تعكس مشاهد الدمار في ميناء المخا حدة المعارك الدائرة غربي اليمن، وتسلط الضوء أيضا على صراع ليس بعيد عن التوتر في مضيق باب المندب.
وبات المخا في صلب المواجهات على ساحل البحر الأحمر، مع تكرار هجمات الحوثيين على المدينة ومينائها في الآونة الأخيرة.
وأسفر هجوم شنه الحوثيون على المخا قبل أيام عن مقتل 7 مدنيين وإصابة 30 آخرين، في حصيلة أعلنتها وزارة الصحة في الحكومة المعترف بها دوليا.
وجددت الجماعة، الأربعاء، قصف الميناء باستخدام صواريخ باليستية، بحسب ما نقلت قناة “سبأ” الحكومية.
وذكر المتحدث باسم القوات المشتركة، الموالية للحكومة، في الساحل الغربي أن الرصيف البحري في الميناء تعرض لضربتين صاروخيتين.
وتأتي هذه التطورات في وقت يدخل فيه اليمن والمنطقة منعطفا جديدا من التصعيد بعد فترة هدوء نسبي منذ عام 2022.
وفي 20 يوليو الماضي، أعلنت جماعة الحوثي، المدرجة على قائمة الإرهاب الأميركية، نهاية التهدئة وبدء ما وصفته بمعادلة “الحصار بالحصار” ضد السعودية، المتحالفة بشكل وثيق مع الحكومة اليمنية.
ومنذ ذلك التاريخ تشن الحركة هجمات على السعودية والمخا ومأرب ومضيق باب المندب، متهمة الرياض بحصار اليمن، وهو ما تنفيه المملكة.
وقال مصدر في الحكومة اليمنية لـ”الحرة” إن “الحوثيين يهاجمون ما يعتقدون أنها مناطق رخوة”، مضيفا أن الحكومة باتت تعتبر الحل العسكري هو الخيار الآن، بعدما برهنت جميع المحاولات السابقة مع الحوثيين على فشلها.
ويخضع ميناء المخا لسيطرة الحكومة اليمنية ضمن مناطق سيطرتها في الجنوب والغرب اليمني، وقد شهد مؤخرا عمليات تجديد لتمكينه من استقبال السفن التي تتجنب ميناء الحديدة الخاضع لسيطرة الحوثيين.
ويسيطر الحوثيون في المقابل على معظم محافظتي الحديدة وحجة ومناطق أخرى.
يقول هشام العميسي، مستشار الشؤون اليمنية في المعهد الأوروبي للسلام، إن السيطرة على ميناء المخا تمثل أهمية بالغة، باعتبار أن من يحكم قبضته عليه يمكنه الإشراف على العمليات الملاحية في البحر الأحمر وباب المندب.
وبعد إعادة تشغيل الميناء في يوليو 2021، وشق طرق تربط تعز بالمدينة، بات الميناء والمدينة أحد أهم المناطق التي تسيطر عليها الحكومة.
ويلفت العميسي في تصريحاته لـ”الحرة” إلى أن أهمية المخا المتصاعدة دفعت الحكومة لحشد قواتها في المنطقة لضمان السيطرة عليها.
ويقول المحلل السياسي اليمني، ياسر اليافعي، في تصريحات لـ”الحرة” إن المخا من أهم المدن اليمنية القريبة من باب المندب، ولذلك تمثل السيطرة عليها أولوية، لاسيما بعد استعادة الحكومة اليمنية، بدعم قوات متحالفة، السيطرة على عدن ولحج في يناير الماضي.
ويكشف تقرير سابق لمجموعة الأزمات الدولية كيف عمد الحوثيون إلى تحصين قواعدهم البحرية في جزر قريبة (مثل جزيرتي كمران وزقر)، بهدف التصدي للقوات الحكومية التي تتخذ من المخا مقرا لها.
وتخضع جزيرة زقر الآن لسيطرة قوات موالية للحكومة المعترف بها دوليا.
ويوضح التقرير أن السيطرة على المخا أو تحييدها يتيحان للحوثيين نشر الألغام البحرية دون عوائق، واستغلال المياه الساحلية المحيطة للتحكم في حركة الملاحة والتجارة.
وتتباين آراء المحللين الذين تحدثت إليهم “الحرة” بشأن ما إذا كانت السيطرة على الميناء ستمكن الحوثيين من السيطرة على مضيق باب المندب بشكل كامل، أو زيادة تهديداتهم لحركة الملاحة.
لكنهم أكدوا على أهميته الاستراتيجية في كل الأحوال.
ويقول الصحفي اليمني، بدر القحطاني، في تصريحات لـ”الحرة” إن الحوثيين ليسوا بحاجة إلى الميناء للسيطرة على باب المندب، لأنهم يهاجمون السفن العابرة حاليا من مناطق أخرى.
وأشار في هذا السياق إلى أن قدرات الحوثيين ليست تدميرية بقدر ما هي تخريبية، بمعنى أن الجماعة تستطيع استهداف السفن وإعاقتها بالصواريخ، لكنها لن تستطيع إغلاق المضيق فعليا.
ويتفق خالد الشميري، رئيس مركز الدراسات السياسية في اليمن، مع هذا الطرح معتبرا أن الحوثيين يهددون المنطقة بقوة صواريخ متطورة يتم إطلاقها من محافظات أخرى تحت سيطرتهم في الشمال.
وتوضح خريطة المنطقة أن ميناء المخا يطل على البحر الأحمر، لكنه ليس أقرب نقطة ممكنة من مضيق باب المندب (يبعد عنه حوالي 75 كيلومترا).
وهناك منافذ وموانئ محلية أخرى تقع جنوب ميناء المخا، أقرب إلى مضيق باب المندب.
وبما أن الميناء يطل على البحر الأحمر، فإنه يحظى بميزة عسكرية في التحكم في حركة الدخول إلى البحر الأحمر والخروج منه عبر هذا الممر الحيوي.
ويرى العميسي في تصريحات لـ”الحرة” أن هناك ثلاثة أسباب وراء التحركات الحوثية الحالية.
إذ ترغب الجماعة، في رأيه، في استغلال الصراع الحالي لانتزاع تنازلات، بعدما أدركت من تجربة الحرب الإيرانية أن تهديد المضيق قد يتيح التوصل إلى نوع من الصفقات أو الاتفاقات.
والسبب الثاني خشية الحوثيين من تزايد قوة الحكومة اليمنية بعد إزاحة “المجلس الانتقالي الجنوبي” من المشهد، وسعيها لاحقا إلى ترسيخ سيطرتها على مناطق أخرى.
كما يخشى الحوثيون، في ظل التحركات السعودية الأخيرة، أن تكون هناك خططا لاستعادة المناطق الخاضعة لسيطرتهم، لذا فهم يسعون لخطوة استباقية.
ويحذر العميد اليمني خالد النسي من أن الحكومة اليمنية ستخسر الكثير في حال فقدانها هذه المنطقة، باعتبارها تشكل مصدر ضغط مهم على الحوثيين.
ويقول إن ذلك سيعزز وجود الجماعة المتحالفة مع إيران على الساحل الغربي، ويوسع نفوذها، وقدرتها على تهديد البحر الأحمر وباب المندب.
ووقتها يمكن لطهران أن تدعي سيطرتها على مضيقين.