القاهرة: القمع في إيران… فشل الانتقال من “الثورة” إلى “الدولة” وولادة “جمهورية الخوف”
يمن فيوتشر - درج- كريم شفيق: الاربعاء, 27 مارس, 2024 - 01:12 مساءً
القاهرة: القمع في إيران… فشل الانتقال من “الثورة” إلى “الدولة” وولادة “جمهورية الخوف”

ديناميكيات السلطة في إيران، والتي كانت في فترات سابقة، لديها القدرة الوازنة على تأميم الصراعات وتهدئة تداعياتها، لم تعد اليوم بإمكاناتها وفعالياتها نفسها في ظل تتالي الإخفاقات على مستوى العلاقات بين النظام والمجتمع، والتعاطي مع النخبة، فضلاً عن وضع الاقتصاد، وإدارة العلاقات الخارجية.
في فترة متزامنة لا تتجاوز الشهر تقريباً أو أقل قليلاً، تكررت حوادث عنف في إيران، تتباين في درجة قساوتها وحدّتها. لكنّها تلامس حقيقة واحدة، مفادّها أنّ القمع بات خياراً استراتيجياً. فيما تؤشر دائرته التي تتّسع إلى طبيعة السلطة التي تحكم وتهيمن بوسائلها الأمنية والعسكرية من دون أيّ أفق آخر. 
سجّلت وسائل الإعلام المحلية والأجنبية، إلى جانب التقارير الحقوقية، مقتل مواطن من إقليم بلوشستان المتاخم للحدود مع باكستان، وهو ضمن مناطق الأقليات (البلوش/ السنة)، التي تعاني من الإفقار المتعمّد وغياب أو بالأحرى تغييب التنمية، في ظل سياسة “التفريس” وبناء آليات تراكم الثروة والنفوذ والسلطة في المناطق التي ينتمي إليها “الولي الفقيه” بمرجعيته القومية والطائفية. 
الحالة الأخيرة تفضح رغبة انتقامية وراء حدوثها، وقد تورط فيها أربعة مسلحين مجهولي الهوية على خلفية اشتراك البلوشي نعيم أربابي في احتجاجات عام 2022. 
لكنّ حوادث أخرى لافتة، في الفترة ذاتها، منها اعتقال صديقة وسمقي، الباحثة في شؤون الأديان، لمواقفها المعادية للحجاب القسري، والأمر ذاته بالنسبة الى المغني شيرفين حاجبور واتهامه بأنّ أغنيته تحولت إلى أيقونة لاحتجاجات مهسا أميني، بما يؤدي الى “التحريض على الاضطرابات ضد الأمن القومي” و”نشر دعاية ضد النظام”، وفق لائحة الاتهام الرسمية، وقبلهما اعتقال مرجع شيعي انتقد، علانية، المرشد الإيراني. ثم حدوث مشاجرة، في أثناء ذلك كله، بين امراة ورجل دين شيعي متشدد بعدما انتهك خصوصيتها، وصوّرها لعدم الالتزام بالحجاب، يؤكد أنّ الدائرة الجهنمية للنظام المفتوحة على آخرها ضد المعارضين كافة، حتى من داخل مربعها الديني/ الطائفي، تتجاوز فكرة العنف التقليدي لضبط الأمن ضمن خيارات أخرى مرنة تحقق أفقاً سياسياً محدداً، إلى تعميم السيطرة الأمنية بتوحّشها ونشر الخوف بمنطق الحكم الأوليغاركي المافياوي وأنماطه القروسطية. ليكون الأفق هو تلك الحالة الأمنية المرعبة وانحسار السياسة.
وبحسب وكالة هرانا للأنباء التابعة لمجموعة من ناشطي حقوق الإنسان، فإن الحكم الصادر بحق الفنان الإيراني يمتد إلى ما هو أبعد من عقوبة السجن، ويفرض عقوبات إضافية. وتابع: “لمدة عامين بعد سجنه، سيُمنع حاجبور من مغادرة إيران. وهو محكوم أيضاً بالمشاركة في النشاطات التي “تعزز إنجازات” الثورة الإسلامية، بما في ذلك تجميع المحتوى حول الثقافة والعلوم والفن، وإنتاج أغنية عن “الفظائع التي ترتكبها الولايات المتحدة ضد الإنسانية”.
وقالت الوكالة المعنية بحقوق الإنسان في إيران، إنه يتعين على حاجبور أيضاً تلخيص كتابين عن وضع المرأة في الإسلام و”توثيق انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبتها الحكومة الأميركية خلال القرن الماضي”.
