تحليل: ماذا يعني تكليف شائع محسن بتشكيل حكومة جديدة في اليمن؟
يمن فيوتشر - اندبندنت عربية ـ سامي الكاف الإثنين, 19 يناير, 2026 - 11:12 صباحاً
تحليل: ماذا يعني تكليف شائع محسن بتشكيل حكومة جديدة في اليمن؟

اليمن اليوم لا يقف أمام أزمة أسماء أو مواقع أو تشكيلات حكومية، بل أمام اختبار وجودي عميق لمعنى الدولة ذاتها، هل الدولة إطار سيادي قادر على فرض منطقه، وحماية مجتمعه، وتحمل مسؤولياته الأخلاقية والقانونية، أم أنها مجرد ساحة مفتوحة لتقاطع مشاريع متعارضة تتوارى أمام محاصصة وتوازنات، يحكمها ميزان القوة لا منطق القانون، ميزان الإقصاء والتهميش لا منطق العدالة والإنصاف؟

 

أتصور أن تكليف شائع محسن بتشكيل حكومة جديدة في اليمن لا يمكن قراءته باعتباره إجراءً إدارياً عادياً أو حلقة أخرى في سلسلة الترتيبات السياسية الموقتة، بل بوصفه لحظة سياسية فاصلة تختبر معنى الدولة وحدود قدرتها على استعادة سيادتها في ظل صراع مفتوح بين منطق الشرعية ومنطق الأمر الواقع.

فهذه الخطوة تأتي في سياق داخلي متشابك ومعقد وإقليمي شديد التعقيد، إذ لم يعد الخلاف يدور حول أسماء أو مناصب، بل حول جوهر السلطة، واحتكار القرار، ووحدة السلاح، وقبل ذلك مسؤولية الدولة الأخلاقية تجاه مواطنيها.

وعليه يصبح السؤال الحقيقي، كما أرى، ليس من يشكّل الحكومة، بل وأيضاً أي دولة يُراد لها أن تقوم، وأي طريق سيسلكه اليمن بين مشروع بناء مؤسسي طويل الأمد، أو إعادة إنتاج الفوضى تحت عناوين سياسية مختلفة، وهو أمر سأحاول تسليط الضوء عليه في هذا النص التحليلي وكيف يمكن الإجابة عن عنوان المقال.

دعوني في البداية أقول إن قرارات رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بتعيين عضوين جديدين في المجلس، محمود الصبيحي وسالم الخنبشي، وتكليف شائع محسن بتشكيل حكومة جديدة، تأتي بوصفها لحظة كاشفة لا يمكن عزلها عن السياق العام للأزمة اليمنية، فهي لا تمثل مجرد تعديل إداري أو إعادة توزيع مواقع، بل إعلاناً سياسياً صريحاً بأن مرحلة الالتباس قد انتهت، وأن الدولة قررت أن تسمي الأشياء بأسمائها.

في الواقع أرى أن هذه القرارات شجاعة تعكس انتقالاً واعياً من منطقة الرماد إلى خط المواجهة الواضح بين منطقين متناقضين: منطق الدولة بوصفها إطاراً قانونياً جامعاً، ومنطق الأمر الواقع الذي يُفرض بقوة السلاح ويطلب لاحقاً شرعنته سياسياً.

بعبارة أخرى أدق: لم يعد النزاع، كما كان يُصوَّر سابقاً، خلافاً على إجراءات أو تفسيرات لاتفاقات، بل صراعاً على جوهر السلطة ومعناها، ودفاعاً عنها بالضرورة.

من هنا، وفق المشار إليه أعلاه، تكتسب فكرة "اللاتراجع" معناها الحقيقي، إذ لا يمكن للدولة أن تستمر وهي تتفاوض مع نقيضها، فالدولة، في تعريفها الفلسفي والسياسي، لا تُدار بنصف سيادة، أو برئيس فوق الرئيس، ولا تحيا داخل مناطق نفوذ متنازعة، ولا تقبل أن تكون قراراتها خاضعة لميزان القوة خارج مؤسساتها.

وإذا كان هذا المسار الجاد يفرض نفسه نظرياً، فإنه يفرض عملياً ضرورة اتخاذ قرارات وتغييرات مؤلمة لكن لا غنى عنها لتحسين مستوى الأداء الحكومي، فالإدارة العامة لا تستقيم في بيئة مضطربة، ولا يمكن الحديث عن إصلاح دون تطبيع حقيقي للأوضاع، وعلى رأسها الوضع في عدن، العاصمة الموقتة للجمهورية اليمنية.

