ندوة: الهجرة والوعي والتحول.. نقاش معمّق يعيد تفكيك سؤال الاندماج ويضع حرية الضمير في قلب معادلة التماسك
يمن فيوتشر - متابعات الأحد, 26 أبريل, 2026 - 03:42 مساءً
ندوة: الهجرة والوعي والتحول.. نقاش معمّق يعيد تفكيك سؤال الاندماج ويضع حرية الضمير في قلب معادلة التماسك

عُقدت، الجمعة، ندوة فكرية عبر الفضاء الإلكتروني بعنوان “الهجرة والوعي والتحول.. نحو تعزيز التماسك المجتمعي من خلال حرية الضمير والتفكير النقدي”، نظمها الائتلاف اليمني للمواطنة وحرية الضمير بالشراكة مع الاتحاد العالمي للمهاجرين اليمنيين، بمشاركة باحثين وأكاديميين وناشطين، في مقاربة تسعى إلى تفكيك واحدة من أكثر القضايا إلحاحًا في السياقين اليمني والأوروبي.

قدّمت الندوة الهجرة بوصفها ظاهرة مركبة تعيد صياغة الإنسان من الداخل، عبر إعادة تشكيل الوعي والهوية وترتيب العلاقة مع الذات والآخر داخل فضاءات ثقافية متعددة تتسع بفعل الحضور الرقمي وتسارع التفاعل العابر للحدود، بما يجعل سؤال الاندماج مسارًا تحوليًا عميقًا يتجاوز السياسات إلى بنية التفكير.

في مداخلة رسمية بالنيابة عن وزير الداخلية في الحكومة اليمنية المعترف بها إبراهيم حيدان، طرح اللواء محمد مساعد الأمير مقاربة أمنية–فكرية تربط جذور التطرف بانحراف البنية المفاهيمية التي تسبق تشكّل السلوك العنيف، مؤكدًا أن كفالة حرية المعتقد تعزز الاستقرار عبر إنتاج وعي فردي قادر على مقاومة الانغلاق، بالتوازي مع دور الدولة القانونية في تقليص مساحات التشكل الموازي للجماعات وتعزيز منطق المؤسسات.

وقدّم رئيس الائتلاف اليمني للمواطنة وحرية الضمير نعمان الحذيفي قراءة تأسيسية لمشروع الائتلاف، وضع فيها المواطنة إطارًا ناظمًا للعلاقة بين الإنسان والدولة قائمًا على الحقوق، ومؤسسًا لفكرة الدولة العادلة بوصفها نتيجة مباشرة لهذا التعاقد، مؤكدًا أن حرية الضمير تمثل مركز الثقل في حماية الإنسان من الاستلاب الفكري، وأن مواجهة خطاب الكراهية تمر عبر تفكيك بنيته وإنتاج خطاب بديل يعيد الاعتبار للإنسان كقيمة عليا.

وتوزعت الأوراق العلمية على خمسة محاور قدّمت معالجة متعددة الأبعاد لمسألة الهجرة. 

تناول الأكاديمي والروائي مروان الغفوري الهجرة كمسار لإعادة تشكيل الوعي عبر تداخل الذاكرة والهوية، حيث يتحول الاغتراب إلى اختبار وجودي يعيد تعريف الذات، مشيرًا إلى أن إدارة هذا التحول تمثل جوهر التحدي، مع مساءلة المجتمعات المضيفة التي قد تعيق الاندماج عبر أنماط نمطية وسياسات غير مرنة، في إطار مسؤولية متبادلة تتطلب انفتاحًا بنيويًا من الطرفين.

وقدمت الأكاديمية شريفة المقطري مقاربة سياساتية عالجت الاندماج بوصفه عملية تفاعلية تستهدف تمكين المهاجر ضمن إطار يحفظ هويته ويضمن مشاركته، مع التأكيد على ضرورة سياسات مرنة تستجيب للتحولات المتسارعة وتعيد إنتاج التماسك المجتمعي على أسس قابلة للاستمرار.

واشتغل مدير تحرير منصة "يمن فيوتشر" نشوان العثماني على البعد المفاهيمي للعلاقة مع الأديان داخل المجتمعات المتعددة، حيث أعاد تعريف “التوتر البنيوي” بوصفه تعارضًا كامنًا في بنية الفهم الديني، داعيًا إلى الانتقال نحو ثقافة الاعتراف المتبادل كمدخل لإدارة الاختلاف، مع تثبيت التفكير النقدي أداة مركزية في تفكيك الصراعات الرمزية وإعادة بناء التفاهم.

وقدم الشيخ والباحث حسين أحمد العزاني تأصيلًا دينيًا لحرية الضمير من داخل المرجعية القرآنية، واضعًا المفهوم في موقعه كأصل مؤسس لوعي ديني متوازن قادر على كبح نزعات التعصب وتعزيز التعايش داخل المجتمعات المتنوعة.

واختتم المهندس خالد الذهبي الأوراق بقراءة ميدانية لواقع الجاليات اليمنية في أوروبا، كاشفًا عن التوتر بين العزلة ومسارات الاندماج، ومؤكدًا أن الاندماج يتطلب توازنًا بين الحفاظ على الهوية والانخراط الفاعل، مع التحذير من أن الانغلاق يعيد إنتاج الهشاشة داخل الجاليات ويقوض فرص التماسك.

النقاشات أعادت وضع مفاهيم المواطنة والهوية وحرية الضمير ضمن إطار تحليلي يتعامل مع الهجرة كحقل لإنتاج وعي مختلف، حيث تتحول التجربة إلى عملية إعادة بناء شاملة تفتح المجال أمام تكوين إنسان قادر على العيش داخل التعدد بإيقاع متوازن، والإسهام في مجتمعه الجديد بفاعلية متصلة بجذوره، في معادلة تجعل من حرية الضمير ركيزة مركزية لأي تماسك مجتمعي قابل للاستمرار.


التعليقات