اغتيال محمد عيضة، مراسل قناتي العربية والحدث في حضرموت، حوّل ملف الاغتيالات في اليمن خلال عام 2026 إلى اختبار مباشر لقدرة الأجهزة الأمنية على فرض السيطرة في المناطق الخاضعة للحكومة المعترف بها دوليًا.
قُتل محمد عيضة في 24 يونيو/حزيران إثر انفجار عبوة ناسفة زُرعت في مركبته بمدينة المكلا. وجاء اغتياله بعد سلسلة من الهجمات التي استهدفت شخصيات سياسية وتنموية واستخباراتية في عدن وحضرموت.
ومنذ أبريل/نيسان، سُجلت أربع عمليات اغتيال موثقة على الأقل في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة. وشملت الضحايا عبد الرحمن الشاعر، القيادي في حزب الإصلاح ومدير مدارس النورس الأهلية في عدن، ووسام قائد، القائم بأعمال المدير التنفيذي للصندوق الاجتماعي للتنمية، والعقيد لافي أحمد سالم العامري، ضابط الاستخبارات في سيئون، ومحمد عيضة، الصحفي العامل لدى قناتي العربية والحدث.
وتكتسب هذه الاغتيالات أهمية خاصة لأنها استهدفت أربعة قطاعات حساسة هي: السياسة، والتنمية، والاستخبارات، والإعلام، ما يجعلها تتجاوز كونها جرائم منفصلة لتعكس تدهورًا أمنيًا أوسع يهدد ثقة الرأي العام بقدرة الحكومة على حماية المسؤولين والصحفيين والعاملين في الأجهزة الأمنية والمؤسسات المدنية.
أربع حالات موثقة
في 25 أبريل/نيسان، قُتل عبد الرحمن الشاعر، وهو قيادي محلي في حزب الإصلاح ومدير مدارس النورس الأهلية، برصاص مسلحين مجهولين في عدن. وأعاد اغتياله إلى الواجهة المخاوف من عودة موجة الاغتيالات السياسية إلى المدينة.
وفي 4 مايو/أيار، اختُطف وسام قائد، القائم بأعمال المدير التنفيذي للصندوق الاجتماعي للتنمية في عدن، على يد مسلحين، قبل أن يُعثر عليه مقتولًا داخل مركبته في منطقة الحسوة. وحمل اغتياله دلالات أوسع، إذ استهدف شخصية تنموية مرتبطة بالخدمات العامة وبرامج المانحين وجهود التعافي المجتمعي.
وفي 3 يونيو/حزيران، قُتل العقيد لافي أحمد سالم العامري، وهو ضابط استخبارات، على يد مسلحين مجهولين في سيئون بمحافظة حضرموت. وأضاف اغتياله بُعدًا استخباراتيًا وأمنيًا إلى نمط الاغتيالات المتصاعد في شرق البلاد.
أما في 24 يونيو/حزيران، فقد قُتل محمد عيضة في المكلا إثر انفجار عبوة ناسفة زُرعت في سيارته. وأضفى عمله مراسلًا لقناتي العربية والحدث بُعدًا إعلاميًا وإقليميًا على القضية، ولا سيما في ظل الجهود التي تبذلها المملكة العربية السعودية لدعم الاستقرار في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة.
نفي واستمرار الشبهات
ينفي المجلس الانتقالي الجنوبي ودولة الإمارات العربية المتحدة أي صلة لهما بسلسلة الاغتيالات الأخيرة. ولم تُقدم حتى الآن أي أدلة علنية تثبت مسؤولية مباشرة لأي طرف عن عمليات الاغتيال التي شهدها اليمن خلال عام 2026.
ومع ذلك، لا تزال البيئة الأمنية في جنوب وشرق اليمن تتأثر بتعدد التشكيلات المسلحة، واستهداف القوات الحكومية، وغياب قيادة أمنية موحدة، إلى جانب تداعيات الانقسامات والصراع المستمر.
كما لا تزال ملفات الاغتيالات السابقة في جنوب اليمن تلقي بظلالها على الرأي العام. فقد أشارت تحقيقات صحفية سابقة، أعقبتها إجراءات قانونية في الولايات المتحدة، إلى مزاعم باستخدام مرتزقة أجانب في تنفيذ عمليات اغتيال بمدينة عدن. ورغم أن تلك القضايا لا تثبت مسؤولية أي طرف عن الاغتيالات الحالية، فإنها تفسر سبب توجيه الأنظار سريعًا إلى فرضيات الشبكات السرية، والاستهداف السياسي، والإفلات من العقاب عند وقوع أي عملية اغتيال جديدة.
فراغ أمني تستغله أطراف متعددة
لا تشير ملفات الاغتيالات إلى مسؤولية طرف واحد بعينه. فقد اتهمت تصريحات رسمية يمنية جماعة الحوثي بالوقوف وراء اغتيال وسام قائد، في إشارة إلى أن الفراغ الأمني قد تستغله جماعات معادية تعمل خارج نطاق مناطق سيطرتها الرسمية.
ويُوسع ذلك من نطاق تفسير موجة الاغتيالات التي شهدها اليمن خلال عام 2026، إذ إن حالة عدم الاستقرار الناجمة عن الصراع الداخلي تتيح المجال لشبكات مدفوعة بدوافع انتقامية، وخلايا مرتبطة بالحوثيين، وجماعات إرهابية، وعناصر إجرامية تسعى إلى إضعاف الحكومة من الداخل.
وتتمثل النتيجة في بيئة أمنية شديدة الخطورة، يمكن فيها لعمليات الاغتيال الممنهجة أن تخدم أجندات مختلفة، لكنها تفضي جميعها إلى النتيجة نفسها: إضعاف سلطة الدولة وعرقلة عودة الحياة إلى طبيعتها.
تحقيقات تحت الضغط
في حضرموت، تؤكد السلطات المحلية والمركزية أن التحقيقات في اغتيال محمد عيضة لا تزال مستمرة. وكان رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، قد وجّه بتشكيل لجنة رفيعة المستوى تضم ممثلين عن وزارة الداخلية وجهاز أمن الدولة والاستخبارات العسكرية، بالتنسيق مع السلطة المحلية في حضرموت.
كما أعلنت الأجهزة الأمنية في حضرموت أنها تواصل التحقيق في القضية وملاحقة المتورطين فيها. ورغم أهمية هذه الإجراءات، فإن تكرار عمليات الاغتيال يشير إلى أن فتح التحقيقات وحده لا يكفي ما لم يفضِ إلى نتائج موثوقة تكشف الشبكات المسؤولة عن هذه الهجمات.
وأصبحت موجة الاغتيالات في عام 2026 تمثل تحديًا مباشرًا للجهود التي تدعمها المملكة العربية السعودية لإعادة الاستقرار إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة. فكل عملية اغتيال جديدة تؤدي إلى نشر الخوف، وتقويض الثقة، وتعزيز الانطباع بأن الجماعات المسلحة ما تزال قادرة على التحرك داخل مدن يُفترض أنها تتجه نحو الاستقرار.
وتظل عدن وحضرموت في صميم هذا الاختبار. فإذا استمرت عمليات الاغتيال في هاتين المنطقتين، فإنها ستقوض الجهود الرامية إلى استعادة سلطة الدولة، وحماية المؤسسات العامة، وتحقيق الاستقرار في ظل الانقسامات داخل المعسكر المناهض للحوثيين.