كشف حوار أجراه #يمن_فيوتشر مع عضو المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، مهدي عقبائي، أن الانتفاضة الإيرانية التي اندلعت في 28 ديسمبر/كانون الأول 2025 أعادت إنتاج نفسها في شكل تمرد اجتماعي ممتد، رغم القمع غير المسبوق والتعتيم شبه الكامل على الإنترنت.
وبحسب المعطيات التي عرضها عقبائي، امتدت الاحتجاجات إلى أكثر من 220 مدينة في جميع المحافظات، متحولة من مسيرات مركزية إلى مزيج من الإضرابات، وإغلاق البازارات، والتحركات الليلية السريعة، واستهداف مراكز القمع والنهب، في مؤشر على انتقال المواجهة إلى نمط استنزاف طويل الأمد.
وأشار إلى أن حصيلة القمع تجاوزت 3 آلاف قتيل خلال أقل من ثلاثة أسابيع، وأكثر من 50 ألف معتقل، إضافة إلى تنفيذ 108 عمليات إعدام داخل السجون في ذروة الانتفاضة، في محاولة لترهيب المجتمع وكسر إرادته، مؤكدًا أن ما يجري يرقى إلى جرائم ضد الإنسانية.
ميدانيًا، أوضح أن النظام ما زال يملك أدوات القمع الرسمية، لكنه فقد السيطرة على المجتمع.
ففي طهران تكررت إضرابات البازارات والمواجهات الليلية، بينما شهدت مشهد، مسقط رأس خامنئي، احتجاجات ذات دلالة رمزية عالية، كما تشهد محافظات خوزستان، وكرمانشاه، وسيستان وبلوشستان حالة تمرد مستمرة، فيما تتكرر مواجهات الكر والفر في مدن كبرى مثل شيراز وتبريز وكرج.
وحذر عقبائي من الرهان على انقسامات داخل النظام، معتبرًا أن ولاية الفقيه ما زالت تمثل المظلة التي توحد أجنحته، رغم تآكل المعنويات وظهور مؤشرات تردد موضعية داخل الأجهزة الأمنية.
وأكد أن الانتفاضة الحالية ليست عفوية بالكامل، مشيرًا إلى شبكة منظمة من وحدات المقاومة المنتشرة داخل البلاد، ما يفسر قدرتها على الصمود وإعادة الاشتعال.
وفي ما يتعلق بالتصعيد الإقليمي، شدد على أن أي ضربة عسكرية خارجية تخدم النظام عبر منحه ذريعة لتصعيد القمع، مجددًا طرح “الخيار الثالث” الذي تتبناه المقاومة: لا حرب خارجية ولا مساومة، بل إسقاط النظام على يد الشعب والمقاومة المنظمة، مع دعم دولي سياسي لحق الإيرانيين في النضال، بما في ذلك إدراج الحرس الثوري الإيراني على قوائم الإرهاب.
وختم عقبائي بالتأكيد أن إيران لم تعد أمام موجة احتجاج عابرة، قدر ما أنها أمام مسار صراعي مفتوح، تتخلله فترات هدوء تكتيكي تعقبها انفجارات جديدة، في ظل انهيار اقتصادي وانسداد كامل لأي أفق إصلاحي، ما يجعل كلفة بقاء النظام أعلى يومًا بعد آخر.
نص الحوار:
- أين وصلت الاحتجاجات فعليًّا اليوم داخل إيران؟ هل ما زالت في تصاعد أم دخلت مرحلة استنزاف؟
الانتفاضة الراهنة بدأت في 28 ديسمبر 2025 من إضراب البازار في طهران على خلفية انهيار غير مسبوق للريال، ثم تحوّلت خلال أيام إلى حركة وطنية شاملة شملت عشرات المحافظات ودخلت أسبوعها الثالث. التقارير الميدانية الأخيرة تتحدث عن امتداد التظاهرات والاشتباكات إلى أكثر من 220 مدينة في جمیع المحافظات الـ31 رغم التعتيم الكامل على الإنترنت لفترات متكررة.
من حيث الدينامية، لم تعد الصورة تقتصر على مسيرات ضخمة في أيام محددة، بل على مزيج من الإضرابات، وإغلاق البازارات، واحتجاجات ليلية سريعة، واستهداف مراكز للقمع والنهب في أحياء مختلفة. هذا يعني أن النظام حاول نقل المعركة إلى «حرب استنزاف»، لكنه يواجه مجتمعًا غاضبًا يحتفظ بزخم تعبوي مرتفع وشبكات ميدانية قادرة على إعادة إطلاق التظاهرات كلما سنحت الفرصة.
