بعد تصاعد هجمات الحوثيين المدعومين من إيران على السعودية، أبدى وزير الخارجية التركي هاكان فيدان استعداد أنقرة لمساعدة المملكة في تلبية بعض احتياجاتها العسكرية، بموجب اتفاق الدفاع الثلاثي الذي يجمع البلدين إضافة إلى باكستان.
ويكتسب الموقف التركي أهمية خاصة، باعتباره أحد أبرز المؤشرات على إمكانية تفعيل اتفاق الدفاع المشترك، في وقت تتحرك الرياض في جميع الاتجاهات للحصول على دعم عسكري في مواجهة الحوثيين، مع اتساع نطاق هجماتهم، وإحكام سيطرتهم على مضيق باب المندب، وتهديدهم بمنع السفن السعودية من المرور.
ولم يستجب الرئيس الأميركي دونالد ترامب لمناشدات السعودية للحصول على دعم عسكري مباشر في مواجهة الحوثيين، الذين اتفقوا على وقف لإطلاق النار مع الولايات المتحدة العام الماضي بعد حملة قصف أميركي ضدهم استمرت لنحو شهرين، عقب هجماتهم على السفن في جنوبي البحر الأحمر.
وقال فيدان في تصريحات تلفزيونية: “هناك هجمات خطيرة جدا على وحدة أراضي السعودية وسيادتها. لدينا اتفاق تحالف، ونحن متضامنون بجدية في هذه النقطة.. ربما تكون لديهم بعض الاحتياجات العسكرية، وخاصة فيما يتعلق ببعض المسائل الفنية. ولن تكون لدينا أي مشكلة في تلبيتها”.
وبينما تشير التصريحات التركية إلى مساندة محتملة للسعودية في مواجهة الحوثيين، الذين تصنفهم واشنطن جماعة إرهابية، تبرز تساؤلات بشأن طبيعة هذه المساعدة، وإلى أي مدى يمكن أن تصل؟
يقول اللواء ركن طيار المتقاعد في الجيش السعودي، عبدالله غانم القحطاني، لـ”الحرة” إن التصريحات التركية تدل على أن اتفاق مكة “حقيقي، ويلزم أعضاءه بالوقوف في الخندق نفسه مع الدول الأخرى حينما تتعرض للاعتداء، أو حينما تكون بحاجة إلى المساعدة”.
وينص اتفاق الدفاع المشترك، الذي أطلق عليه اسم (اتفاق مكة) وجرى توقيعه الشهر الماضي بين السعودية وتركيا وباكستان، على أن أي هجوم مسلح على أي من الدول الثلاث سيُعتبر هجوما عليها جميعا.
وبعد أن اتهمت السعودية الحوثيين بمحاولة استهداف مكة المكرمة، وهو ما نفته الجماعة، قال وزير الدفاع الباكستاني خواجة آصف، إنه يعتقد أن الوضع وصل إلى مرحلة تستدعي تفعيل اتفاق الدفاع المشترك.
ومنذ إعلانهم فرض “حظر بحري” على السعودية في يوليو، شن الحوثيون هجمات على المملكة، استهدفت سفنا في البحر الأحمر، وطالت مدنا سعودية وبنية تحتية لقطاع الطاقة. ووصلت تلك الهجمات إلى الرياض السبت، حيث تم رصد ألسنة لهب وسحابة دخان كثيف قرب المطار الرئيسي في العاصمة.
ونددت تركيا بهجمات الحوثيين على الرياض، السبت، ودعت إلى وقفها فورا.
وفاقمت تلك التطورات المخاطر المرتبطة بإمدادات النفط العالمية، وعرّضت للخطر المسار البديل الرئيسي عبر البحر الأحمر لصادرات السعودية في ظل استمرار تعطل حركة المرور عبر مضيق هرمز.
وقال فيدان إنه “من غير المقبول جعل السعودية طرفا في الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، إذ لا رغبة لديها في الانخراط فيها.”
وتابع: “جرى تحمل هذه الأزمة حتى مرحلة معينة، لكن تداعياتها الاقتصادية بدأت تتجاوز الحد الممكن تحمله”.
