اقتصاد: أزمة السيولة تنعش المحافظ الإلكترونية في اليمن
يمن فيوتشر - العربي الجديد- محمد راجح: السبت, 11 يوليو, 2026 - 04:24 مساءً
اقتصاد: أزمة السيولة تنعش المحافظ الإلكترونية في اليمن

تستمر المحافظ المالية الإلكترونية في الظهور والانتشار بشكل لافت في صنعاء ومختلف المدن اليمنية، ما يجعلها تحل بشكل تدريجي محل الكاش، في ظل تفاقم أزمة السيولة من العملة المحلية، التي تتلاشى بشكل كبير من الكتلتين النقديتين القديمة والجديدة، المتداولتين في مناطق نفوذ سلطة صنعاء والحكومة المعترف بها دوليا. ويحصي "العربي الجديد" ظهور ما بين 8 و10 محافظ مالية إلكترونية، منها محفظة أو محفظتان فقط فاعلتان بشكل واسع، وتستخدمان في التداول النقدي بمختلف التعاملات في الأسواق والمتاجر والمحال التجارية، وحتى في عملية دفع أجور المواصلات على مستوى التنقل بين المدن، التي تبلغ أجرة المشوار فيها مبلغا ضئيلا، بنحو 100 ريال، كما هو محدد في صنعاء، فيما تبلغ في عدن ضعف هذا المبلغ بسبب تباعد المسافات بين مناطق وأحياء المدينة.
وأوضح المصرفي اليمني علي التويتي، لـ"العربي الجديد"، أن المحافظ الإلكترونية حلت أزمة السيولة بشكل كبير، ولولا ظهورها لاختنق السوق بشكل تام، وبطريقة كانت ستدفع السلطات إلى طباعة أوراق نقدية من الفئات الكبيرة، 1000 و500 ريال، في صنعاء، التي أقدمت العام الماضي على طباعة أوراق نقدية جديدة من فئة 200 ريال، وسك عملات معدنية قبل ذلك من فئتي 100 و50 ريالا بدلا من الأوراق التالفة.
وأشار التويتي إلى أن عدد المحافظ يتزايد بشكل كبير، إذ إن هناك نحو 9 محافظ تعد الأشهر والأكثر انتشارا، وقد يصل العدد إلى أكثر من 15 محفظة، لكن المثير للاستغراب والتساؤل، بحسب التويتي، هو حجم الأموال الموجودة في هذه المحافظ، والذي قدره بأنه ضخم جدا، وقد يتجاوز 100 مليار ريال في محفظة واحدة مثل "جيب". وأكد أن عدد تحميلات المحفظة تجاوز المليون، في حين لو تم احتساب نصف هذا العدد مستخدمين فعالين، بمتوسط 200 ألف ريال في الحساب الواحد، فإن الناتج سيتجاوز 100 مليار ريال، لافتا إلى وجود محافظ أخرى أقل حجما، بالرغم من احتوائها على مليارات الريالات.

غير أنها تثير القلق والعديد من التساؤلات بسبب تزايد عددها، بطريقة جعلت الكثيرين يتوقفون للبحث عن جدواها المالية وأسباب ظهورها وانتشارها، في ظل منافسة شرسة بينها، مع تزايد حركة الأموال فيها. ويأتي ذلك بالتزامن مع قرارات مالية ومصرفية اتخذتها مصارف وبنوك وشبكات وشركات مالية ومصرفية للتعامل مع أزمة السيولة والأوراق النقدية التالفة في صنعاء ومناطق نفوذ الحوثيين، إذ أقدمت العديد منها، والفاعلة بشكل كبير في التعاملات المالية والمصرفية، على تحديد سقف يومي للسحب من الصرافات الآلية، بدأ العمل به منذ مطلع مايو/أيار 2026، في خطوة فاجأت المتعاملين مع هذه المؤسسات المصرفية، ولا سيما مصرف الكريمي، الذي يواصل تشغيل صرافاته الآلية في مختلف المدن اليمنية.
وبخصوص مدى كونها محافظ مالية آمنة، أوضح التويتي أنها توفر مستوى مناسبا من الأمان من حيث الحماية من الاختراقات، لكن يظل الأمر ينطوي على نوع من المخاطرة غير المحسوبة عند وضع مبالغ مالية كبيرة في حساب المحفظة. وأكد أن الأفضل هو إيداع المبلغ الذي يحتاجه الشخص فقط في تعاملاته اليومية الضرورية، لأن البلاد تمر بظروف مقلقة، ولا تزال تجربة عام 2015 المريرة مع البنوك ماثلة في الأذهان.
يأتي ذلك في الوقت الذي يسود فيه تذمر واعتراض من قبل مواطنين ومتعاملين في الأسواق على التوجه نحو تقنين السحب من الصرافات الآلية، التي توفر أوراقا نقدية سليمة من فئة 1000 ريال، مقارنة بما يتم التعامل به داخل المصارف من قبل الموظفين في التبادلات النقدية، حيث يجري التعامل بالأوراق النقدية التالفة، التي أصبحت تشمل أيضا الفئتين الكبيرتين، 500 ريال و1000 ريال، واللتين يلاحظ تصاعد وتيرة تلفهما خلال الفترة الماضية.
وحددت مصارف، مثل مصرف الكريمي، السحب اليومي من الصرافات الآلية بمبلغ 30 ألف ريال، وهو الأمر الذي فاجأ الكثير من المتعاملين مع المصرف، في حين تتفاوت إجراءات بنوك ومصارف أخرى بين تعطيل صرافاتها الآلية بشكل نهائي، والاعتماد على السحب من البنك عبر موظفيها، أو تقليص عدد الصرافات وفتح خدمة تحويلات تتيح التعامل مع مختلف شبكات الصرافة والتحويلات، مثل بنك التضامن، أكبر البنوك اليمنية، إضافة إلى وضع صرافات آلية في الجهات الخاصة التي تصرف عبره رواتب موظفيها.

