرى السعوديون في الإمارات تحديًا لقيادتهم في الخليج، وربما التحدي الوحيد القائم حاليًا، وتحديًا حقيقيًا عندما يتعلق الأمر بالإقليم ككل”.

وأضاف أن السعودية ربما شعرت بأن “شيئًا ما لا بدّ من فعله، وربما يكون المكان المناسب للبدء هو حضرموت”، في إشارة إلى الإقليم الغني بالنفط في اليمن، الذي شكّل بؤرةً للاشتباكات الأخيرة.

 

شرخ كامل

ليست الخلافات بين السعودية والإمارات حول قضايا تمتد من الأراضي إلى إنتاج النفط أمرًا جديدًا، إذ ظهرت إلى السطح بصورة دورية منذ تأسيس الإمارات من محمية بريطانية عام 1971.

لكن في عام 2014، عندما برز ولي العهد محمد بن سلمان لاعبًا أساسيًا في السياسة الملكية السعودية، “نظر إليه رئيس دولة الإمارات محمد بن زايد آل نهيان بوصفه نسخةً أصغر سنًا من نفسه”، بحسب كريستيان كوتس أولريخسن، الزميل في معهد بيكر لدراسات الشرق الأوسط. وخلال السنوات اللاحقة، توطدت العلاقة بين الزعيمين، و”بدا أنهما يعيدان تشكيل الخليج”، على حدّ تعبير أولريخسن.

وكان التحالف لدعم المقاتلين الذين يواجهون الحوثيين، الذين سيطروا على العاصمة اليمنية صنعاء عام 2014 ويحكمون اليوم مساحات واسعة من شمال غرب البلاد، ربما أبرز مؤشر على الشراكة الناشئة بين البلدين. غير أنّ تباين المصالح والاستراتيجيات والأهداف سرعان ما أوجد شقوقًا جديدة بين الطرفين؛ فقد سعت السعودية، من خلال دعمها للحكومة المعترف بها دوليًا، إلى الحفاظ على وحدة الأراضي اليمنية، فيما ركّزت الإمارات، التي تنظر إلى الإسلام السياسي بوصفه تهديدًا وجوديًا، على مواجهة الفصائل الإسلامية في اليمن، بما في ذلك تلك الموجودة داخل التحالف المناهض للحوثيين.

ونتيجة لذلك، انتهت الإمارات إلى تمويل وتسليح وتوحيد قوى انفصالية في جنوب اليمن، وأسهمت عام 2017 في رعاية تأسيس «المجلس الانتقالي الجنوبي» برئاسة عيدروس الزبيدي، وهو انفصالي مخضرم وحاكم سابق لمحافظة عدن.

وبدأت الإمارات توسيع نطاق حضورها، ومع مقاتليها الوكلاء، فأنشأت مطارات ومواقع متقدمة وبنى تحتية أخرى في مدن الموانئ أو في جزر قبالة الساحل، أحيانًا من دون موافقة الحكومة المدعومة من السعودية، ما منحها أفضلية استراتيجية كبيرة على طول بعض أهم الممرات البحرية في العالم.

وهذا نمطٌ من الأعمال كرّرته الإمارات في دولٍ مثل ليبيا والسودان، حيث تحالفت مع فاعلين من غير الدول، ما أتاح لها ترسيخ موطئ قدم في مجالات الاستثمار والموارد والأمن والنفوذ السياسي، وهو ما وضعها في تعارض مع النهج السعودي الأكثر تحفظًا والقائم على دعم الحكومات التقليدية.

وقال دبلوماسي سعودي إن «النهج الإماراتي، من وجهة النظر السعودية، يُنشئ مراكز نفوذ غير دولية يمكن أن تُضعف دول البحر الأحمر وتُسهم في تفككها».

ووصف أندرياس كريغ، الأستاذ المشارك في كلية دراسات الأمن بجامعة كينغز كوليدج لندن، الشبكة الإقليمية للإمارات بأنها “محور للانفصاليين”، وأضاف: “إن أبوظبي مرتاحة للعمل دون عتبة الدبلوماسية الرسمية، إذ تبني نفوذها عبر شبكة من الكيانات التجارية، وإتاحة الوصول اللوجستي، والمساعدات الأمنية، والوسطاء، والشركاء المحليين المسلحين”.

