‏جهود إنقاذ إماراتية، وغضب سعودي..انقسام بين قوتين إقليميتين كبيرتين في الشرق الأوسط بشأن اليمن
يمن فيوتشر - لوس انجلوس تايمز- ترجمة غير رسمية: الثلاثاء, 20 يناير, 2026 - 10:22 مساءً
‏جهود إنقاذ إماراتية، وغضب سعودي..انقسام بين قوتين إقليميتين كبيرتين في الشرق الأوسط بشأن اليمن

عالقًا في مطار عدن، ومعه دعوة من السعودية لم يكن قادرًا في رفضها، لكنه كان راغبًا بشدة في ذلك، راوغ عيدروس الزبيدي لكسب الوقت، متشبثًا بتفاصيل بروتوكولية صغيرة عطّلت إقلاع الطائرة من اليمن لبضع ساعات.
وكان الزعيم اليمني، الذي يتزعم جماعة انفصالية مدعومة من الإمارات لكنها على خلاف حاد مع السعودية، يدرك أن ما ينتظره في الرياض لن يكون على هواه، فواصل المماطلة، ثم وردته مكالمة تُبلغه بأن خطة الهروب باتت جاهزة.
ففرّ الزبيدي مسرعًا، مصطحبًا خمسة من أبرز مساعديه إلى معسكر عسكري في عدن، ومن هناك، جهّز قافلتين كطُعم للتمويه، ثم توجّه برًّا إلى الساحل القريب بينما كانت طائرة مسيّرة إماراتية تحلّق للمراقبة فوقهم، وبحلول الصباح الباكر، كان على متن سفينة متجهة إلى الصومال، ومنها سافر جوًّا إلى العاصمة الإماراتية أبوظبي.
شكّل هروب الزبيدي الجريء هذا الشهر، الذي أكّد تفاصيله مسؤولون في عدن، ومسلحون، وعمال موانئ، إضافة إلى بيانات غاضبة صادرة عن مسؤولين عسكريين سعوديين، نقطة الانفجار في خصومة تتسم بلهجة متزايدة السمية بين اثنين من أبرز حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط؛ وهو صراع يضع وجود اليمن نفسه موضع تساؤل، فيما ينذر بالمزيد من المعاناة لشعب يرزح أصلًا تحت واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العالم.
ويقول محمد الباشا، الخبير المقيم في الولايات المتحدة ومؤسس "تقرير الباشا"، وهي شركة استشارات مخاطر أمريكية تركز على الشرق الأوسط وأفريقيا: "لم أرَ السعوديين غاضبين إلى هذا الحد قط إطلاقًا". 
وأضاف: "تشعر السعودية بأن الإمارات لم تكن وسيطًا نزيهًا في اليمن وخارجه، وهم يشعرون بالخيانة". 
وقد أدّى هذا الشرخ، الناتج عن تباينات حادة في السياسات الجيوسياسية والتجارية التي حوّلت الرياض وأبوظبي على مدى سنوات من حليفين مقرّبين إلى منافسين ودودين ثم إلى خصمين لدودين، إلى توتير العلاقات عبر الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب شرق آسيا.
ومن المرجّح أن تُربك المناوشات بين قوتين كبيرتين في مجال الطاقة الأسواق والاستثمارات، فضلًا عن تعطيل خطط رئيس أمريكي يعتبر البلدين شريكين أساسيين في التجارة والدبلوماسية.
وطفا هذا الصدام إلى السطح بصورة درامية الشهر الماضي عندما سيطرت الجماعة الانفصالية التي يقودها الزبيدي، المجلس الانتقالي الجنوبي (STC)، على مساحات واسعة من جنوب البلاد على حساب الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، وبدا أنها على وشك إعلان دولة انفصالية فوق إقليم غني بالموارد.
وجاء الهجوم مفاجئًا للرياض، التي كانت قد تحالفت قبل أكثر من عقد مع أبوظبي في حملة عسكرية مدمّرة ضد الحوثيين، وهم فصيل مدعوم من إيران سيطر على العاصمة اليمنية صنعاء عام 2014. 
وقد انضم المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي تأسس عام 2017 لإعادة تأسيس جنوب اليمن دولةً مستقلة، وأغدقت عليه الإمارات دعمًا عسكريًا وتمويلًا، إلى الحملة المناهضة للحوثيين عام 2022 إلى جانب الحكومة اليمنية المدعومة من السعودية، غير أن خطوط المواجهة ظلت جامدة حتى التقدم الأخير الذي حققه المجلس الانتقالي الجنوبي.