وهنا، توضح منظمة “هيومن رايتس ووتش” أـنّ “القمع الوحشي” الذي تمارسه السلطات الإيرانية للمعارضة السلمية مستمر بلا هوادة، بعد مرور عام على الاحتجاجات التي اندلعت في أنحاء البلاد عقب وفاة مهسا أميني في لأيلول/ سبتمبر 2022. وتقول المنظمة الحقوقية، في بيان صدر مطلع العام الحالي، إنّ السلطات “عززت جهودها لزيادة الإجراءات العقابية” ضدّ النساء اللاتي يرفضن ارتداء الحجاب الإلزامي في الأماكن العامة. 
وقال مايكل بيج، نائب المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط: “بالنسبة الى الكثيرين، تبدو الحياة اليومية في إيران وكأنّها معركة مع حكومة فاسدة واستبدادية تمارس بكامل طاقتها العنيفة وآلياتها المتوحشة قمع المعارضة”. وحذرت المنظمة الحقوقية من أنّ النظام في حال لم يقم بـ”تغيير جذري” سيواجه حالة “الغضب العام والإحباط المجتمعي نتيجة سوء إدراته ووحشيتا”. وأضاف: “رفضت السلطات فتح تحقيقات شفافة في استخدام قوات الأمن القوة المفرطة والمميتة، والتعذيب، والاعتداء الجنسي، وغيرها من الانتهاكات الخطيرة. وبدلاً من ذلك ضغطت على عائلات الضحايا لعدم إقامة مراسم تأبين وعزاء عامة”. 
بل إنّ “العشرات من المدافعين عن حقوق الإنسان والصحافيين وأفراد الأقليات العرقية والدينية والمعارضين، يقضون أحكاماً طويلة بعد إدانتهم بتهم تتعلق بالأمن القومي في محاكمات جائرة للغاية”. فضلاً عن “المتظاهرين المعتقلين الذين ماتوا في ظروف مريبة”.
إذاً، تفجر التوحش السلطوي مقابل سخط قطاعات متفاوتة بإيران في ظل انعطافة “آيات الله” نحو تقليص شركاء الحكم عند القوى الأصولية العسكريتارية المقربة من المرشد الإيراني، تبدو مآلاته الحتمية في منحنى العنف المتنامي الذي لا خيار غيره بعدما استنفدت الوسائل الأخرى وفقدت مشروعيتها. 
وتتصاعد مؤشرات القمع العنيف بدرجة اتساع الهوة نفسها بين النظام والمواطن بفعل وطأة المعضلات الاجتماعية والحقوقية، وتغييب العدالة السياسية. وكلما تزايدت حدّة التناقضات، التي باعدت حتى بين القوى الإصلاحية والنظام بأجنحته الراديكالية المهيمنة على مفاصل السلطة في القضاء والرئاسة والبرلمان، تهتز الأرض تحت أقدام ملالي طهران، في حين تباشر بطشها لمقاومة ذلك الغضب العارم.
ديناميكيات السلطة في إيران، والتي كانت في فترات سابقة، لديها القدرة الوازنة على تأميم الصراعات وتهدئة تداعياتها، لم تعد اليوم بإمكاناتها وفعالياتها نفسها في ظل تتالي الإخفاقات على مستوى العلاقات بين النظام والمجتمع، والتعاطي مع النخبة، فضلاً عن وضع الاقتصاد، وإدارة العلاقات الخارجية. هذه التباينات القائمة كلها تكشف عن اتجاهات ناشئة نحو التغيير المحتمل، والذي هو بحاجة إلى اشتراطات لتعيينه في الواقع.
فالنظام يقوّض الإصلاحات، ويرفض التسامح مع المعارضة حتى لو هينة أو محدودة. بل يعمد، في أحيان كثيرة، إلى القمع الوقائي بغرض التخويف، وكذا منع تكرار الاحتجاجات ونقل العدوى الى مناطق أوسع. ولم يحتمل التهدئة مع الاحتجاجات التي أعقبت وفاة الفتاة الكردية – الإيرانية مهسا أميني على يد دورية “شرطة الأخلاق”.
فيما كانت مناورة، مؤقتة وتكتيكية، عندما ألغى النظام الإيراني شرطة الأخلاق، وأصدر قوائم العفو التي لم تشمل المعتقلين على خلفية نشاط سياسي واحتجاجي. فهذا المجتمع المدني، الحيوي والمتنوع، ثقافياً وقومياً ودينياً، يضج بنظام في شيخوخته أو بالأحرى يعاني من حمولة أيديولوجية مغلقة ومتعسفة.