بكلمة أخرى، لسنا أمام موجة هدأت، بل أمام انتفاضة غيّرت شكلها: من انفجار متلاحق إلى حالة تمرّد مستمرة، تتقدم وتتراجع تكتيكيًا، لكنها تبقى في منحنى تصاعدي على مستوى عمق الشرخ بين الشعب والنظام.
- ما الصورة الحقيقية في الشارع الآن مقارنة بما يظهر في الإعلام؟
هناك فجوة واضحة بين ما يروجه الإعلام الرسمي للحكومة وما يجري فعليًا على الأرض. فالإعلام الحكومي يحاول تسويق صورة «العودة إلى الحياة الطبيعية» عبر لقطات منتقاة وتجمعات موالية مُنظمة، وفي الوقت نفسه يصوّر المحتجين على أنهم «مخرّبون» معزولون تحرّكهم جهات خارجية. لكن الواقع الميداني يقدّم صورة مغايرة تمامًا؛ إذ تشير التقارير اليومية إلى استمرار التظاهرات الليلية، وقطع الطرق في أحياء عديدة، واندلاع إضرابات متكررة في الأسواق والورش والمصانع، ولا سيما في طهران وشيراز وكرمانشاه ومشهد، إضافة إلى المدن الكردية والبلوشية.
ويهدف الانقطاع شبه الكامل للإنترنت إلى منع نقل هذه الصورة إلى الخارج، غير أن ما يتسرّب عبر شبكات المواطنين وقنوات المقاومة يكشف استمرار اشتباكات الكرّ والفرّ، وحضورًا لافتًا للشباب والنساء، وهتافات تستهدف مباشرة رأس النظام وشخص خامنئي. وفي موازاة ذلك، تتحدث تقارير المقاومة ومنظمات حقوقية عن أكثر من ثلاثة آلاف شهيد منذ اندلاع الانتفاضة، إلى جانب آلاف الجرحى والمعتقلين، وهو ما يناقض جذريًا رواية «السيطرة الكاملة» التي يروّج لها الإعلام الرسمي وبعض المنابر الدولية الساعية إلى التهدئة بأي ثمن.
وفي هذا السياق، يمكن القول إن هذه الانتفاضة كشفت جوهر الواقع الإيراني الراهن، وأثبتت أن المجتمع يعيش حالة انفجارية وأن إرادة إسقاط النظام باتت خيارًا شعبيًا واسعًا. ورغم أن حجم القمع والقتل الواسع يجعل من غير المتوقع استمرار الانتفاضة بالشكل العلني نفسه وعلى النطاق ذاته، فإن عناصرها الأساسية ما زالت قائمة، بل ازدادت رسوخًا وقوة، ما يؤكد أنها لم تُخمد وستعود للاندلاع مجددًا. وحتى في الظروف الحالية، لا يزال الشباب الثائر ووحدات المقاومة يخوضون مواجهات متفرقة مع قوات القمع في مناطق مختلفة، بما يدل على أن جذوة الانتفاضة ما زالت حيّة.
ومن خلال هذه التجربة، تتبلور حقائق أساسية يمكن تلخيصها في أربع نقاط واضحة:
ما دام هذا النظام قائمًا في السلطة، فإنه يواصل القتل والإعدامات وقمع أي شكل من أشكال المعارضة.
هذا النظام لا يسقط تلقائيًا ولا عبر الاحتجاجات السلمية وحدها.
إسقاط هذا النظام غير ممكن من دون مقاومة منظمة، ولا يتحقق إلا عبر عمل منظم تقوده شبكات المقاومة ومجاهدي خلق داخل إيران.
إن اتساع رقعة الانتفاضة، وحجم المواجهات، والضربات التي وُجّهت للنظام، كلها ثمرة مقاومة منظمة تجلّت بوضوح في هذه الانتفاضة، ولولاها لما وصلت الأحداث إلى هذا المستوى.
