خلال الشهر الماضي، انخرط المسلحون الحوثيون المدعومون من إيران في اليمن في الصراع الدائر في الشرق الأوسط بصورة لافتة، إذ سيطروا على مساحات واسعة من ساحل البحر الأحمر، وأطلقوا صواريخ وطائرات مسيرة على منشآت الطاقة السعودية، بل استهدفوا العاصمة السعودية الرياض خلال عطلة نهاية الأسبوع.
والآن، يبدو أن حملتهم تدخل مرحلة جديدة، مع شن هجوم واسع يهدف إلى قطع خطوط القوات الحكومية في وسط اليمن.
وبحسب بعض المحللين، فإن هدفهم النهائي يتمثل في السيطرة على كامل البلاد.
ويأتي التقدم الحوثي الأخير في وقت تنشر فيه السعودية طائرات مقاتلة وصواريخ في محاولة لوقف تقدم الجماعة جنوباً باتجاه مدينة عدن الساحلية، حيث تتمركز الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً.
وقال مصدر دبلوماسي إقليمي إن الطلبات السعودية للحصول على ضربات جوية أميركية لعكس مكاسب الحوثيين لم تلق استجابة.
وكان الحوثيون قد سيطروا بالفعل على شريط طويل من الساحل اليمني المحاذي للبحر الأحمر، أحد أهم الممرات المائية في العالم، كما يسيطرون على مضيق باب المندب عند الطرف الجنوبي للبحر الأحمر.
والآن يحاولون السيطرة على المنطقة الجبلية في تعز، التي تضم طرقاً مهمة تستخدمها القوات الحكومية.
وقال محلل الشؤون اليمنية محمد الباشا: "قطع هذه الطرق من شأنه تهديد خط نقل وإمداد رئيسي يربط بين المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة".
وأضاف الباشا لـCNN أن الحوثيين واجهوا مقاومة شديدة من القبائل المحلية.
وقال إن الوضع الميداني لا يزال متغيراً، وإن خطر تمكن الحوثيين من تطويق مدينة تعز لا يزال قائماً. لكنه أشار إلى أن الدفاعات الحكومية لم تشهد انهياراً مماثلاً لما حدث في جبهة الساحل الغربي، عندما سقطت مساحة واسعة، بينها ميناء المخا، خلال ساعات.
وأضاف الباشا أن طريقاً رئيسياً يربط تعز بعدن، ويمر بمنطقة تستضيف مئات الآلاف من النازحين داخلياً، لا يزال تحت سيطرة الحكومة حتى يوم الاثنين.
كما تدور معارك عنيفة إلى الشرق، وفقاً لعدد من المحللين اليمنيين، في محافظة مأرب قرب الحدود مع السعودية. وتعد مأرب منطقة غنية بالنفط طالما سعى الحوثيون للسيطرة عليها.
وقال محللون إن القوات الحكومية اليمنية استخدمت المدفعية ومنظومات الصواريخ، بدعم من غارات جوية سعودية متزايدة الحدة، لصد القوات الحوثية في المنطقة، فيما أعلن قائد عسكري بارز أن قواته انتقلت إلى الهجوم.
وقال معهد دراسة الحرب، وهو مركز أبحاث مقره واشنطن، يوم الجمعة: "من المرجح أن يسعى الحوثيون للسيطرة على المنطقة في محاولة لاستخراج النفط وتصديره عبر البحر الأحمر، بما قد يوفر تمويلاً للأنشطة السياسية والعسكرية للحوثيين".
وقال الباشا لـCNN: "مدينتا تعز ومأرب هما معقلا شمال اليمن، وإذا سيطر الحوثيون عليهما فستنتهي اللعبة، لكن المدافعين عنهما يخوضون قتالاً قوياً".
ولا يزال من غير الواضح ما إذا كان الحوثيون يعتزمون الضغط باتجاه عدن نفسها. وسيعتمد الكثير على قدرة القوات الحكومية على تحسين التنسيق بعد الانسحاب الكارثي من الساحل الغربي.
وقال إبراهيم جلال، الباحث في معهد الشرق الأوسط بواشنطن: "لا يحتاج الحوثيون إلى هزيمة السعودية عسكرياً، ومن شبه المؤكد أنهم غير قادرين على ذلك".
وأضاف: "لكنهم بحاجة إلى التأثير في حجم التمويل والاستخبارات والدعم اللوجستي والدفاع الجوي، وربما القوة الجوية، التي ستكون الرياض مستعدة لتوفيرها للقوات المسلحة اليمنية القادرة على عكس مكاسبهم على الأرض".
وقال جلال لـCNN إن الحوثيين يتجنبون، لتحقيق هذا الهدف، التورط في معارك داخل المدن، ويحاولون بدلاً من ذلك تطويق القوات الحكومية.
وتواصلت CNN مع مسؤولين حوثيين للحصول على تعليق.
