في الصباح، كان (منير فارع)، البالغ من العمر 13 عامًا، يذهب إلى المدرسة، وفي فترة ما بعد الظهر يساعد والده في إطعام الماشية. وكان يأخذ دراسته على محمل الجد، ويحلم بأن يصبح أول معلّم في عائلته التي تعمل بالزراعة.
لكن مع اقتراب القتال من قريته في مديرية الوازعية بمحافظة تعز اليمنية قبل أسبوعين، بدأ تركيز منير ينصرف عن دروسه. وأصبح صدى الانفجارات وإطلاق النار من بعيد يتردد داخل فصله الدراسي. وفجأة، وجد منزله نفسه على خط المواجهة في جولة جديدة من القتال بين الحوثيين المتحالفين مع إيران والحكومة اليمنية المدعومة من السعودية.
وقال منير: «سمعنا أن هناك قتالًا في المناطق المحيطة، لكننا لم نتوقع أن يصل إلى قريتنا بهذه السرعة. وما إن اقتربت أصوات الاشتباكات من قريتنا، حتى أخذنا ماشيتنا وممتلكاتنا المهمة وفررنا من المنزل في وقتٍ مبكر من الصباح».
وفرّ منير وأسرته باتجاه الجنوب الغربي، وانتقلوا إلى مخيم أُقيم للنازحين في الشمايتين بمحافظة تعز. ووصلوا إلى المخيم من دون مال، ودون أن تكون بحوزتهم حتى أبسط الاحتياجات الأساسية.
ومنير وأسرته من بين أكثر من 130 ألف شخص نزحوا جراء القتال الأخير في اليمن، الذي اندلع في سبتمبر/أيلول عندما شنّ الحوثيون حملة عسكرية جديدة، وتقدموا سريعًا نحو الجنوب الغربي، وسيطروا على بلدات على امتداد ساحل البحر الأحمر.
وأدت حملة الحوثيين إلى إنهاء سنوات من الهدوء النسبي الذي ساد اليمن، في ظل بقاء خطوط التماس على حالها إلى حدٍّ كبير منذ دخول هدنة بوساطة الأمم المتحدة حيز التنفيذ عام 2022.
ويخوض الحوثيون حاليًا معارك مع القوات الحكومية، بالتزامن مع حملة جوية سعودية، للسيطرة على المرتفعات الاستراتيجية وخطوط الإمداد في ضواحي تعز. وقد دفعت المعارك المدنيين إلى الفرار من منازلهم، هربًا من الغارات الجوية والصواريخ.
وبدلًا من الدراسة، بات منير وشقيقه يبيعان الجوارب وغيرها من السلع الرخيصة في الأسواق الواقعة خارج مخيم النزوح. أما فصله الدراسي، فقد استُبدل بخيمة صغيرة يتكدس فيها هو وإخوته الخمسة ووالداه، وسط أجواء ليلية رطبة.
وينضم منير إلى أكثر من 3.2 مليون طفل انقطعت دراستهم بسبب الحرب الأهلية في اليمن، حتى قبل التصعيد الذي شهدته البلاد هذا الشهر.
وقال: «الدراسة مهمة، لكن ليس في وضعٍ كهذا، حيث نكافح من أجل توفير ما يكفي من الغذاء والماء وغيرها من الاحتياجات الأساسية. و في الوقت الراهن، سأواصل العمل حتى تنتهي الحرب».
واضطر والده (غالب فارع)، إلى أن يطلب من أبنائه العمل حتى تتمكن الأسرة من تدبير ما يكفي بالكاد للبقاء على قيد الحياة في مخيم النزوح. ويأمل فارع أن يكون المخيم مجرد مأوى مؤقت، وأن يتمكن من العودة قريبًا إلى قريته، لكنه لا يبدي تفاؤلًا كبيرًا، في ظل وصول نازحين جدد إلى المخيم كل يوم.
وقال فارع: «ما أخبرني به الجيران الذين نزحوا قبلنا بفترة أطول هو أن الأشهر الأولى تكون صعبة، وأنني سأعتاد على الوضع».
كما أصبحت الحياة أكثر صعوبة بالنسبة إلى أولئك الذين بقوا في منازلهم. وحاول (عبد الواسع عبده)، مدير مدرسة مصعب بن عمير في تعز، إبقاء أبواب مدرسته مفتوحة لأطول فترة ممكنة، لمنح الأطفال شعورًا بعودة الحياة إلى طبيعتها. لكن ذلك الشعور تبدد قبل أسبوعين، عندما سقط صاروخ في مكان قريب، وانفجر على مرأى من الطلاب.
وقال عبده: «في اليوم الذي سقط فيه الصاروخ، شاهدنا حالة من الهلع الشديد بينهم، مع بكاء وصراخ جراء الانفجارات. وأصيب بعض الأطفال بصدمة نفسية نتيجة شدة الانفجارات».
واضطرت المدرسة إلى إغلاق أبوابها، ما حرم أكثر من 600 طالب من مواصلة تعليمهم. ويتابع عبده تطورات المعارك عن كثب، بحثًا عن أي انفراج يتيح له استئناف الدراسة، لكن الوضع لا يزال مضطربًا للغاية حتى الآن.
وقال عبده: «تواجه المنطقة قتالًا من عدة جبهات، جنوبًا وغربًا وشمالًا، ما يجعل من الصعب اتخاذ أي خطوات نحو استئناف الدراسة في الوقت الراهن». ويخشى أن يُدفع كثير من الأطفال الذين انقطعوا عن الدراسة ونزحوا من مناطقهم إلى العمل في سن مبكرة.
و أدى تجدد القتال إلى قلب حياة سكان جنوب غربي اليمن رأسًا على عقب. وأدت الاشتباكات إلى قطع الطريق الرئيسي الذي يربط بين مدينة المخا الساحلية، الخاضعة الآن لسيطرة الحوثيين، ومدينة تعز الخاضعة لسيطرة الحكومة. ويُعد هذا الطريق شريانًا حيويًا لحركة السلع، إذ إنه أحد الطرق القليلة في المنطقة التي تتسع للشاحنات الكبيرة وحافلات نقل الركاب.
وأدى تعطل حركة التجارة إلى ارتفاع أسعار السلع الأساسية، ما فاقم الأزمة، ولا سيما بالنسبة إلى النازحين.
وقال (عصام نبيل)، وهو نجار يبلغ من العمر 56 عامًا في مدينة تعز: «المدنيون هم من يتحملون كلفة التصعيد العسكري، ويبدو أننا في تعز ندفع ثمنًا باهظًا بشكلٍ خاص، إذ لم تعد السلع تصل إلينا بسهولة». وأضاف أن كثيرًا من الناس بدأوا يستغنون عن اللحوم ويلجؤون إلى مواد غذائية أرخص.
كما عطّل القتال جوانب أخرى من الحياة اليومية، بما في ذلك تفاصيلها المعتادة. ولم يعد بإمكان (أسعد)، وهو مغترب يعمل في السعودية وطلب الاكتفاء بذكر اسمه الأول، العودة من اليمن في رحلة مباشرة.
وقال أسعد: «هذا يذكرني بالسنوات الأولى من الحرب في تعز، عندما كانت الطرق الرئيسية مغلقة، وكنا نضطر إلى السفر عبر عدن قبل التوجه إلى السعودية. والآن، نكرر الرحلة الشاقة والمكلفة نفسها».