- ما أحدث الأرقام التي تملكونها عن القتلى والمعتقلين والمصابين؟
وفق أحدث إحصاءات منظمة مجاهدي خلق الإيرانية والمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، تجاوز عدد الشهداء في الانتفاضة الوطنية التي انطلقت في 28 ديسمبر 2025 حاجز 3000 شهيد حتى 11–12 يناير 2026، موزعين على ما لا يقل عن 195 مدينة. وخلال الفترة من 27 ديسمبر حتى 5 يناير فقط، نُفذت 108 عمليات إعدام داخل السجون، في ذروة الانتفاضة، في محاولة واضحة لبث الرعب في المجتمع، فيما تشير بيانات أخرى إلى أن النظام أعدم أكثر من 2200 شخص خلال عام 2025 ضمن سياسة استباقية لمنع الانفجار الشعبي.
أما على صعيد الاعتقالات، فقد أعلنت منظمة مجاهدي خلق الإيرانية أن العدد الإجمالي للموقوفين والمعتقلين في عموم البلاد، خلال الفترة من 28 ديسمبر 2025 حتى 14 يناير 2026، تجاوز 50 ألف شخص. وأوضحت أن عددًا من المعتقلين الذين جرى احتجازهم جماعيًا في مواقع الاحتجاج أُفرج عنهم لاحقًا، دون توفر إحصاءات دقيقة بشأنهم. وتؤكد المعطيات المتقاطعة من داخل إيران والتقارير الدولية أن حملات الاعتقال والمداهمات المفاجئة ما زالت مستمرة، وتشمل اقتحام المنازل والأحياء وأماكن العمل المغلقة، مع احتجاز كثيرين في مراكز تابعة للحرس والثكنات الأمنية و«البيوت الآمنة»، خارج أي إطار قانوني وتحت التعذيب، إضافة إلى حالات اختطاف جرحى من المستشفيات أو منعهم من تلقي العلاج.
ورغم صعوبة الحصول على أرقام دقيقة بسبب التعتيم، فإن الاتجاه العام واضح: نحن أمام تصعيد ممنهج وانتهاكات جسيمة ترقى إلى جريمة ضد الإنسانية.
- هل بدأ النظام يفقد السيطرة أم ما زال يمسك مفاصل الدولة والأمن؟ أعطنا لمحة عن أهم المحافظات.
النظام ما زال يملك آلة القمع الرسمية – الحرس الثوري، الباسيج، الشرطة والأجهزة الاستخبارية – وبالتالي لا يمكن القول إنه فقد السيطرة المؤسساتية، لكنه فقد تدريجيًا السيطرة على المجتمع. انتشار الانتفاضة إلى أكثر من 220 مدينة في جمیع المحافظات، واستمرارها رغم حظر الإنترنت والطوارئ غير المعلنة، يعني أن قدرة الردع التقليدية تآكلت بشكل واضح.
في طهران، البازارات الكبرى ومراكز تجارية رئيسية شهدت إضرابات متكررة، فيما تحوّلت أحياء في الجنوب والغرب إلى بؤر مواجهات ليلية. في مشهد – مسقط رأس خامنئي – خرجت تظاهرات حاشدة قرب الحرم وأحياء فقيرة، وهو تطور رمزي شديد الحساسية للنظام.
محافظات مثل الأهواز وخوزستان وكرمانشاه وسيستان وبلوشستان تشهد تظاهرات عنيدة، مستفيدة من تراكم مظالم قومية واقتصادية قديمة. وفي مدن كـشيراز وتبريز وكرج، تتكرر حلقات الكرّ والفر بين الشباب وقوات القمع، مع تقارير عن تحرير موضعي لبعض الشوارع لساعات.
بالنتیجة مفاصل الدولة لم تسقط بعد، لكن آلة القمع منهكة، ومجتمع يعيش في حالة تمرّد مزمن يصعب إعادته إلى ما قبل 28 ديسمبر.
- هل ترون مؤشرات انقسام داخل الحرس الثوري أو الأجهزة الأمنية؟
الواقع هو أن النظام يواجه اليوم أزمة مركّبة ناتجة عن الانهيار الاقتصادي، والضغوط الدولية المتصاعدة، وحالة المجتمع الانفجارية، وهو ما انعكس في اتساع الخلافات والتناقضات داخل قمة السلطة نفسها. يكفي متابعة جلسات برلمان النظام ليوم واحد فقط لرؤية كيف تتحول إلى ساحة صراعات حادة، حيث تتبادل الأجنحة الاتهامات وتتصارع فيما بينها بشكل علني حیث یذکرنا بایام الاخیرة في حکم الشاه.