 

فضلاً عن ذلك، تطبيع الأوضاع في عدن لا يعني مجرد عودة شكلية لمؤسسات الدولة، بل استعادة فعلية لوحدة القرارين الأمني والعسكري في المحافظات المحررة، فالدولة التي لا تحتكر أدوات العنف المشروع، وفق المفهوم الكلاسيكي، تصبح كياناً هشاً، عاجزاً عن حماية مواطنيه أو بناء ثقتهم أو حتى استعادة بعضها.

بعبارة أخرى أوضح وأدق: بقاء تشكيلات عسكرية خارج إطار وزارتي الدفاع والداخلية لا يمثل خللاً إدارياً فحسب، بل خرقاً مباشراً لمعنى إعلان نقل السلطة ذاته الذي بموجبه يمارس رئيس وأعضاء مجلس القيادة الرئاسي ورئيس وأعضاء مجلس الوزراء مهامهم وإليه يحتكمون.

ويزداد هذا الخلل خطورة حين نتذكر أن عدداً من هذه التشكيلات كان جزءاً من التمرد العسكري، وفق ما تمخض عنه اجتماع مجلس الدفاع الوطني برئاسة رئيس مجلس القيادة الرئاسي القائد الأعلى للقوات المسلحة بتاريخ الـ26 من ديسمبر (كانون الأول) 2025، مما يجعل استمرارها خارج المنظومة الرسمية سؤالاً مفتوحاً حول جدية الدولة في فرض سيادتها.

ولذلك، وفي هذا السياق الموضح أعلاه، لا يمكن تجاهل ما حدث في الـ21 والـ22 من ديسمبر الماضي، حين أعلن محافظون ووزراء ونواب وزراء ووكلاء ومديرو عموم ورؤساء مؤسسات تأييدهم الصريح لإجراءات التمرد فضلاً عن رئيس هيئة التشاور والمصالحة وأعضاء فيها، وتعاملوا مع عيدروس الزبيدي بوصفه رئيس دولة لا عضواً في مجلس قيادة رئاسي، في الواقع لم يكن ذلك فعلاً رمزياً أو انفعالاً عابراً، بل إعلاناً سياسياً مكتملاً بكل دلالاته.

في اعتقادي أن الأخطر من الفعل ذاته هو ما تلاه، أو بالأحرى ما لم يتبعه، إذ إن بقاء هؤلاء المسؤولين حتى اليوم بمنأى عن الإقالة أو المساءلة يفتح في تصوري باب التساؤلات على مصراعيه، ويقوض فكرة "العدالة المؤسسية"، ويبعث برسالة ملتبسة مفادها أن التمرد قد لا تكون له كلفة سياسية.

هذا الالتباس الداخلي يتغذى عليه خطاب خارجي لا يقل خطورة، يتمثل في الدعوات التي يطلقها عيدروس الزبيدي من خارج الوطن لإرباك المشهد، فهذه الدعوات لا يمكن قراءتها بمعزل عن استهداف الاستقرار الوليد في جنوب اليمن، ولا عن محاولة تعطيل أي مسار يعيد الثقة بالمستقبل.

 

ويبلغ التناقض ذروته حين نقارن بين هذا الخطاب التحريضي وما أعلنته المملكة العربية السعودية من دعم تنموي واضح لليمن بقيمة 1.9 مليار ريال سعودي، موجه عبر برامج تنموية مستدامة لتحسين حياة المواطنين في مختلف المحافظات، هنا - تحديداً - تتواجه رؤيتان: رؤية تراهن على البناء الطويل الأمد، وأخرى ترى في الفوضى مورداً سياسياً.

لاحظوا معي من فضلكم وتأملوا: هذا التناقض لا يقتصر على بعده السياسي الظاهر، بل يتجاوز ذلك ليصبح تناقضاً أخلاقياً عميقاً في مقاربة الواقع ومصير المجتمع، فالدعم التنموي يفترض الإيمان بفكرة الدولة وبقابلية المجتمع للحياة والاستقرار، ويقوم على تصور طويل الأمد يضع الإنسان في مركز المعادلة. في المقابل، يقوم التحريض على الفوضى على رؤية نفعية ضيقة، ترى في الاضطراب أداة ضغط، وفي الانقسام وسيلة نفوذ، من دون اكتراث حقيقي بالأثمان الاجتماعية والإنسانية الباهظة.

