تحليل: حرب اليمن… هل يتشكّل نظام جديد في البحر الأحمر؟
يمن فيوتشر - ميدل إيست آي – تقدّم الخطيب – ترجمة خاصة الخميس, 08 يناير, 2026 - 04:37 صباحاً
تحليل: حرب اليمن… هل يتشكّل نظام جديد في البحر الأحمر؟

لم تكن الضربة العسكرية الأخيرة التي نفذتها السعودية ضد قوات مدعومة من الإمارات في اليمن حادثًا تكتيكيًا عابرًا، بل شكّلت لحظة مفصلية تشير إلى أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة، تتسم بانهيار الفكرة التقليدية للتحالفات نفسها.

وقد مثّلت الضربة السعودية في المكلا تفكك بنيةٍ تشكّلت منذ عام 2011 على وهم إمكانية توظيف الفوضى من دون أن ترتدّ تبعاتها على من يصنعها. وجاء الهجوم نتيجة إدراكٍ قاسٍ مفاده أن إبقاء اليمن في حالة ضعف يولّد كيانات مسلحة تهدد بتحويل الحدود الجنوبية للسعودية إلى نقطة هشاشة دائمة، على غرار جنوب لبنان بالنسبة لإسرائيل، أو شمال سوريا بالنسبة لتركيا.

ولم تكن هذه الضربة استعراضًا للقوة بقدر ما كانت عملًا مدفوعًا بمخاوف من أن أدوات نفوذ كانت تُعدّ موثوقة في السابق قد تتحول إلى مصادر تهديد مستقبلي.

أما الرسالة الموجّهة إلى الإمارات فلم تكن عسكرية فحسب، بل بنيوية في جوهرها؛ إذ إن حقبة المناورة على الهوامش، وبناء النفوذ عبر وكلاء محليين وميليشيات عابرة للحدود، باتت مكلفة وربما تأتي بنتائج عكسية.

وبالنسبة إلى الإمارات، كشفت الضربة عن هشاشة استراتيجية عميقة. فأبوظبي لم تؤسس قوتها على عمق ديمغرافي أو ثقل تاريخي–سياسي، ولا تمتلك رصيدًا رمزيًا على غرار مدن إقليمية أخرى مثل مكة والمدينة والقاهرة ودمشق وبغداد وإسطنبول.

ويجعل هذا الفراغ البنيوي من الصعب على أبوظبي ترسيخ نفوذ إمبراطوري طويل الأمد في المنطقة، بصرف النظر عن حجم ثروتها أو قدراتها المالية. وبدلًا من ذلك، تعتمد على نموذج للسيطرة غير المباشرة عبر الموانئ والجزر والممرات البحرية وشركات الأمن الخاصة.

وقد نجح هذا النموذج خلال مرحلة الانهيار العربي الإقليمي، لكنه يصبح هشًّا عندما تبدأ الدول، حتى المنهكة منها، في استعادة غريزة البقاء والدفاع عن مجالاتها الحيوية.

 

الخروج من الظل

السؤال الملحّ بالنسبة إلى الإمارات لا يقتصر على كيفية الرد على هذه الضربة فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى ما إذا كانت قادرة على الاستمرار كلاعب يعمل من خلف الستار في مرحلة لم تعد تحتمل وجود لاعبين في الظل، أم أن المنطق القائم سيدفعها للتحول إلى فاعل مباشر في صراعات تتجاوز قدرتها الديموغرافية والسياسية.

وهنا نصل إلى البحر الأحمر، الذي لم يعد مجرد ممر ملاحي، بل أصبح ساحة مفتوحة لإعادة توزيع موازين القوة. فإسرائيل لا تسعى إلى السيطرة عليه عبر الاحتلال المباشر، بل إلى تجريده من أي سيادة عربية فاعلة، وتحويله إلى «بحر مفتوح للتأثير الخارجي»، تُؤمَّن السيطرة عليه من خلال قواعد غير مباشرة، وكيانات هشة، واتفاقات أمنية مع دول تبحث عن الحماية لا عن الفاعلية.

وفي الوقت نفسه، لا ترغب إيران في بحر أحمر مستقر؛ بل تريده متقلبًا ليكون أداة ضغط عالمية. أما تركيا، فلا تنازع في القلب مباشرة، لكنها تطوّق الأطراف — من ليبيا إلى القرن الأفريقي وقطر — لتمكين نفسها من مفاوضات أوسع. وهكذا تمدّ كل قوة كبرى يدها إلى المياه، فيما تتنازع الدول العربية على الشواطئ.

وفي هذا السياق، لم يكن اعتراف إسرائيل مؤخرًا بأرض الصومال خطوة رمزية أو دبلوماسية بحتة، بل تحركًا متقدمًا يستهدف إعادة تشكيل البحر الأحمر. فمن يرسّخ موطئ قدم في القرن الأفريقي يراقب مضيق باب المندب، ومن يسيطر على هذا الممر الحيوي يستطيع خنق الخليج أو حمايته، والضغط على مصر أو تحييدها.

فلم تعد الحروب الحديثة تُخاض بالدبابات، بل بالاعتراف السياسي، وسلاسل الإمداد، وشبكات النفوذ التي تعمل تحت غطاء الاستثمار أو مكافحة الإرهاب.

ولا يمكن فهم هذا السياق الأوسع بمعزل عن الاستراتيجية الإسرائيلية الشاملة، التي لا تهدف إلى إسقاط الدول العربية دفعة واحدة، بل إلى تفكيك قدراتها السيادية وتحويلها إلى وحدات وظيفية أو مناطق أزمات دائمة.