لكن من الضروري التأكيد أننا لا نواجه ديكتاتورية تقليدية، بل ديكتاتورية دينية متطرفة لها آلياتها وقوانينها الخاصة. العمود الفقري لهذا النظام هو ولاية الفقيه، وطالما أن هذا النظام قائم، فإن القمع والقتل لن يتوقفا. وفي هذا الإطار، يمكن القول إن بقاء خامنئي على رأس السلطة يشكل المظلّة التي تلتقي تحتها جميع عصابات النظام، رغم تناقضاتها العميقة، لمواصلة النهب والقمع، لأنهم يواجهون عدوًا مشتركًا واحدًا هو الشعب الإيراني الذي يرفضهم جميعًا.
من هنا، فإن القراءة الصحيحة لطبيعة هذا النظام تقتضي عدم الوقوع في وهم الانقسامات الحاسمة من داخله، کما أن هناك مؤشرات متزايدة على تصدّع المعنويات داخل منظومة القمع، وحالات قلق وتآكل في الانضباط، إضافة إلى تقارير عن تردّد أو رفض موضعي لإطلاق النار في بعض المدن، إلا أن ذلك لا يرقى حتى الآن إلى مستوى تمرّد منظّم.
الانتفاضة الحالية عمّقت هذا التآكل، وأجبرت النظام على نشر قواته في عشرات المدن في آن واحد، وإبقائها في حالة استنفار دائم، مع تعرّض مراكزه لهجمات متكررة من قبل وحدات المقاومة. كما أن الخطاب الرسمي نفسه يعكس حالة خوف واضحة، حيث لجأ النظام إلى التهديد بـ«الإعدامات الفورية» للمعتقلين، في محاولة لترهيب قاعدته الأمنية قبل المجتمع.
وعليه، فإن الرهان على انشقاق من داخل النظام أو على بروز جناح «منقذ» منه، كما كان يُروَّج سابقًا حول ما سُمّي بالإصلاحيين، ليس سوى وهم سياسي. إسقاط هذا النظام لا يأتي من داخله، بل من استمرار وتصاعد المقاومة المنظمة، وكل يوم تتواصل فيه الانتفاضة وترتفع كلفتها، تتزايد احتمالات تحوّل التصدعات القائمة إلى انهيارات أوسع.
- إلى أيّ مدى يوجد تنسيق بينكم وبين شبكات الاحتجاج داخل إيران؟
مقاومة منظَّمة تمتلك داخل البلاد تشكيلًا كاملًا ومستقلًا بحد ذاته، وله قيادته وبنيته الخاصة. هذه البنية تُدار ضمن إطار معروف باسم الستاد الاجتماعي لمجاهدي خلق، حيث تُعالَج داخليًا جميع القضايا المرتبطة بالعمل الميداني، من الجوانب اللوجستية والتنظيمية إلى آليات التحرك والتكتيك، دون حاجة إلى إدارة خارجية مباشرة.
وفي هذا السياق، فإن الانتفاضة الحالية ليست حركة عفوية بالكامل، بل ترتكز على شبكة واسعة من وحدات المقاومة المنتشرة في مختلف المحافظات، والتي تشكّل العمود الفقري لحضور المقاومة داخل البلاد. هذه الوحدات تعمل ضمن خلايا صغيرة ولا مركزية، ما يمنحها مرونة عالية في الحركة، مع ارتباط سياسي وتنظيمي واضح بالمقاومة، وقدرة على التكيّف مع ظروف كل مدينة وحي.
أن ما أكدته السيدة مريم رجوي مرارًا هو أن التغيير في إيران لن يتحقق إلا عبر انتفاضة منظَّمة تقودها وحدات المقاومة، وأن هذه الشبكة اليوم في حالة توسّع مستمر، لا سيما في صفوف جيل الشباب والنساء.
- إذا استمرت هذه الوتيرة من القمع، ما السيناريو الأكثر ترجيحًا خلال الأسابيع المقبلة؟
استمرار القمع بهذه الوحشية – أكثر من 3000 شهيد في أقل من ثلاثة أسابيع، ومجازر تُرتكب تحت ظلال التعتيم الرقمي الكامل – يضع البلاد أمام خيارين واقعيين لا ثالث لهما تقريبًا: إما تصاعد نوعي في المواجهة بين الشعب وقوى القمع، أو ارتكاب مجازر أوسع من شأنها تعميق عزلة النظام داخليًا ودوليًا وتسريع سقوطه على المدى المتوسط.
