تقرير: هل دخلت الجزائر على خط الخلاف بين الرياض وأبوظبي؟
يمن فيوتشر - الحرة- سكينة المشيخص: الاربعاء, 11 فبراير, 2026 - 05:17 مساءً
تقرير: هل دخلت الجزائر على خط الخلاف بين الرياض وأبوظبي؟

ألغت الجزائر اتفاقية النقل الجوي مع الإمارات، في خطوة بدت أقرب إلى رسالة سياسية منها إلى إجراء إداري. وجاء القرار، السبت الماضي، بعد أيام من مقابلة للرئيس عبد المجيد تبون على التلفزيون الرسمي، تحدث فيها بلهجة حادة عن خلاف مع ما سماها “دولة أو دويلة” تحاول العبث باستقرار بلاده، وقال محذرا: “لا تجعلونا نندم على اليوم الذي عرفناكم فيه”.
في الجزائر، لم يكن هناك كثير من الالتباس حول الدولة المقصودة.
في المقابلة ذاتها، حرص تبون على رسم خط فاصل بين أبوظبي والرياض. وصف العلاقات مع السعودية بأنها “أكثر من قوية”، وأضاف: “ما يمسهم يمسنا”.
جاءت العبارة في وقت يعرف فيه المتابعون حجم التباين بين السعودية والإمارات في ملفات إقليمية، من بينها اليمن.
التوتر بين الجزائر وأبوظبي لم يبدأ هذا الشهر. لكنه خرج الآن إلى العلن. وما يجري لا يبدو مجرد خلاف بين عاصمتين. خلال السنوات الماضية، ظهرت المنافسات الخليجية في اليمن ثم في السودان. اليوم، تتحرك خطوط التماس نحو شمال أفريقيا والساحل. الجزائر ترى تلك المنطقة امتدادا مباشرا لأمنها. أي وجود خارجي هناك يُقابل بحساسية عالية. في المقابل، وسّعت الإمارات حضورها خارج الخليج، من القرن الأفريقي إلى السودان. هذا التمدد، في نظر الجزائر، يمسّها بشكل مباشر.
خلال الأشهر القليلة الماضية، ارتفعت نبرة الخطاب الناقد للإمارات في الجزائر، وتوسعت إلى قرارات عملية. السؤال الآن ليس فقط ماذا حدث، بل إلى أين يتجه هذا المسار: هل نحن أمام امتداد لصراعات خليجية إلى جغرافيا جديدة؟
يقول الإعلامي الجزائري أحمد حفصي إن الموقف الجزائري من سياسات الإمارات هو موقف سيادي، لا يخضع للتجاذبات ولا للإملاءات، ولا لما يسميه “معارك كسر العظام الدائرة في منطقة الخليج والشرق الأوسط”، رغم تشابك الأحداث السياسية والأمنية وتداعياتها حول العالم.

يقول حفصي إن الجزائر كانت سبّاقة إلى كشف ما تصفه بـ”مناورات ومؤامرات أبوظبي”، وأدانت علنا “سلوكيات إماراتية عدائية” تمس أمنها القومي وشؤونها الداخلية. ويرفض توصيف ما يجري كامتداد لصراع نفوذ من الخليج إلى شمال أفريقيا، معتبرا أن أسباب الصدام بين البلدين مختلفة في طبيعتها وسياقها.
ووفقا لحفصي، فإن التوتر القائم بين الإمارات وعدد من العواصم العربية يُنظر إليه في الجزائر على أنه دليل على صحة تحذيراتها السابقة من سياسات إقليمية تراها عدائية.

