شد هجوم المجلس الانتقالي الجنوبي على محافظتي حضرموت والمهرة انتباه العالم، بخاصة بعد أن دار الحديث عن محاولات السيطرة على منطقة النفط الحضرمية.
آخر ما يمكن قوله عن إنتاج النفط في جنوب اليمن هو أنه "موجود على الورق أكثر مما هو في السوق"، فمنذ منتصف أكتوبر (تشرين الأول) عام 2022 توقفت صادرات النفط من الموانئ الواقعة تحت سيطرة الحكومة في الجنوب، بعد هجمات حوثية بالطائرات المسيّرة والصواريخ على مرافئ التصدير، في مقدمتها ميناء الضبة في حضرموت، لتدخل البلاد عملياً في تجميد طويل لعائداتها النفطية التي كانت تمثل شريان التمويل الوحيد الباقي للدولة.
وعلى رغم أن جنوب اليمن، بخاصة حضرموت، ظل تاريخياً مصدر الثقل النفطي الأهم عبر حقل المسيلة-بلوك 14 الذي كان قبل الحرب ينتج في بعض الفترات قرابة 100 ألف برميل يومياً، فإن الواقع الحالي تحكمه معادلة مختلفة، فمن يسيطر أمنياً على الحقول وخطوط الإمداد والموانئ يملك قرار التشغيل والتعطيل أكثر مما يملكه المشغل الفني.
لهذا تحول "نفط حضرموت" من ملف اقتصادي إلى أداة صراع سياسي، فوقف الإنتاج أو تعطيله لم يعُد مجرد حدث صناعي، بل رسالة قوة وورقة ضغط، وأحياناً شرارة اشتباك.
ومن هنا انفجر النزاع في حضرموت في أواخر عام 2025، إذ تصاعد التوتر بين المجلس الانتقالي الجنوبي وقوى حضرمية قبلية- محلية تطالب بقدر أكبر من التحكم بالموارد والعائدات، لتصل الأمور إلى تعطيل وعرقلة عمليات في مناطق منشآت بترومسيلة، ثم إعلان إيقاف الإنتاج موقتاً لأسباب أمنية، قبل أن تعلن الشركة لاحقاً استئناف العمليات بعد ترتيبات تهدئة وتأمين.
وفي اللحظة التي تحولت فيها الحقول إلى "مفتاح كهرباء" بيد القوى المتنافسة، تقدمت قوات موالية لـ"الانتقالي" لتثبيت نفوذها على مواقع نفطية في حضرموت، بينما صدرت تحذيرات من تحالف دعم الشرعية في اليمن بقيادة السعودية من أية تحركات عسكرية في الإقليم قد تفجر مسار التهدئة.
والخلاصة التي تقود هذا الملف، حضرموت هي الأكبر مساحة، وهي ليست فقط أغنى الجنوب نفطاً، بل هي بوابة "شرعية السيطرة" على موارد الدولة، لذلك فإن محاولة إحكام القبضة على نفط حضرموت اليوم ليست نزاعاً على حراسة منشأة، بل صراعاً على من يملك حق التفاوض باسم الجنوب ومن يملك عائدات الدولة ومن يرسم مستقبل الكيان السياسي المقبل.
أهم حقول النفط في حضرموت وشبوة
• حقل المسيلة (حضرموت)، يعد أكبر الحقول النفطية في اليمن، باحتياط يقدر بنحو 500 مليون برميل، واكتشف عام 1991 وبدأ الإنتاج عام 1993 عبر خط أنابيب إلى ميناء الضبة (الشحر) في حضرموت، وبلغ إنتاجه السابق نحو 100 ألف برميل يومياً، مما جعله المصدر الرئيس (60 في المئة من الإنتاج الوطني) خلال فترة ما قبل الحرب الأهلية. ويضم هذا القطاع حقولاً فرعية عدة، أبرزها حقل السونة وحقل الكمال وغيرها، وينتج خاماً متوسطاً وخفيفاً يعرف بـ"خام المسيلة".