وعبر مواطنون في صنعاء، في أحاديث متفرقة لـ"العربي الجديد"، عن مفاجأتهم بالسقف اليومي المحدد للسحب من الصرافات الآلية. ومن بينهم المواطن وديع الشوافي، الذي كان يحاول إدخال بطاقة الصراف الآلي في أحد فروع مصرف الكريمي بصنعاء دون جدوى، بعد أن أنهى أول عملية سحب بأكبر مبلغ محدد في شاشة العرض أمامه، معتقدا أن هناك خللا في النظام أو عطلا في الصراف الآلي، وفق حديثه لـ"العربي الجديد". فيما أكد موظفون في المصارف التي اتخذت هذا القرار أن السقف اليومي يقتصر فقط على الصرافات الآلية.
من جانبه، أفاد المواطن سامي عبد الحميد، لـ"العربي الجديد"، بأن الأوراق النقدية التي يتسلمها المواطنون من المصارف وشركات الصرافة والتحويلات، ويجري التعامل بها، أصبح أغلبها تالفا وممزقا، مع امتداد هذه المشكلة أخيرا إلى الفئة 500 ريال، وجزء كبير من الفئة 1000 ريال. وهو الأمر الذي يقلل من القيمة الفعلية للمبالغ التي يتسلمها المواطن، إذ لا يستطيع هو وغيره تمرير بعض هذه الأوراق النقدية بسبب رفضها في التعاملات اليومية، خاصة الأوراق المقطعة من الجانبين، أو التي لا تحمل أرقاما واضحة، أو الممزقة بشكل كبير، أو التي تختلف أرقامها بين وجهي الورقة النقدية.
وقال المصرفي اليمني علي التويتي، لـ"العربي الجديد"، إن السبب الرئيسي لفرض المصارف والبنوك سقفاً للسحب من الصرافات الآلية هو تلف العملة وتمزقها، مضيفاً: "لكي تغذي الصراف الآلي، تحتاج إلى فرز النقود واستخراج الأوراق السليمة التي يستطيع الصراف الآلي التعامل معها، بينما لا تمثل الكتلة النقدية السليمة، وفق تقديرنا، سوى 10% فقط، مقارنة بالأوراق التالفة".
وأقدمت مصارف يمنية، مثل مصرف الكريمي، مع اشتداد الصراع على نقل البنوك بين عدن وصنعاء، على اتخاذ خطوات لافتة، تمثلت في فصل أنظمة عملها لتعمل وفق نظامين مختلفين في مناطق إدارة الحكومة المعترف بها دوليا ومناطق نفوذ الحوثيين، إذ كان الانقسام النقدي، ووجود سعرين مختلفين لصرف العملة، من أهم الأسباب التي دفعت هذا المصرف إلى اتخاذ مثل هذا القرار المبكر. ويبلغ سعر صرف الدولار  في عدن نحو 1590 ريالا، مقابل 533 ريالا في صنعاء، في حين لم يسعف الوقت بنوكا ومصارف أخرى لاتخاذ مثل هذه الخطوات، أو تنفيذ إجراءات أخرى تجنبها تبعات الانقسام النقدي، وقرارات نقل المراكز الرئيسية، والعقوبات التي طاولت القطاع المصرفي.


التعليقات