وأفادت صحيفة نيويورك تايمز يوم الاثنين بأنه، بعد اتصال أجراه ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الأسبوع الماضي، وافق الرئيس الأميركي دونالد ترامب على شن ضربات جوية ضد الحوثيين. لكن الصحيفة قالت إن ترامب غير رأيه يوم الأحد.
وكان ترامب قد قال الأسبوع الماضي إن الحوثيين "أبلغونا بأنهم لا يريدون القتال معنا"، مضيفاً أنهم يسمحون بمرور "معظم السفن" عبر مضيق باب المندب، لكنهم "غير راضين" عن دولة واحدة، في إشارة واضحة إلى السعودية.
وكان الحوثيون قد قالوا قبل شهرين إنهم سيهاجمون السفن السعودية.
وقال أندرياس كريغ، الرئيس التنفيذي لشركة MENA Analytica البريطانية المتخصصة في المخاطر السياسية، إن "أفضل خيار أمام ترامب هو البقاء خارج مستنقع اليمن، إذ إن الحرب عن بُعد لن تغير ميزان القوى على الأرض، بينما ستؤدي إلى اتساع اضطرابات سلاسل الإمداد".
وكتب كريغ على منصة إكس يوم الاثنين أن ذلك "سيعرقل أيضاً المسار الدبلوماسي المتعلق بإيران ومضيق هرمز".
من جانبها، كتبت المحللة اليمنية فاطمة أبو الأسرار، في مقال لمركز ستيمسون الأميركي للأبحاث، أن "التناقض في الموقف الأميركي تجاه وكلاء طهران يعني أن الحكومة اليمنية والسعودية اضطرتا إلى التعامل مع الحوثيين إلى حد كبير بمفردهما".
وحتى الآن، لا يبدو أن السعودية لجأت إلى اتفاق الدفاع الثلاثي الذي أبرمته مؤخراً مع باكستان وتركيا. كما حرص المسؤولون الأتراك على عدم تقديم التزامات كبيرة.
وقال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، السبت، في إشارة إلى هجمات الحوثيين بالطائرات المسيرة والصواريخ على السعودية: "نرى أن هناك هجمات خطيرة جداً على سلامة أراضي السعودية وسيادتها".
وأضاف فيدان لقناة NTV التركية: "نحن متضامنون بشكل جاد في هذه المسألة... قد تكون لديهم بعض الاحتياجات العسكرية، خصوصاً في بعض المسائل التقنية، ولن تكون لدينا مشكلة في تلبية هذه الاحتياجات".
عزلة السعودية
قال المحلل ناطق مالكزاده يوم الاثنين: "تكتشف السعودية مدى وحدتها في لحظة الحاجة. فعلى مدى سنوات، بنت أمنها على أمل أن تدافع واشنطن عنها".
وكتب مالكزاده على منصة إكس: "بالنسبة للولايات المتحدة، كما هو الحال مع أي دولة أخرى في مثل هذه الظروف، تصبح أهمية أمن السعودية أقل عندما لا تكون المصالح الأميركية معرضة للخطر بشكل مباشر".
وقال جلال إن السعوديين يمكنهم الاعتماد على بعض الدعم من حلفائهم الإقليميين وباكستان، وربما مصر أيضاً.
لكنهم يتحملون في الوقت الحالي الجزء الأكبر من العبء.
وكتب جلال في موقع "المجلة" أن إيران تراهن على الحوثيين باعتبارهم "آخر وكلائها القادرين على الصمود لتحسين موقفها التفاوضي وتعزيز نفوذها"، بينما يسعى الحوثيون الآن إلى ترسيخ مكاسبهم وتوسيع نطاق سيطرتهم جغرافياً، إلى جانب تكثيف هجماتهم داخل السعودية، "لإعادة رسم قواعد اللعبة".
وقال الباشا لـCNN يوم الاثنين إن الحوثيين "سيواصلون معاقبة السعوديين حتى يحصلوا على صندوق تعويضات بمليارات الدولارات". وقد أصر الحوثيون منذ فترة طويلة على حصولهم على تعويضات سعودية عن الحصار المفروض منذ سنوات على الأراضي اليمنية الخاضعة لسيطرتهم.
لكن طموحات الحوثيين قد تتجاوز ذلك. ويقول جلال إن هدفهم النهائي هو السيطرة على اليمن بأكمله.
وكانت صحيفة "جوان" الإيرانية، المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني، قد أشارت مؤخراً إلى أن الحوثيين باتوا قريبين من توحيد اليمن تحت "مركز واحد للسلطة".
وأضاف التعليق المنشور في الصحيفة أن الحوثيين، في حال تحقق ذلك، سيصبحون قوة إقليمية قادرة على دفع خصومهم إلى التفاوض بشأن أمن البحر الأحمر ومستقبل شبه الجزيرة العربية نفسها.
وهذا هو الكابوس الذي تخشاه السعودية.