• حقل عياد الغربي (شبوة)، أول حقل نفطي تجاري يطور في الجنوب، واكتشفته شركة سوفياتية عام 1987 في منطقة عياد بمحافظة شبوة. بدأ الإنتاج والتصدير عام 1991 بعد إنشاء البنية التحتية السطحية ومد خط أنبوب إلى ميناء بلحاف على البحر العربي، ومثل هذا الحقل انطلاقة صناعة النفط في جنوب اليمن قبل الوحدة، وإن كان إنتاجه محدوداً مقارنة بحقول المسيلة.
• حقول شرق شبوة (قطاع 10)، مجموعة حقول تقع شرق محافظة شبوة على تخوم حضرموت، أهمها خرير وعطوف ووادي تاربة، واكتشفتها شركة "توتال" الفرنسية عام 1997. ورُبط إنتاج هذه الحقول بخط أنبوب قطاع المسيلة في حضرموت للتصدير عبر ميناء الضبة، نظراً إلى عدم وجود منفذ مستقل في شبوة. ووصل الإنتاج من بعض هذه الحقول (مثل حقل عطوف) إلى نحو 20 ألف برميل يومياً في أعوام سابقة، لكن الإنتاج تقلص حالياً بسبب تراجع الاستثمارات والأوضاع الأمنية.
• قطاع جنة النفطي (شبوة -مأرب)، يقع في أقصى شمال شبوة على الحدود مع مأرب (القطاع 5)، ويضم حقولاً أهمها حقلا حليوة والنصر. اكتشف النفط في هذا القطاع أواخر الثمانينيات بشراكة بين الشركة اليمنية YICOM وشركات أجنبية ("هنت" الأميركية و"توتال" الفرنسية وغيرهما)، وبدأ الإنتاج التجاري والتصدير منه عام 1996. كان حقل جنة من أكبر الحقول المشتركة بين الشمال والجنوب بعد الوحدة، وشكل عام 2006 نحو 13 في المئة من إنتاج اليمن النفطي السنوي. وينقل نفط هذا القطاع عبر أنبوب إلى منشأة صافر ثم ميناء رأس عيسى على البحر الأحمر (الخاضع لسيطرة الحوثيين)، مما أدى إلى توقف صادراته فعلياً خلال الحرب.
وإضافة إلى ما سبق، هناك حقول أخرى في حضرموت وشبوة أقل حجماً أنتجت النفط خلال العقود الماضية مثل حقول هواريم (قطاع 32) وشرق حجر (قطاع 51) وشرق سار (قطاع 53) في حضرموت، وحقلا العقلة S2 وأوكسان S1 في شبوة وغيرهما، لكن تلك الحقول متوسطة وصغيرة مقارنة بالمسيلة وجنة، وتأثر إنتاج كثير منها بالنضوب الطبيعي أو الاضطرابات الأمنية.
شركات النفط في حضرموت وشبوة حالياً
شهدت محافظتا حضرموت وشبوة تغييرات في خريطة الشركات النفطية خلال أعوام الحرب، مع انسحاب عدد من الشركات الأجنبية وتولي شركات وطنية إدارة العمليات، وأبرز الشركات العاملة حالياً تشمل:
• شركة "بترومسيلة" (PetroMasila)، وهي المشغل الوطني لقطاع المسيلة النفطي (بلوك 14) في حضرموت منذ انتهاء امتياز شركة "نيكسن" Nexen الكندية عام 2011. وتوسع دور "بترومسيلة" خلال الحرب ليشمل تشغيل حقول أخرى انسحبت منها الشركات الأجنبية، فهي تدير حالياً قطاع 10 شرق شبوة (بعد انسحاب "توتال" عامي 2015–2016)، وكذلك قطاع 5 جنة في شبوة، وتعد "بترومسيلة" الذراع الحكومية الأساسية لإنتاج النفط في مناطق الجنوب.
• الشركة اليمنية للاستثمارات النفطية والمعدنية (YICOM)، وهي شركة حكومية مشتركة تأسست عام 1989 لإدارة الاستكشافات في المناطق الحدودية بين الشطرين قبل الوحدة. تمتلك حصصاً في امتيازات عدة وتشغل بالكامل قطاع 4 عياد في شبوة حالياً، وتسهم بنسبة 20 في المئة في مشروع قطاع "5 جنة" بالشراكة مع شركات أجنبية.