وبدت السعودية، التي تحدّ إحدى المناطق التي استولى عليها انفصاليو المجلس الانتقالي الجنوبي، في البداية وكأنها تتقبّل مناورة المجلس للسيطرة على مزيد من الأراضي.
لكنها سرعان ما شنّت غارات جوية على ما قالت إنه شحنة أسلحة إماراتية موجّهة إلى الانفصاليين (وهو اتهام نفته الإمارات)، ثم أعقبت ذلك بحملة عسكرية كاسحة وعنيفة أطاحت بالمجلس الانتقالي الجنوبي من جميع المناطق التي كان قد استولى عليها، ما أتاح للقوات الحكومية الاستيلاء على معقله في عدن، وفي هذه الأثناء، طلبت الحكومة اليمنية من الإمارات إنهاء وجودها العسكري في البلاد.
ومع هزيمة الانفصاليين شبه الكاملة، دعت، أو أمرت، بحسب الروايات، السعوديةُ عيدروس الزبيدي وأكثر من خمسين مندوبًا آخرين من المجلس الانتقالي الجنوبي إلى الرياض لبحث مستقبل جنوب اليمن. وكان لدى الزبيدي سبب وجيه للخوف من أن يُسجن أو، في الحد الأدنى، يُرغَم على الاستسلام. ولهذا السبب فرّ.
ووصفت السعودية الزبيدي بأنه "هارب"، فيما اتهمته الحكومة اليمنية بارتكاب خيانة عظمى.
وظهر أحد مندوبي المجلس الانتقالي الجنوبي في الرياض على شاشة التلفزيون الرسمي اليمني بعد يوم واحد، ليعلن حلّ المجلس، وهو قرار أصرّ كثير من أعضاء المجلس خارج السعودية على أنه باطل لأنه اتُّخذ تحت الإكراه، مؤكدين أن السعودية تحتجز وفد المجلس الانتقالي رهينة.
غير أن أعضاء المجلس الانتقالي الجنوبي في الرياض شاركوا، يوم الأحد، مع سياسيين يمنيين آخرين في ما وُصف بأنه «اجتماع تشاوري» حول مستقبل جنوب اليمن، وهي خطوة قال مراقبون إنها تهدف إلى دحض أي ادعاء بوجود إكراه من جانب الرياض.
وفي صميم الخلاف بين السعودية والإمارات بشأن اليمن يكمن تباين في الرؤية بين ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، ورئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان.
فعندما برز محمد بن سلمان إلى الواجهة وزيرًا للدفاع عام 2015، تبنّى سياسة خارجية صدامية دفعته إلى إطلاق الهجوم غير الناجح على الحوثيين، وإلى اختطاف رئيس وزراء لبنان، وتحالفت السعودية مع الإمارات والبحرين في عام 2017، لفرض حصار على قطر استمر أربع سنوات، غير أن نظرته تغيّرت منذ ذلك الحين، لتُعلي أولوية الاستقرار الإقليمي باسم الازدهار الاقتصادي.
أما الإمارات، فقد أثبتت أنها لاعب مُربِك، فهي لم تكتفِ بتطبيع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل خلال الولاية الأولى للرئيس ترامب، في تحدٍّ للشروط السعودية الراسخة لتحقيق سلام عربي شامل مع إسرائيل، بل إنها نسجت خلال العقد الماضي شبكة من الوكلاء والقواعد العسكرية والموانئ والأصول السرية على البحر الأحمر وفي أنحاء أفريقيا، بما يهدد حكومات عدة دول.
ولا يتجلّى ذلك في مكان أوضح مما هو عليه في السودان، حيث يندد منتقدون بدعم الإمارات لقوات الدعم السريع، وهي جماعة شبه عسكرية متهمة بارتكاب إبادة جماعية في الحرب الأهلية بالبلاد، وتنفي الإمارات تقديم أي دعم لقوات الدعم السريع، وتقول إن هدفها الحفاظ على وحدة أراضي السودان، رغم وجود أدلة واسعة تناقض ذلك. 
وانخرطت السعودية والإمارات في حرب إعلامية شاملة منذ وقوع القطيعة على خلفية اليمن، إذ تبادل مؤثرون وإعلاميون الهجمات على وسائل التواصل الاجتماعي، فيما نشرت قنوات ممولة من الدولتين تقارير هجومية. 
ونظّمت السعودية زيارة إعلامية إلى مدينة المكلا، الميناء الجنوبي اليمني، يوم الاثنين، حيث اتهمت الحكومة اليمنية الإمارات بإدارة سجن سري هناك.