في المدى القصير، يُرجَّح أن يواصل النظام سياسة «القتل تحت الظلام»، عبر قطع الإنترنت، وتوسيع الاعتقالات، والتهديد بإعدامات سريعة، في محاولة لإرهاب الشارع وكسر روحه الاحتجاجية. غير أن التجربة خلال الأسابيع الماضية أثبتت أن هذا النهج لم يُنهِ الانتفاضة، بل دفعها إلى التحول نحو مستويات أعلى من التنظيم، مع توسّع الإضرابات، وتكثيف دور وحدات المقاومة في استهداف مراكز القمع والنهب.
وفي هذا السياق، يبرز تطور خطير: فإلى جانب الحرس الثوري والباسيج، لجأ النظام هذه المرة بشكل أكثر وضوحًا إلى استخدام قواته النيابة غير الإيرانية، من مرتزقة تابعين لحزب الله اللبناني، وميليشيات فاطميون وزينبيون وغيرها، لتنفيذ قمع عارٍ بلا أي قيود اجتماعية أو اعتبارات وطنية. هذا هو النظام نفسه الذي كان يستخدم هذه الميليشيات للتدخل في شؤون دول المنطقة، لكنه اليوم مضطر لاستدعائها إلى الداخل الإيراني من أجل البقاء في السلطة، وهو مؤشر صارخ على عمق أزمته وتآكل قدرته على الاعتماد حتى على قواه المحلية.
وعليه، فإن السيناريو الأكثر ترجيحًا هو استمرار الحركة الاحتجاجية في منحنى موجي: فترات هدوء نسبي تكتيكي يعقبها انفجار جديد، في ظل أزمة اقتصادية خانقة وانعدام كامل لأي أفق للإصلاح. وفي مثل هذا السياق، يتحول كل يوم إضافي من القمع إلى عامل تعجيل لا عامل ردع، لأن كلفة البقاء تحت هذا النظام باتت، بالنسبة لغالبية المجتمع، أعلى من كلفة مواجهته.
- كيف تنظرون إلى احتمال ضربة أميركية أو تصعيد عسكري ضد إيران؟ هل يخدم الحراك أم يضرّ به؟
من منظور المقاومة الإيرانية، فإن التغيير الحقيقي في إيران يجب أن يأتي من داخل البلاد، وعلى يد الشعب الإيراني والمقاومة المنظَّمة، وليس عبر حرب خارجية أو سياسات المساومة. هذا الموقف عبّرت عنه السيدة مريم رجوي بوضوح في ما يُعرف بـ«الخيار الثالث»: لا مساومة مع النظام ولا حرب خارجية، بل إسقاط النظام على يد الشعب والمقاومة المنظمة، مع توفير دعم دولي لحق الإيرانيين في المقاومة.
وقد أكدت السيدة مريم رجوي مرارًا، في مؤتمرات دولية وأمام برلمانات غربية، أن المقاومة الإيرانية لا تطلب من المجتمع الدولي المال ولا السلاح، وإنما تطالب بوقف الدعم السياسي والدبلوماسي للنظام الإيراني الأصولي، وبالاعتراف بحق الشعب الإيراني في المقاومة والنضال من أجل إسقاط هذا النظام. وفي كلمة لها أمام البرلمان الأوروبي قالت بوضوح:
«لم نطلب ولا نطلب المال أو السلاح، بل فقط الاعتراف بمقاومتنا، ولا شيء أكثر من ذلك.»
وفي الإطار نفسه، تشدد المقاومة الإيرانية على أن أحد المطالب الأساسية للمجتمع الدولي يتمثل في إدراج «الحرس الثوري الإيراني – IRGC» على لوائح الإرهاب الدولية، باعتباره الأداة الرئيسية للقمع الداخلي والتدخل في الحروب الإقليمية. وهو مطلب ترفعه المقاومة منذ سنوات طويلة باعتباره خطوة ضرورية لدعم نضال الشعب الإيراني، وليس بديلاً عنه.
