تقرير: ما مستقبل قطاع السياحة في دول الخليج بعد حرب إيران؟
يمن فيوتشر - DW- يوناس مارتيني: السبت, 14 مارس, 2026 - 08:56 مساءً
تقرير: ما مستقبل قطاع السياحة في دول الخليج بعد حرب إيران؟

نسفت حرب إيران السياحة في منطقة الخليج بقوة، بعدما انتعشت بشكل لافت في فترة ما بعد جائحة كورونا وحققت نموّاً هائلاً بمعدل لم تشهده أي منطقة أخرى في العالم. لكن ماذا بعد نشوب هذه الحرب، هل يعود القطاع إلى طبيعته؟
مئات الآلاف من المسافرين من جميع أنحاء العالم عالقون في المنطقة بعد الهجمات الأخيرة التي شنّتها الولايات المتحدة وإسرائيل على  إيران وردِّ الأخيرة عليها.
أدى إغلاق المجال الجوي فوق شبه الجزيرة العربية على نطاق واسع إلى تقطع السبل بالسياح والمسافرين من رجال الأعمال في المنطقة. كما أثرت الاضطرابات في حركة الملاحة البحرية في مضيق هرمز على السفن السياحية التي كانت لا تزال تبحر في الخليج. هذه الاضطرابات وغيرها تتسبب وفقا لما نشرته صحيفة فاينشال تايمز الأمريكية في خسائر تبلغ نحو 600 مليون دولار يوميا، استنادا لتقديرات المجلس العالمي للسياحة والسفر.
"الأزمة الحالية هي صدمة كبيرة للبلدان المتضررة في المنطقة"، يقول هانس هوبفينغر، أستاذ الجغرافيا الثقافية في الجامعة الكاثوليكية بإنغولشتات الألمانية، وكان قد أجرى أبحاثا حول تطور  السياحة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. ويقول اليوم إنه "لم تشهد دبي وإمارات أخرى أبدا هجمات إرهابية مثل تلك التي وقعت في مراكز السياحة"، ما أطاح بصورتها التي ترسخت في السنوات الأخيرة بكونها ملاذات سياحية آمنة.

 

"إحدى أسرع المناطق السياحية نموا في العالم"

وكان "الشرق الأوسط أحد أسرع المناطق السياحية نموا في العالم"، وفقا لمنظمة السياحة التابعة للأمم المتحدة. ففي العام الماضي وصل عدد المسافرين الدوليين لأول مرة إلى ما يقرب من 100 مليون مسافر إلى المنطقة التي تشمل كلاًّ من مصر والأردن وقطر والمملكة العربية السعودية. وهو ما يمثل زيادة بنسبة 39 في المائة مقارنة بالفترة ما قبل جائحة كورونا. معدل نمو لم تشهده أي منطقة أخرى في العالم منذ ذلك الحين.
ويوضح مطار دبي الدولي، الذي تطور في السنوات الأخيرة ليصبح محورا عالميا، الحجم الذي وصلت إليه صناعة السفر، لا سيما في دول الخليج. وحسب بياناته الخاصة استقبل المطار في عام 2025 أكثر من 95 مليون مسافر دولي وهو رقم لم يسبق له مثيل ولم يسجله أي مطار آخر في العالم. في الوقت نفسه سجلت الإمارة رقما قياسيا جديدا في عدد الزوار بلغ ما يقرب من 20 مليون سائح للسنة الثالثة على التوالي.
ويعزى هذا النجاح في المقام الأول إلى التخطيط البعيد النظر، حسب هانس هوبفينغر: "تم إدراك أن الابتعاد عن الاعتماد على النفط والغاز هو عنصر استراتيجي للتميز الاقتصادي". وبهذه الطريقة كانت دبي أول إمارة تضع خطة رئيسية في وقت مبكر لتعزيز السياحة التسوقية وبطولات الغولف وغيرها من الأحداث الرياضية الكبرى، وكذلك  السياحة الثقافية. وفي الوقت الحالي قامت دول خليجية أخرى بإعادة النظر في سياساتها.

 

السعودية ـ بداية متأخرة لكن قوية

"لم تكن الدول الغنية بالنفط والغاز الطبيعي بحاجة إلى الاعتماد على السياحة لفترة طويلة"، يوضح هوبفينغر. على عكس الدول التي لا تمتلك موارد طبيعية مهمة. لذلك استثمرت مصر وتونس والأردن والمغرب وعمان في السياحة في وقت مبكر. أما السعودية فهي لم تصدر تأشيرات سياحية إلا منذ عام 2019. وتسعى المملكة من خلال استراتيجيتها  "رؤية 2030" التي تنص على استثمارات بمليارات الدولارات في مشاريع ضخمة متنوعة، إلى الصعود إلى مصاف الوجهات السياحية العالمية الرائدة. والهدف هو أن تستقبل السعودية وحدها 70 مليون سائح دولي سنويا بحلول عام 2030 على أبعد تقدير.
ويقول هوبفينغر إن ما يجذب الزوار إلى دول الخليج العربية هو تنوع العروض السياحية. تتراوح هذه العروض بين المعابد التاريخية والمدن الحديثة الضخمة بفنادقها ومراكز التسوق والمتاحف الرائعة. تضاف إلى ذلك الأحداث الكبرى مثل سباقات الفورمولا 1. كما ساهمت بطولة كأس العالم لكرة القدم في قطر 2022 ومعرض إكسبو في دبي 2021 في تعزيز صورة الوجهة السياحية بشكل كبير. وتضم  المملكة العربية السعودية أيضا مكة المكرمة والمدينة المنورة، وهما من أهم مزارات الحج في الإسلام وتجذبان ملايين المؤمنين كل عام.

 

من المتوقع تغيير وإلغاء حجوزات

بالنسبة للجهود الرامية إلى تعزيز السياحة في المنطقة تمثل حرب ايران الآن انتكاسة كبيرة، ومن المتوقع تغيير وإلغاء حجوزات بشكل واسع. ويقول هوبفينغر إن الوضع الأمني في الشرق الأوسط لم يكن مستقرا أبدا: "تشهد المنطقة منذ عقود صراعات خطيرة". ويتوقع ممثلو قطاع السياحة أن تتحول حجوزات السفر في الأشهر المقبلة إلى المناطق السياحية التقليدية مثل منطقة البحر الأبيض المتوسط.
ويوضح مارتن لومان من جمعية أبحاث العطلات والسفر، الذي يدرس منذ سنوات عديدة دوافع المسافرين، أن المدة التي سيستغرقها انتعاش السياحة الدولية في البلدان المتضررة بعد عودة الوضع إلى طبيعته تعتمد على عدة عوامل. ويوضح أن ذلك سيحدث بسرعة أي في غضون أسابيع قليلة في حالة زوال المخاطر وسلامة البنية التحتية والحفاظ على عوامل الجذب النموذجية: "يمكنني أن أتخيل ذلك بالنسبة للإمارات العربية المتحدة".
لكن في البداية يتعين الآن نقل السياح العالقين إلى بر الأمان. وتبذل شركات تنظيم الرحلات السياحية على وجه الخصوص جهودا لنقل ضيوفها جوا. وقد تمكنت بعض الطائرات من الإقلاع مرة أخرى في الأيام الماضية. لكن في ظل الوضع غير المستقر من المرجح أن يستغرق الأمر عدة أيام حتى يعود جميع المسافرين إلى أوطانهم.


التعليقات