• شركة "صافر"، وهي الشركة الوطنية التي تدير حقول مأرب (قطاع 18) في الشمال، لكن لها ارتباطاً غير مباشر بالجنوب، إذ كانت ترسل بعض نفطها إلى التصدير عبر شبوة بعد إغلاق خط رأس عيسى، والشركة لا تدير حقول حضرموت وشبوة، لكنها نظيرة "بترومسيلة" على الجانب الشمالي.
• شركة "أو أم في" (OMV)، وهي شركة نمسوية تشغل قطاع S2" العقلة" في شبوة، ثاني أكبر القطاعات إنتاجاً في المحافظة. عادت الشركة لاستئناف الإنتاج في أبريل (نيسان) عام 2018 بعد تحسن الوضع الأمني نسبياً، وهي من الشركات الأجنبية القليلة التي واصلت العمل خلال الصراع، وتمتلك معها في الامتياز شركة "سينوبك" الصينية وشركاء محليون، وينتج القطاع نحو 3 آلاف برميل يومياً حالياً.
• شركات أجنبية أخرى تشمل "توتال إنرجيز" الفرنسية (كان لها امتياز قطاع 10 قبل انتقاله إلى شركة "بترومسيلة") و"كوفبيك" (KUFPEC) الكويتية، و"جنة هنت" الأميركية و"إكسون موبيل" التي تمتلك حصص شراكة في قطاع 5 جنة، وكذلك "كالفالي" (Calvalley) الكندية، مشغلة قطاع 9 في حضرموت (ماليك) التي استأنفت ضخ النفط عبر شبوة عام 2018.
وهناك أيضاً "أوكتافيا إنرجي" و"بتسيك" (Petsec)، وهما شركتان صغيرتان أستراليتان- كنديتان تديران قطاع S1 (ديمة- أوكسان) في شبوة، غير أن كثيراً من هذه الشركات علق عملياته أو قلصها مع تصاعد الحرب والاعتداءات التي استهدفت منشآت التصدير أواخر عام 2022. وحالياً يظل الوجود الأبرز للشركات الوطنية ("بترومسيلة" و"يكوم") مع عدد محدود من الشركات الأجنبية التي تربط استمرار عملها بتحسن الأوضاع الأمنية.
من يدير قطاع النفط في الجنوب؟
من الناحية الرسمية، تخضع إدارة قطاع النفط في الجنوب لوزارة النفط والمعادن التابعة للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً (ومقرها عدن حالياً)، والحكومة الشرعية تشرف نظرياً على الشركات الوطنية (مثل "بترومسيلة") وتتولى تسويق النفط وتوقيع عقود الشراكة مع الشركات الأجنبية. وعلى سبيل المثال تناقش الشركات الأجنبية قراراتها الرئيسة (بيع حصص امتياز أو وجهات التصدير) مع وزارة النفط في عدن، واتفقت السلطات المحلية في حضرموت وشبوة منذ عام 2018 على تخصيص نسبة 20 في المئة من عائدات النفط لتنمية المحافظتين، ضمن ترتيبات لا مركزية نسبياً.
لكن فعلياً، على أرض الواقع، فإن السيطرة الأمنية والإدارية على حقول النفط الجنوبية كانت ولا تزال موضع تجاذب بين أطراف عدة خلال الحرب، فالمجلس الانتقالي أصبح مشكلة، إذ شكل قوات محلية (النخبة الشبوانية والحضرمية) لبسط النفوذ في مناطق الثروة.
وفي شبوة، أحكمت قوات مدعومة من "الانتقالي" السيطرة على غالبية الحقول والمنشآت النفطية عقب مواجهات مع قوات موالية للحكومة السابقة في أغسطس (آب) عام 2022، وأسفر ذلك عن تمكين محافظ شبوة الموالي للتحالف من إحكام القبضة على منابع النفط في عسيلان وبيحان وتأمين أنبوب التصدير إلى النشيمة.
أما في حضرموت، فالوضع أكثر تعقيداً، فتاريخياً كانت المنطقة العسكرية الثانية (موالية للحكومة الشرعية) تؤمن منشآت النفط في ساحل حضرموت، فيما ترابط قوات المنطقة العسكرية الأولى (ذات الولاء الشمالي) في وادي حضرموت حيث حقول صحراء المسيلة.