- هل تخشون أن يستخدم النظام التهديد الخارجي لتبرير سحق الانتفاضة؟
هذا ليس مجرّد احتمال، بل هو جزء ثابت من عقيدة النظام القمعية والدعائية. فمنذ اليوم الأول لكل انتفاضة، يسعى خامنئي وأجهزته الأمنية والإعلامية إلى ربط الاحتجاجات بما يسمّونه «مؤامرة أميركية–صهيونية–إقليمية»، بهدف تشويه مطالب الشارع وإضفاء طابع أمني على القمع الوحشي.
وفي الانتفاضة الأخيرة، بلغ هذا الأسلوب ذروته بشكل غير مسبوق. فعندما واجه النظام خروجًا سيلاً بشريًا كثيفًا إلى الشوارع، لجأ فورًا إلى قطع الإنترنت بالكامل لمنع نقل الحقيقة، ثم أطلق العنان لقواته لقمع دموي واسع النطاق، أسفر عن مجازر غير مسبوقة. وبعد ذلك، أقدم على نقل أعداد كبيرة من جثامين الضحايا إلى أماكن احتجاز ومواقع عامة سيئة الصيت، مثل كهريزك وغيرها، وأعلن بوقاحة أن على العائلات التوجّه للتعرّف على أبنائها، ثم فرض عليها مبالغ مالية باهظة مقابل تسليم الجثامين، قبل أن يزعم لاحقًا، وبصورة فجّة، أن «المعارضين» هم من قتلوا هؤلاء الضحايا.
هذا السلوك ليس جديدًا في جوهره؛ فقد استخدم النظام الأسطوانة نفسها في انتفاضة البنزين عام 2019، وفي انتفاضة 2022 بعد مقتل مهسا أميني، ويعيد اليوم توظيفها مرة أخرى. غير أن الفارق الأساسي هو أن المجتمع الإيراني بات أقلّ تقبّلًا لهذه الرواية. فالهتافات في الشوارع تذهب مباشرة إلى المسؤول الداخلي الحقيقي، أي خامنئي والحرس الثوري، وتعلن رفض كل أشكال الديكتاتورية، سواء كانت دكتاتورية الشاه أو دكتاتورية المرشد، ما يسحب من النظام ورقة «العدو الخارجي» و«البديل المفروض من الخارج».
ومع ذلك، نعم، سيحاول النظام استغلال أي توتر خارجي أو تهديد عسكري لتصعيد القمع في الداخل. ومن هنا، فإن الموقف الأكثر فاعلية للمجتمع الدولي هو قطع الطريق على هذه الذريعة، عبر دعم حقوق الشعب الإيراني وحقه المشروع في المقاومة، ورفض أي صفقة أو مهادنة تُقدَّم للنظام تحت عنوان «الاستقرار»، لأنها لا تعني في الواقع سوى منح غطاء جديد لمزيد من القتل والقمع.
- إذا سقط النظام أو اضطرّ للتراجع، هل لديكم تصوّر جاهز لمرحلة انتقالية تحظى بقبول الشارع؟
نعم، هناك تصوّر واضح ومعلن منذ سنوات، يتمثّل في إطار المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية وخطة السيدة مريم رجوي ذات النقاط العشر لمستقبل إيران. هذا التصوّر ينصّ على تشكيل حكومة انتقالية مؤقتة لمدة أقصاها ستة أشهر، تتولى تنظيم انتخابات حرّة لهيئة تأسيسية تضع دستورًا ديمقراطيًا جديدًا، على أساس جمهورية تعددية وفصل الدين عن الدولة.
الخطة تضمن إلغاء عقوبة الإعدام، استقلال القضاء، المساواة الكاملة بين المرأة والرجل، الحكم الذاتي للإثنيات ضمن إطار وحدة التراب الوطني، واحترام جميع المواثيق الدولية لحقوق الإنسان. كما تؤكد على التزام إيران المستقبلية بالحياد الإقليمي وعدم السعي لامتلاك سلاح نووي.
قبول الشارع لا يُفرض من الخارج، بل يُنتزع عبر برنامج واضح وتجربة نضالية طويلة. الدعم الواسع الذي تحظى به خطة النقاط العشر في البرلمانات الأوروبية، وداخل الجاليات الإيرانية، ومع التضحيات التي قدّمتها المقاومة، يشكل قاعدة سياسية وأخلاقية قوية لمرحلة انتقالية تستجيب لتضحيات المنتفضين وتطلعاتهم إلى «جمهورية حرة ديمقراطية».