ويشهد ترتيب العلاقات والتحالفات إعادة سريعة في مناطق أخرى من الإقليم، فقد قامت الحكومة الصومالية، بعد وقت قصير من هروب الزبيدي، بتمزيق اتفاقيات التعاون الأمني والتجاري مع الإمارات، بما في ذلك الامتياز الذي سمح لشركة «دي بي وورلد» الإماراتية العملاقة للعمل من ميناء بربرة، وهو الميناء الذي استخدمه الزبيدي في هروبه.
ويضيف المراقبون أن الإمارات يبدو أنها فقدت أذونات الطيران العسكري فوق مصر والسودان والسعودية، وأعلنت إدارة مطار الكفرة في ليبيا، الذي أصبح جزءًا مهمًا من خط الإمداد الإماراتي إلى حلفائها في السودان، أنها ستغلق المطار لمدة شهر.
وفي الوقت الذي تفكك فيه السعودية الشبكة العسكرية الإماراتية، تبني المملكة واحدة خاصة بها، وقال مسؤول صومالي، تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته لمناقشة الديناميات الإقليمية، إن السعودية تخطط لتحالف عسكري مع مصر والصومال، وإن المسؤولين السعوديين ضغطوا على صوماليلاند لمنع إسرائيل من بناء قواعد على أراضيها، كما بدأت تركيا أيضًا في تحقيق اختراقات مع السعودية، وهو تحول كبير بالنسبة لخصمين قديمين، وتنوي الرياض شراء طائرات حربية صينية من باكستان لتسليمها إلى اليمن.
وفي الوقت نفسه، عملت السعودية على اقتلاع النفوذ الإماراتي من اليمن، وقال قادة في عدن، تحدثوا لـ«نيويورك تايمز»، إن الرياض وافقت على دفع رواتب جميع المقاتلين، التي تبلغ نحو 80 مليون دولار شهريًا، كما تم عزل سياسيين مدعومين من الإمارات من المجلس الرئاسي اليمني واستبدالهم بأشخاص أكثر توافقًا مع السعودية.
ورغم تجريد المجلس الانتقالي الجنوبي من سلاحه، لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت الإمارات ستقبل بفقدان موطئ قدم لها في البلاد.
وقال الباشا: "حتى الآن، يبدو أن الإمارات تركز على القوة الناعمة في جنوب غرب اليمن، كما فعلت في صوماليلاند. أما ما إذا كان ذلك سيتحوّل في النهاية إلى دعم تمرد مسلّح، فمسألة مفتوحة". 
وبالنسبة للوقت الراهن، يسود الهدوء في عدن، رغم الغضب مما يعتبره كثيرون تخريب السعودية لانفصال طال انتظاره، حيث كان اليمن قبل الوحدة عام 1990 دولتين منفصلتين؛ وهي خطوة أصبح الجنوبيون يحملون لها ضغينة، وقد حاولوا الانفصال في 1994 دون ان ينجحوا في ذلك.
وانضم عشرات الآلاف إلى مسيرة مؤيدة للمجلس الانتقالي الجنوبي في وسط مدينة عدن يوم الجمعة، رافعين أعلام دولة جنوب اليمن إلى جانب صور عيدروس الزبيدي، ولافتات إماراتية متفرقة. 
وردّد المشاركون هتافات تعهّدوا فيها "بالتضحية بأنفسنا من أجل الجنوب"، فيما كان مقدّم الحفل يدير هتافات بأسلوب النداء والرد، وكان يهتف: "هل تريدون الرئيس اليمني؟ هل تريدون يمنًا اتحاديًا؟ هل تريدون حلولًا نصفية؟". 
ودوّى صوت الحشد في كل مرة قائلا "لا". 
«إذن ماذا تريدون؟»
«الجنوب!»
وقالت ضياء الهاشمي، وهي معلمة لغة إنجليزية تبلغ من العمر 44 عامًا، إن السعودية تجاوزت حدودها.
وأضافت: "لم يكن الأمر متعلقًا بالإمارات أو بأي طرف آخر. نحن نطالب [بدولة مستقلة] منذ عام 1994، ونحن نقف خلف الرئيس عيدروس الزبيدي". 
وتابعت قائلة: "دخلنا في شراكة مع الشماليين لتحرير العاصمة من الحوثيين، لكنهم للأسف يريدون وطنًا بديلًا في الجنوب". 
وبالقرب منها، كان سند عبد العزيز، 37 عامًا، أكثر حدّة في لهجته، وقال: "نريد الجنوب وسنقاتل من أجله، وبعد هذا، نرى السعودية هدفًا".


التعليقات