لكن التقدّم السريع للمجلس الانتقالي الجنوبي في محافظتي المهرة وحضرموت وضع قواته على طول الحدود اليمنية الممتدة مع السعودية، وقد دفع هذا التوسع الرياض إلى التحرك لوقف مكاسب المجلس والبدء في معالجة دور الإمارات بصورة علنية، رغم أن مسؤولًا إماراتيًا وصف الاتهام بأن أبوظبي وجّهت هذا التقدّم بأنه “باطل تمامًا”.

وأسفر ذلك عن “شرخ كامل” في العلاقة السعودية–الإماراتية داخل اليمن، بحسب خالد اليماني، وزير الخارجية اليمني الأسبق، الذي قال: “كان الانسحاب الإماراتي صادمًا للغاية، فقد اختفوا تمامًا خلال يومين فقط”. وأضاف أنه في أعقاب الانسحاب مباشرة بدا أن الإمارات امتنعت عن أي انخراط دبلوماسي، حتى مع استدعاء بعض قادة المجلس الانتقالي إلى الرياض واتهام أعضائه للسعودية باحتجازهم بمعزل عن العالم، ويبدو، على حدّ قوله، أن الإمارات توجّه رسالة إلى السعودية مفادها: “باتت المشكلة مشكلتكم، تعاملوا معها”.

كما اتهمت الرياض الإمارات بتهريب عيدروس الزبيدي، الذي تتهمه الحكومة بالخيانة، خارج اليمن إلى أرض الصومال عبر مقديشو في 7 يناير. وقال كار إن التحركات المزعومة للزبيدي عبر الأراضي الصومالية تندرج ضمن نمط أوسع ترى فيه حكومة مقديشو انتهاكات إماراتية لسيادة البلاد.

وتحافظ أبوظبي على ميناءٍ للمياه العميقة ومدرجٍ جوي مرافق له في بربرة بأرض الصومال، الإقليم المنفصل في شمال الصومال. كما استثمرت الإمارات في ميناء وبنت قاعدة عسكرية في بوصاصو في بونتلاند شبه المستقلة، على الساحل الجنوبي لخليج عدن. ويعدّ موقع بوصاصو مركزًا لوجستيًا رئيسيًا للإمارات، ويضم حظيرة لطائرات مسيّرة تُستخدم في ضربات إماراتية ضد مقاتلي تنظيم الدولة في بونتلاند.

وتشير بيانات الطيران إلى أن بوصاصو كانت تستقبل سابقًا عدة طائرات شحن من طراز «إليوشن-76» متجهة من وإلى الإمارات، إلا أن هذه الرحلات توقفت خلال الأسابيع الأخيرة.

وقال جاستن لينش، المدير التنفيذي للأبحاث في شركة “كونفلكت إنسايتس غروب” للتحليل والدراسات: “نعلم أن بعض الطائرات التي تهبط في بوصاصو توفّر دعمًا وإمدادات لقوات الدعم السريع في السودان”، في إشارة إلى الجماعة شبه العسكرية التي تقاتل الجيش السوداني. وترتبط الإمارات بعلاقة طويلة الأمد مع قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو، الذي أرسل آلاف المرتزقة للقتال إلى جانب الطرف المدعوم إماراتيًا في اليمن. كما سبق للإمارات أن استثمرت في تعدين الذهب في السودان وفي مشاريع زراعية كبرى، وأبرمت صفقة بقيمة ستة مليارات دولار لتطوير ميناء في السودان قبل اندلاع الحرب الأهلية.

وقد نفت الإمارات تسليح قوات الدعم السريع، رغم وجود أدلة توثّق العثور على أسلحة اشترتها الإمارات ضمن مخزونات استولت عليها القوات المسلحة السودانية من هذه القوات.

وقال الدبلوماسي إن السعودية مستعدة لاستخدام “جميع الوسائل المتاحة” للحد من نفوذ قوات الدعم السريع.

ويرى بعض المراقبين أن هناك فوائد في وضوح حدود كل طرف ونوعية التدخل الذي يمكن تحمّله داخل مناطق يعتبرها ضمن مجال نفوذه، باعتبار ذلك مكاسب محتملة.

ويقول بدر السيف، الأستاذ المساعد في جامعة الكويت والباحث المشارك في تشاتام هاوس: “إن توضيح الخطوط الحمراء من جميع الأطراف أمر مهم، وأرى وضوحًا أكبر في الغايات على المدى الطويل”.


التعليقات