وكانت فلسطين النموذج الأول: أراضٍ مزدوجة بلا سيادة. وتبعها لبنان من خلال شلل الدولة المركزية، وسوريا عبر خرائط النفوذ، والعراق بالحفاظ على الانقسامات البنيوية دون تفكك رسمي، والسودان عبر تفتيت الدولة.

أما الجزائر فتمثل حالة مختلفة لكنها مقلقة في تقدير إسرائيل: دولة تمتلك ذاكرة تحررية، وجيشًا منضبطًا أيديولوجيًا، وموقفًا حازمًا تجاه التطبيع، ما يجعلها هدفًا للإضعاف لا للتفكيك، من خلال استنزافها إقليميًا عبر منطقة الساحل، وليبيا، والمغرب، والصحراء الغربية، إلى جانب العزلة الاستراتيجية عن المشرق العربي.

وأصبح التطبيع أداة مركزية في هذه البنية، من خلال إدماج بعض الدول العربية في نظام أمني تقوده إسرائيل، وتوزيع الأدوار كجهات ممولة، أو وسطاء، أو حراس للممرات الحيوية. وهنا يبرز نموذج الدولة الوظيفية كالنموذج الأمثل: دولة بلا طموحات سيادية، تكون سلطتها ونفوذها قائمين على الموانئ والقواعد وشركات الأمن الخاصة، لا على القرار السياسي أو العمق الشعبي.

 

تفتيت الدول

يُفسّر هذا تركيز إسرائيل على مناطق الخليج والقرن الأفريقي. فهي تستهدف كيانات داخل الدول لتفتيتها إلى وحدات وظيفية ضمن شبكة نفوذها، بما في ذلك جنوب اليمن عبر المجلس الانتقالي الجنوبي، والمناطق القبلية في الجزائر، والأراضي الليبية الخاضعة للجنرال المتمرد خليفة حفتر، وأجزاء من الصومال. ومن خلال التطبيع والاعتراف الدولي، تهدف إسرائيل إلى تحويل هذه الكيانات إلى أدوات ضغط، في حين تظل الدول الكبرى الأخرى تحتفظ بقدرات محدودة على اتخاذ القرار.

وبذلك تتحول الإمارات إلى كيان وظيفي يربط هذه المناطق بالتحالفات الإسرائيلية، ويضمن السيطرة على الممرات الحيوية، بينما تواجه القوى العربية التقليدية — مثل مصر والجزائر وسوريا — ضغوطًا متزايدة لتعديل سياساتها أو قبول قواعد اللعبة الإقليمية.

وفي المستقبل، تشمل السيناريوهات المحتملة استمرار التصعيد العسكري في اليمن، مع احتمال تحوله إلى مواجهة إقليمية تهدد مجددًا حركة الشحن في البحر الأحمر، وتجبر مصر على الانخراط بشكل أكبر في حماية الممرات الاستراتيجية وقناة السويس.

وفي الوقت نفسه، قد تسعى إسرائيل إلى تعزيز موقعها في الصومال والقرن الأفريقي لضمان السيطرة على مضيق باب المندب وربط البحر الأحمر بالتحالفات الخليجية، ما يضع المنطقة تحت إشراف إسرائيلي شبه كامل، مع الحد من قدرة الدول العربية على التصرف بحرية.

وفي المقابل، ستواصل إيران استثمار الحوثيين والقرن الأفريقي كأدوات ضغط ضد دول الخليج ومصر، بما يعيد تشكيل التوازنات البحرية ويجبر الدول العربية على إعادة تنظيم تحالفاتها والتفاوض بشأن ترتيبات أمنية إقليمية شاملة. وقد تدخل تركيا أيضًا هذه الساحة بشكل مباشر عبر شراكات مع السودان أو الصومال، مما يزيد من التعقيد الاستراتيجي.

أما بالنسبة إلى مصر، فتتمثل التحديات الأساسية في تنازلها عن جزيرتي تيران وصنافير، وسودان منقسم، وليبيا ضعيفة. وهذه العوامل تحدّ من قدرتها على تأمين الممرات الحيوية، مما يضطرها إلى تطوير تحالفات جديدة أو تعزيز الوجود الأمني الدولي للحفاظ على استقرار البحر الأحمر.

وتحتل مصر اليوم أحد أكثر المواقع الإقليمية هشاشة، لأنها الدولة الأكثر تقييدًا. فالتنازل عن تيران وصنافير لم يكن مجرد فقدان جزيرتين، بل فقدان رمز السيطرة على البوابة الشمالية للبحر الأحمر. وفي الوقت نفسه، أدى السماح بانقسام السودان إلى استنزاف العمق الاستراتيجي، كما أن إدارة الأمن في ليبيا دون مشروع سياسي طويل الأمد تركتها عرضة للتدخلات الخارجية.

والنتيجة هي أن مصر تواجه تآكل قدرتها الردعية، إلى جانب سؤال وجودي: هل ترغب في استعادة القوة الحقيقية في الحصار والردع، أم أن تبقى مُدارة كـ«فضاء مستقر» داخل منطقة مضطربة؟

وما يحدث اليوم ليس مجرد أزمة عابرة، بل تحول تاريخي واضح: من شرق أوسط كانت الأزمات فيه تُدار، إلى شرق أوسط تُدار فيه الخرائط نفسها. والصراع اليوم لا يقتصر على الدول فحسب، بل يتعلق بفراغ السيادة، واتخاذ القرار، والردع.

وفي هذه المرحلة من التاريخ الإقليمي، لا يُعاقَب من يخطئ في الحسابات فحسب، بل يُعاقَب من يترك الفراغ دون حراسة. ومن يفشل في ملء هذا الفراغ بنفسه، سيراه يُملأ من قبل الآخرين. وهذا هو القانون القاسي الذي يحكم المنطقة اليوم.


التعليقات