وأواخر عام 2025، تفجر الصراع بعدما قامت وحدات من حلف قبائل حضرموت بقيادة الشيخ عمرو بن حبريش باقتحام حقول المسيلة والسيطرة على المنشآت وطرد قوات حماية الشركات التابعة للمنطقة العسكرية الثانية، على خلفية صراع على النفوذ والثروة، مما اضطر السلطة المحلية في حضرموت إلى طلب وساطة سعودية وتهدئة موقتة.
لكن سرعان ما أعاد المجلس الانتقالي نشر قواته في الهضبة النفطية لاستعادة زمام الأمور، وبحلول ديسمبر (كانون الأول) 2025، أعلنت قوات "الانتقالي" عزمها استهداف مواقع الشركات النفطية في هضبة حضرموت وتأمين طرق الإمداد، بعد اشتباكات محدودة انسحبت على إثرها مجاميع بن حبريش القبلية، وأعلن "الانتقالي" توسعة نفوذه إلى محافظة المهرة المجاورة ضمن مسعى لفرض الإدارة الجنوبية على مناطق الثروة كافة شرقاً.
وخلاصة الأمر أن الحكومة الشرعية لا تزال الجهة الرسمية المشرفة على القطاع نفطياً وقانونياً، لكنها تعتمد ميدانياً على تنسيق مع السلطات المحلية وقوات في محافظات الجنوب لتأمين الحقول وموانئ التصدير. وعملياً، يتقاسم الطرفان الإدارة، فالحكومة (مجلس القيادة الرئاسي) تتولى الجوانب الفنية والتصديرية وإيرادات البيع، في حين يفرض "الانتقالي" والقوى الجنوبية الأمر الواقع أمنياً على المنابع النفطية لضمان حصول الجنوب على نصيب من العائدات واتخاذ القرار المحلي.
وهذه الازدواجية أدت أحياناً إلى توترات، لكنها كرست أيضاً نوعاً من الإدارة المشتركة لقطاع النفط في الجنوب بين المركز (عدن) والقوى الفاعلة على الأرض.
حجم الإنتاج النفطي الحالي في حضرموت وشبوة
تعرض قطاع النفط اليمني لانهيار حاد خلال الحرب (منذ عام 2015)، وتوقفت العمليات كلياً لفترة قبل أن تستأنف جزئياً في بعض الحقول الجنوبية، إذ استأنفت محافظة حضرموت الإنتاج في أغسطس عام 2016 بعد تأمين منشآت المسيلة بعيداً من جبهات القتال، وتبعتها شبوة التي أعادت تشغيل قطاع العقلة في أبريل عام 2018 بدعم من شركة "أو أم في".
وعلى رغم ذلك ظل المستوى الإجمالي للإنتاج متدنياً مقارنة بالسابق، وتشير أحدث التقديرات المتاحة (قبل توقف التصدير نهاية 2022) إلى أن إجمال الإنتاج من حقول حضرموت وشبوة تراوح ما بين 60 و80 ألف برميل يومياً.
والجزء الأكبر من هذا الإنتاج كان يأتي من حقول حضرموت (المسيلة ومحيطها)، فيما لم تسهم شبوة إلا بنحو 3 آلاف برميل يومياً عام 2022 بسبب محدودية إنتاج حقولها وانخفاض كميات النفط القابلة للاستخراج.، وتراجع هذا المستوى كثيراً عن فترة ما قبل الحرب، فعلى سبيل المثال كان اليمن ينتج نحو 127 ألف برميل يومياً قبل اندلاع الصراع عام 2015، وأكثر من 167 ألف برميل يومياً قبل انقلاب الحوثيين عام 2014.