ومع سوء الإدارة الاقتصادية، في فترة حكم إبراهيم رئيسي، وقد لامس مستوى التضخم حدود 46.7 في المئة، الأمر الذي تفاقم مع العزلة الدولية والعقوبات الأميركية والأوروبية، فإنّ انعكاساته الاجتماعية، ومنها هجرة الأدمغة الإيرانية، تؤزم الوضع مع السلطة الى درجة الانسداد. لكن اللافت، في ذلك كله، هو فقدان النظام الإيراني ركائز الحكم، كما يظهر من تصريحات مراجع شيعية في قم ضد تداعيات وأثر الوضع المعيشي للمواطن على الاستقرار السياسي لـ”الجمهورية الإسلامية”. ومن بين تلك المراجع التي عبرت عن مواقف مماثلة، آية الله علوي بروجردي آية الله مكارم الشيرازي، وآية الله علوي جرجاني، وآية الله نوري همداني. 
وفي المحصلة، فإنّ النخبة الحاكمة في إيران، تعلن من خلال استئناف القمع، كل فترة، وهي تتحضر لمرحلة ما بعد علي خامنئي وتأمين منصب “الولي الفقيه”، رفضها المرونة أو المهادنة وتقديم تنازلات لأي طرف، سواء للمعارضة أو الإصلاحيين، واعتبار بقائها في الحكم معركة وجودية.
حتماً، هذه ليست المرة الأولى التي ينتفض فيها الإيرانيون على “آيات الله” بسبب سياساتهم القمعية، وفرضهم نسخة متشددة من الأيديولوجيا الدينية التي تنتفع بها النخبة السياسية. بل اتبعت السلطة في إيران أسلوب التهدئة بشكل مؤقت لـ”تخدير المواطنين بعد الحراك القوي والمؤثر في أيلول/ سبتمبر العام الماضي”، وفق عادل الخزاعي نائب مدير مركز الرافدين الدولي للعدالة وحقوق الإنسان، مقره جنيف. 
يقول الخزاعي لـ”درج”، إنّ مناورات النظام الإيراني كلها باءت بـ”الفشل”، موضحاً أنّ “الغالب على هذا النظام، هو سوء الإدارة السياسية والأمنية والاقتصادية، والتي تؤدي بالمحصلة إلى ممارسات قمعية لا تسمح بهامش حرية في أيّ مجال ولدى أي قطاع”. 
يصنف النظام الإيراني الاحتجاجات الاجتماعية الشعبية، وفي مقدمها نشاطات الفنانين والنخبة الثقافية ضمن “المخاطر القصوى التي تهدد عرش الولي الفقيه”، يقول الخزاعي. ويردف: “تتخوف طهران من كسر الحواجز والجدران الصلبة التي شكلتها على مدار أربعة عقود، وسعت الى أن تكون وسيلة أو ضمانة استمرار الحكم بالجبرية الدينية والسياسية”. 
من خلال متابعة الأحداث داخل إيران، ورصد آراء وردود الفعل المختلفة داخل الأوساط الاجتماعية، فإنّ “المجتمع وصل الى ذروة الغضب بسبب انصراف النظام لدعايته التلفيقية بخصوص الحرب ضد ما يسميه قوى “الاستكبار العالمي”. وذلك فيما يعاني المواطن من أزمات ضخمة وأعباء اقتصادية وضغوط مجتمعية. 
على رغم أنّ الانتخابات في إيران غير ديمقراطية ولا يوجد حيز للاختيار بحرية، إلا أنّ بعض التمرد من المرشحين مثل حميد رسائي، المنافس الشرس لرئيس مجلس النواب في إيران محمد باقر قالبيقاف، والذي يعتبر الأقوى جرأة لانتقاد النظام، أشعل صراعاً سياسياً جديداً قبل الانتخابات، بحسب ما يوضح نائب مدير مركز الرافدين الدولي للعدالة وحقوق الإنسان. فيما يحاول النظام الاختباء من فشله بـ”إطلاق التهم من عينة الخيانة والعمالة لإسرائيل لكل من يشارك في الاحتجاجات السلمية. ووصلت الى إعدام أشخاص شاركوا في تظاهرة بسبب شح المياه في خوزستان. وهذا مؤشر إلى أنّ النظام لا يمتلك أيّ حلول سوى القتل والإعدام. ولم يعد لديه من خطاب قد يهدئ الشارع سوى القمع باعتباره جزءاً من عملية صنع “إمبراطورية الخوف”.


التعليقات