لم تتجه العلاقات بين الجزائر والإمارات نحو مستوى التوتر الحالي بشكل مفاجئ، بل جاءت نتيجة مسار متدرج من الخلافات التي تصاعدت على مراحل قبل أن تخرج إلى العلن في شكل مواجهات سياسية وإعلامية وقرارات رسمية مباشرة. هذا المسار التصاعدي انتهى بوضع العلاقات الثنائية في مأزق غير مسبوق، مع تبادل اتهامات علنية واحتدام الخلاف حول التوجهات والسياسات.
يقول أحمد حفصي إن جذور هذا التوتر تعود الى عام 2019 خلال الانتخابات الرئاسية الجزائرية، حين برزت اتهامات موجهة لأبوظبي بمحاولة التأثير في العملية الانتخابية ودعم أحد منافسي الرئيس عبد المجيد تبون، وهو ما عاد تبون نفسه لتأكيده لاحقا بالحديث عن محاولات تدخل طالت استحقاقي 2019 و2024.
وبقي الخلاف، في بداياته، ضمن إطار غير معلن، قبل أن يخرج إلى الواجهة في سبتمبر 2020 عندما انتقد اتفاقات أبراهام ووصف التطبيع مع إسرائيل بـ”الهرولة”.
وهاجم مقربون من سلطات الإمارات الجزائر ورئيسها. ومع مرور الوقت تعاظم التوتر وأصبح أكثر حدة، سياسيا وإعلاميا.
ففي سبتمبر 2023 تحدث تبون عن قيام “دولة شقيقة” بضخ أموال لإثارة الفتن في عدد من الدول، واتهمت تقارير إعلامية، بعد ذلك، الإمارات بالسعي لمحاصرة الجزائر إقليميا، والإضرار بعلاقاتها مع دول الساحل، إضافة الى دعم المغرب بوسائل تجسس، وفقا لحفصي.
يؤكد حفصي أن التطورات الأخيرة بين الجزائر وأبوظبي لا تنفصل عن الموقف الرسمي الجزائري الذي عبّر عنه الرئيس عبدالمجيد تبون بوضوح. ويشير إلى أن الجزائر طرحت مرارا فرصا للتهدئة عبر قنوات مباشرة وأطراف ثالثة، بل حاولت لعب دور الوسيط، بما في ذلك خلال لقاء تبون بمحمد بن زايد، رئيس الإمارات، على هامش قمة السبع في إيطاليا، حيث حملت الرسائل الجزائرية تحذيرات من التصعيد إذا استمرت ما تصفه بـ”المناورات الإماراتية”.
ويخلص إلى أن ما تلا ذلك عكس، من منظور الجزائر، تجاوزا للخطوط الحمراء، ما أدخل العلاقات مرحلة شديدة الحساسية، وسط قناعة لدى صانع القرار بأن العلاقات بلغت نقطة اللاعودة، في ظل اعتبار أبوظبي دولة تؤدي أدوارا بالوكالة في ملفات إقليمية.
جاءت ردة الفعل الإماراتية على إلغاء الجزائر اتفاقية النقل الجوي هادئة، عبر بيان للهيئة العامة للطيران المدني أكد أن الإخطار يندرج ضمن الآليات القانونية للاتفاقيات الثنائية والدولية، ولا يترتب عليه أثر فوري على الرحلات بين البلدين. وأوضح أن الاتفاقية تظل سارية خلال المهلة المحددة، وأن العمليات مستمرة بشكل طبيعي، مع استمرار التنسيق عبر القنوات الرسمية وفق الأطر القانونية والدبلوماسية المعتمدة.
ويرى الكاتب الإماراتي عبدالعزيز المعمري أن التوتر يعكس سوء فهم لدور الإمارات الإقليمي، مؤكدا أنها تتحرك بمنطق التنمية والشراكات والاستثمار لا الصراع.
ويعتبر أن الاحتكاك، إن وُجد، هو اختلاف في الرؤية، بين من يرى الحضور الاقتصادي نفوذا سياسيا ومن يراه تعاونا. ويضيف أن الخلافات طبيعية لكن جرى تضخيمها إعلاميا.
في المحصلة، يبدو أن الخلاف بين الجزائر والإمارات جاء ضمن سلسلة أدوار اقليمية مثيرة للجدل لعبتها أبوظبي، ولا تزال متهمة بلعبها، سواء في اليمن ومرورا بالسودان وليبيا وانتهاء بالقرن الأفريقي. وتنفي الإمارات بشكل متكرر صحة الاتهامات الموجهة إليها بتأجيج صراعات في المنطقة. 


التعليقات