وتوقفت عمليات تصدير النفط تماماً منذ أواخر عام 2022 نتيجة استهداف الحوثيين لموانئ التصدير في الضبة (حضرموت) والنشيمة (شبوة) بطائرات مسيّرة، بغية منع الحكومة من الحصول على عائدات النفط، مما أدى إلى تجميد الإنتاج عملياً في حضرموت وشبوة خلال عامي 2023 و2024، باستثناء كميات ضئيلة للاستهلاك المحلي أو المخزون، إذ اشترط الحوثيون اقتسام الإيرادات مقابل السماح باستئناف التصدير، ولم يجرِ التوصل إلى اتفاق في هذا الشأن حتى نهاية عام 2025، بالتالي يمكن القول إن حجم الإنتاج الحالي فعلياً شبه متوقف بانتظار حلول سياسية وأمنية تسمح بإعادة تشغيل الحقول والتصدير، وأية أرقام متداولة (مثل 60–80 ألف برميل يومياً المذكورة أعلاه) تعود لفترة ما قبل وقف التصدير وليست سارية في اللحظة الراهنة.
مقارنة بين إنتاج الجنوب والشمال
تاريخياً، توزع إنتاج النفط بين شمال اليمن وجنوبه، لكن أهميته النسبية تغيرت بصورة واضحة بعد الوحدة وخلال الصراع الحالي، فقبل الحرب (حتى 2014) كان إنتاج اليمن النفطي يأتي على نحو رئيس من حقول الجنوب (حضرموت وشبوة)، مع إسهام أقل من حقول الشمال (مأرب والجوف)، وعلى سبيل المثال شكل إنتاج حقل المسيلة في حضرموت عام 2006 نحو 39 في المئة من إجمال الإنتاج اليمني، مقابل 19 في المئة من حقل مأرب- صافر في الشمال و13 في المئة من حقل جنة عند الحدود بينهما، مما يعكس الثقل الأكبر لحقول حضرموت، بخاصة في ذروة الإنتاج، بينما حقول الشمال (مأرب تحديداً) كانت تعد البداية التاريخية للصناعة النفطية باكتشافها عام 1984 وإنتاجها منذ 1986، لكن حتى قبل الحرب انخفض إنتاجها إلى ما بين 50 و70 ألف برميل يومياً فقط بسبب التقادم وارتفاع كلفة الاستخراج.
في الوقت الراهن وبعد أعوام الحرب، يمكن القول إن الجنوب هو مصدر معظم النفط اليمني المتاح، فحقول مأرب الشمالية تأثر إنتاجها بشدة جراء المعارك وحصار الحوثيين لمنطقة صافر، حيث تستخرج كميات محدودة لا تكفي للتصدير وتُوجه لتشغيل محطة كهرباء مأرب ومصافٍ صغيرة للاستهلاك المحلي.
في المقابل، كانت الحقول الخاضعة لسيطرة الحكومة في حضرموت وشبوة حتى عام 2022 مسؤولة عن كامل صادرات اليمن النفطية، وبلغت تلك الصادرات نحو 1.65 مليون برميل خلال النصف الأول من 2022 (بمتوسط 9 آلاف برميل يومياً) قبل توقفها، وجميعها من نفط الجنوب.
أما في مناطق سيطرة الحوثيين شمالاً، فلا توجد صادرات نفطية على الإطلاق منذ عام 2015، واقتصر الأمر على تشغيل مصفاة صغيرة في مأرب (قبل الحرب) وأخرى بدائية في مأرب والجوف لتكرير النفط المهرب أو المخزون.
ويمكن إجمال المقارنة كالتالي، جنوب اليمن (حضرموت وشبوة) يمتلك النصيب الأكبر من الاحتياطات المؤكدة (ضمن أحواض المسيلة وشبوة)، وهو القادر على التصدير عبر منافذ البحر العربي عندما يسمح الوضع بذلك، بينما شمال اليمن يعتمد على احتياطات أقل (مأرب والجوف) ويواجه عقبات جغرافية وأمنية في تصريف نفطه عبر البحر الأحمر.
وخلال فترة الهدنة القصيرة عام 2022، حققت حقول الجنوب إيرادات للدولة بلغت نحو 156 مليون دولار في تسعة أشهر، بينما لم تسهم مناطق الشمال بأية إيرادات تذكر، ولهذا ينظر إلى نفط حضرموت وشبوة على أنه رافعة الاقتصاد اليمني حالياً ومستقبلاً مقارنة بنفط الشمال الذي تعطل فعلياً.