يقول الدبلوماسي الأميركي السابق، جيمس جيفري، الذي كان سفيرا للولايات المتحدة في تركيا، إن أنقرة “تعرض خدماتها (على السعودية) بحذر بالنظر إلى أنها ترغب في المساعدة، من دون أن يؤثر ذلك على موقفها الحيادي المعلن.”
وترتبط تركيا بإيران بعلاقات سياسية واقتصادية، وتسعى إلى الحفاظ على قنوات اتصال مع طهران وتجنب الانخراط المباشر في الحرب الأميركية–الإيرانية.
واتفق محللون تحدثوا لـ “الحرة” على أن الجانب الأبرز الذي يمكن لأنقرة أن تساعد فيه، سيكون عبر قدرات الدفاع الجوي والحرب الإلكترونية والاستخبارات والتدريب الفني، دون أن يشمل ذلك بالضرورة نشر منظومة صواريخ.
وذكر تقرير لوكالة أسوشييتد برس، الأسبوع الماضي، أن مخزونات السعودية من الصواريخ الاعتراضية في تراجع كبير، ما دفع الرياض إلى طلب تعزيزات دفاع جوي من فرنسا وبريطانيا وباكستان ومصر.
ويستبعد الباحث التركي عمر أوزكيزيلجيك، الزميل الأقدم غير المقيم في المجلس الأطلسي، في تصريحات لـ”الحرة” تزويد تركيا للسعودية بصواريخ اعتراضية، لأن تركيا ليس لديها ما يكفي من أنظمة الدفاع الصاروخي لتلبية الاحتياجات المحلية، حسب تقديره.
وتبرز الخبرة العسكرية التركية في مجالات مثل تصنيع المسيرات القتالية، مثل طائرات “بيرقدار”، وأنظمة الدفاع القادرة على التشويش، وهي ما يمكن أن تساهم في تحييد هجمات الحوثيين بالطائرات المسيرة والصواريخ التي تستهدف السفن والمدن والمنشآت السعودية.
وكانت وزارة الدفاع التركية، قالت بعد توقيع اتفاق مكة إنه سيتم التخطيط لإجراء تدريبات عسكرية مشتركة تشمل القوات البرية والبحرية والجوية، بالإضافة إلى تنسيق الدفاع الجوي والأنظمة غير المأهولة، وتعميق التعاون في مجال الصناعات الدفاعية.
واستبعد أوزكيزيلجيك نشر قوات عسكرية تركية بشكل مباشر في السعودية، فالتحالف الدفاعي، حسب تعبيره، لا يزال حديث العهد، ولم تتم المصادقة عليه من قبل برلمانات الدول الثلاث، كما أن مؤسساته لا تزال في طور التأسيس.
وتبرِز الصفقات العسكرية السابقة التي أبرمتها الرياض وأنقرة المجالات التي يمكن أن تساهم فيها تركيا في مساعدة المملكة.
في 2023، وقع الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، وولي العهد السعودي صفقة لشراء طائرات “بيرقدار”، وهي صفقة وصفتها الشركة المصنعة بأنها أكبر عقد تصدير في مجالي الدفاع والطيران في تاريخ تركيا.
ويقول طه أوغلو، مدير القسم العربي في وكالة إخلاص التركية، إن أنقرة شهدت تطورا خلال الفترة الأخيرة، فيما يتعلق بمواجهة الطائرات المسيرة والصواريخ التي تطلق على مستويات منخفضة.
ويشير إلى شركات تركية، مثل “أسيلسان”، توفر أنظمة للتشويش وتقنيات إلكترونية متقدمة وقادرة على قطع الاتصال بالمسيرات أو تحييدها قبل دخولها المجال الجوي.
ويقول: “أعتقد أن هذه هي النقطة الأساسية التي يمكن العمل عليها خلال الأيام المقبلة بين الجانبين.”
ويرى أوزكيزيلجيك أن المساعدات التركية للسعودية يمكن أن تشمل تقديم معلومات استخباراتية ميدانية دقيقة، لكن المجال الأبرز، حسب تقديره، سيكون التصدي لمسيرات الحوثيين.