وعليه، يصبح الصراع الماثل على الأرض صراع قيم، لا مجرد اختلاف مواقف.

وهذا التوصيف، كما أرى، ليس تجريداً نظرياً، بل خلاصة تجربة عاشها المواطنون في المحافظات الجنوبية على مدى أعوام، فقد جُرّبت الشعارات الثورية، وفُرضت التظاهرات في حالات مختلفة باعتبارها تعبيراً قسرياً عن "الإرادة الشعبية"، وتسويقاً لوهم الخلاص السريع عبر فرض أمر واقع بقوة السلاح، غير أن النتيجة العملية جاءت معاكسة تماماً: فوضى أمنية، وشلل اقتصادي، وتعطيل للمؤسسات، ونهب للأراضي، وجبايات غير قانونية لا حصر لها، وتراجع حاد في مستوى الخدمات، من دون أن يتحقق أي من الوعود الكبرى التي رُفعت باسم القضية الجنوبية. (أصدر النائب العام القاضي قاهر مصطفى السبت الـ17 من يناير الجاري "كانون الثاني" قراراً بتكليف اللجنة القضائية بالتحقيق في وقائع الفساد والإثراء غير المشروع وكل الجرائم المنسوبة للمتهم عيدروس الزُبيدي).

 

في هذا السياق المأزوم، أعتقد أن مسؤولية شائع محسن، وهو شخصية سياسية مستقلة وكفاءة دبلوماسية مقتدرة، تبرز بوصفها مسؤولية تاريخية لا إدارية وحسب، فهو لا يُكلّف بتشكيل حكومة جديدة بمعناها التقليدي، بل بتقديم نموذج مختلف ومغاير عن الحكومات السابقة، منحاز للدولة كفكرة وممارسة، لا كغنيمة سياسية لهذا الطرف أو ذاك. حكومة وطنية حقيقية تُدرك أن استعادة الثقة المفقودة لا تتم عبر الخطاب، بل عبر الأداء، وأن الانحياز الحقيقي هو للمؤسسات وللقانون وبما يتوافق مع إعلان نقل السلطة، لا لموازين القوى المتغيرة.

وعليه يبرز الخيار الجوهري الذي لا يحتمل اللبس أو المراوغة: إما أن يحصل رئيس الحكومة المكلف على كامل الحرية والوقت الكافي في اختيار فريق حكومي من التكنوقراط، من كفاءات وطنية مستقلة تمتلك القدرة والخبرة والجدارة والنزاهة، أو أن تعود البلاد مرة أخرى إلى منطق المحاصصة السياسية، وهي محاصصة لم تكن يوماً حلاً، بل كانت دائماً جزءاً بنيوياً من الأزمة، إذ إنها - بلا أدنى شك - أنتجت حكومات ضعيفة، ومشلولة القرار، وتائهة في التوازنات، وغارقة في الفساد، وعاجزة عن تلبية أبسط احتياجات الناس المعيشية.

ثمة من يردد الآن - على نحو حاذق - أن الحكومة الجديدة ستعتمد على توازنات سياسية وجغرافية واجتماعية وينبغي الإعلان عنها خلال أيام، لماذا الإصرار على تكرار أخطاء الماضي؟ أليست المحاصصة، على نحو ما، هي نفسها قائمة على توازنات؟

أياً يكن الأمر، أعتقد أن اليمن اليوم لا يقف أمام أزمة أسماء أو مواقع أو تشكيلات حكومية، بل أمام اختبار وجودي عميق لمعنى الدولة ذاتها، هل الدولة إطار سيادي قادر على فرض منطقه، وحماية مجتمعه، وتحمل مسؤولياته الأخلاقية والقانونية، أم أنها مجرد ساحة مفتوحة لتقاطع مشاريع متعارضة تتوارى أمام محاصصة وتوازنات، يحكمها ميزان القوة لا منطق القانون، ميزان الإقصاء والتهميش لا منطق العدالة والإنصاف؟

إن هذا السؤال في اعتقادي لم يعد نظرياً، لأن الزمن في الدول الهشة ليس محايداً، بل يعمل دائماً ضد الدولة المترددة، وضد المجتمعات التي تؤجل حسم خياراتها المصيرية.


التعليقات