نبذة تاريخية عن اكتشاف النفط في الجنوب بعد عام 1990
أدى تحقيق الوحدة اليمنية في الـ22 من مايو (أيار) عام 1990 إلى فتح آفاق جديدة للاستكشافات النفطية في الجنوب، بعدما كانت الجهود السابقة مشتتة بين شطري اليمن.
وفي أواخر الثمانينيات، شهدت منطقة الحدود بين الشمال والجنوب تكثيفاً لعمليات التنقيب، فعام 1987 اكتشفت الشركة السوفياتية "تكنوإكسبورت" أول كشف نفطي تجاري في الجنوب في حقل غرب عياد بشبوة. وتبع ذلك اتفاق بين دولتي اليمن عام 1988 على تشكيل منطقة تنقيب مشتركة ونزع السلاح على الحدود، مما مهد لتأسيس الشركة اليمنية YICOM عام 1989 كشركة وطنية مشتركة للإشراف على القطاع النفطي.
وبعد الوحدة، تسارعت وتيرة الاكتشافات بفضل الاستقرار النسبي وانفتاح البلاد على الاستثمارات:
• عام 1991 حققت شركة "نكسن" الكندية كشفاً تجارياً عملاقاً في قطاع المسيلة (14) بحضرموت – حقل سونة الذي عُد انطلاقة حقيقية للقطاع النفطي الموحد، وشيدت منشآت الإنتاج ومُد خط أنبوب بطول نحو 138 كيلومتراً إلى ميناء الضبة، وبدأ التصدير من المسيلة عام 1993، وشكل هذا الحدث نقطة تحول، إذ دخل اليمن قائمة الدول المصدرة للنفط.
• عام 1996 بدأ الإنتاج من قطاع "جنة 5" الواقع بين شبوة ومأرب، بجهود ائتلاف يمني– دولي ضم شركات "هنت" و"توتال" و"إكسون" وغيرها، وحقلا حليوة والنصر في هذا القطاع أضافا موارد جديدة وعُدّا من النجاحات المبكرة بعد الوحدة.
• عام 1997 أعلنت "توتال" اكتشاف النفط في حقول عدة بقطاع شرق شبوة (10) مثل خرير وعطوف ووادي تاربة، وجرى ربطها بخط أنبوب المسيلة للتصدير، ومثلت هذه الاكتشافات امتداداً لنشاط المسيلة باتجاه شبوة.
• تواصلت الاكتشافات خلال أواخر التسعينيات ومطلع الألفية، إذ اكتشفت شركة "دي أن أو" DNO النرويجية النفط في قطاع هواريم (32) بحضرموت عام 1999 وبدأ إنتاجه عام 2001، وطورت مع شركة "دوف" Dove البريطانية حقل شرورف (قطاع 53) بدءاً من عامي 2001–2002. ودخلت شركة "كالفالي" الكندية قطاع "مالك 9" غرب حضرموت وبدأت الإنتاج أواخر عام 2005. كذلك شهد عام 2004 دخول حقول جديدة للإنتاج في حضرموت مثل شرق حجر (51) وجنوب هواريم (43) وغيرهما، وبحلول منتصف العقد الأول من الألفية، بلغ عدد القطاعات المنتجة نحو 12 قطاعاً يتركز معظمها في حضرموت وشبوة.
هذه الطفرة النفطية بعد الوحدة رفعت إنتاج اليمن إلى ذروته بأكثر من 400 ألف برميل يومياً عام 2002، وأسهم النفط حينها في نحو 70 في المئة من الناتج المحلي و90 في المئة من صادرات البلاد.
لكن منذ عام 2011 بدأ الإنتاج بالتراجع بسبب الاضطرابات الأمنية ونضوب بعض الحقول، ثم جاءت الحرب في 2015 لتسبب انهياراً شبه تام في القطاع.
على رغم ذلك، تبقى فترة التسعينيات والعقد الأول من الألفية حقبة ذهبية لاكتشاف النفط وتطويره في جنوب اليمن تحت مظلة الدولة الموحدة، إذ وضعت خلالها البنية الأساسية من حقول وموانئ وأنابيب ستظل عماد أية جهود مستقبلية لاستعادة الإنتاج عندما يحل السلام