اليمن: أصول مصرفية للبيع في مزادات الحوثيين
يمن فيوتشر - العربي الجديد- محمد راجح: الجمعة, 15 مايو, 2026 - 03:48 مساءً
اليمن: أصول مصرفية للبيع في مزادات الحوثيين

شكلت الإعلانات الصادرة عن المحكمة الجزائية الابتدائية المتخصصة في العاصمة صنعاء صدمة مدوية داخل أروقة القطاع المصرفي في اليمن، وذلك عقب إعلانها رسمياً تنظيم مزادات علنية لبيع مساحات واسعة من الأراضي والعقارات المملوكة لبنك التضامن الإسلامي الدولي، الذي يتصدر قائمة أكبر البنوك التجارية في البلاد.
وتأتي هذه الخطوة التصعيدية في توقيت بالغ الحساسية، حيث يعيش الجهاز المصرفي اليمني تحت وطأة سلسلة من الأزمات المتلاحقة التي عصفت باستقراره، وكانت أشدها تلك الأزمة التي اندلعت في أعقاب قرار البنك المركزي اليمني في عدن بنقل المراكز الرئيسية للبنوك من صنعاء إلى العاصمة المؤقتة عدن في مارس/ آذار من العام الماضي 2025، وهو القرار الذي ألقى بظلال قاتمة على قدرة البنوك في الحفاظ على توازنها بين سلطتين متصارعتين.
لقد مثل قرار نقل المراكز الرئيسية مرحلة مفصلية وخطيرة في الصراع الدائر على المستوى المالي والمصرفي، إذ وجدت المؤسسات المالية نفسها أمام ضغوط غير مسبوقة وتنازع في الولاية القانونية. وبينما حاولت بعض البنوك الاستجابة لقرار عدن لتجنب العزلة الدولية وسحب التراخيص، واجهت في المقابل تهديدات مباشرة من سلطات صنعاء التي مارست ضغوطاً للبقاء تحت سيطرتها وإبقائها ضمن نطاق نفوذها المالي.
وفي خضم هذا التجاذب، تفاوتت قدرة المصارف على الصمود؛ فبينما نجح مصرف الكريمي، الذي يمتلك أوسع شبكة انتشار في اليمن، في ابتكار حلول تقنية تمثلت بفصل نظام عمله والعمل بنظامين مختلفين يتناسبان مع واقع الانقسام في عدن وصنعاء، وجدت بنوك كبرى أخرى نفسها في موقف لا تحسد عليه، مثل بنك اليمن الدولي وبنك اليمن والكويت الاستثماري، حيث تعثرت بين مطرقة العقوبات التي قد تفرضها الخزانة الأميركية وسندان احتجاز ودائعها وأصولها في صنعاء، وهو ما برر به بنك اليمن الدولي أزماته المالية الخانقة التي جعلته يقف أخيراً على حافة الإفلاس التام.
وبعد فترة من الهدوء الحذر، عادت هذه الأزمة لتتصدر المشهد مجدداً عبر بوابة القضاء في صنعاء، حيث استهدفت المزادات المعلنة أراضي حيوية تابعة لبنك التضامن الإسلامي الدولي تقع في منطقتي حزيز والسواد جنوبي العاصمة. هذا الإجراء دفع البنك المركزي اليمني في عدن إلى إصدار تحذير عاجل وشديد اللهجة للمواطنين والشركات والمؤسسات الاعتبارية من التورط في هذه المزادات. وأكد مركزي عدن أن أي تعامل مع هذه الإعلانات يعد انخراطاً في إجراءات غير قانونية تستهدف نهب ممتلكات القطاع المصرفي.
وفي تحليل لمخاطر هذه الخطوة، يرى أستاذ العلوم المالية بجامعة حضرموت، وليد العطاس، أن هذه العملية تمثل منعطفاً خطيراً يؤدي إلى ضياع حقوق المؤسسات الاقتصادية وحقوق المواطنين المودعين على حد سواء. ويشير العطاس إلى أن قرار البنك المركزي في عدن بنقل البنوك، رغم استراتيجيته، جاء متأخراً جداً ولم يرافق بوضع سيناريوهات كافية للتعامل مع ردود الفعل القاسية التي قد تصدر عن صنعاء، وهو ما وضع البنوك أمام خيارات مريرة.
ورغم ذلك، يرجح العطاس أن هذه المزادات قد لا تجد إقبالاً من المواطنين الذين يدركون ملكية البنوك لهذه الأراضي، معتبراً أن الهدف الأساسي من هذه الخطوة قد يكون سياسياً وإعلامياً يهدف إلى إثارة الجدل والضغط على المصارف التي قررت نقل مراكزها أو عملياتها إلى عدن.
على الجانب الآخر، تبرز وجهات نظر منتقدة لموقف البنك المركزي في عدن، حيث يرى الخبير الاقتصادي رشيد الحداد، أن بيان عدن لا يعدو كونه محاولة لتسجيل حضور إعلامي لا أكثر، منتقداً تدخل البنك في قضية يرى أنها من شأن جمعية البنوك في صنعاء. ويذهب الحداد إلى أن هذا التصعيد يأتي في وقت يفشل فيه البنك المركزي في عدن في إدارة الملفات المعيشية وضبط السيولة في المناطق الجنوبية، معتبراً أن بنك التضامن يمتلك من القدرات القانونية ما يمكنه من الدفاع عن أصوله دون الحاجة لتدخلات سياسية تزيد من تعقيد المشهد المصرفي المتأزم أصلاً بفعل السياسات النقدية المتضاربة.
إلا أن الخبير الاقتصادي وحيد الفودعي يذهب إلى أبعد من ذلك، معتبراً أن بيع أصول البنوك يمثل تهديداً وجودياً لجوهر الثقة في النظام المصرفي اليمني. ويؤكد الفودعي أن تحويل أصول البنوك، التي هي في الأساس ضمانة للمودعين والمساهمين، إلى ورقة ضغط في الصراع السياسي، يفتح الباب أمام مصادرة الملكية الخاصة على نطاق واسع، ما قد يثير حالة من الهلع بين المودعين ويدفعهم إلى السحب الجماعي للأموال، وهو ما سيعمق عزلة اليمن عن النظام المالي العالمي والمراسلين الدوليين. ويحذر الفودعي المستثمرين من أن المشاركة في هذه المزادات قد تضعهم تحت طائلة قوانين مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، خصوصاً في ظل تصنيف الحوثيين منظمة إرهابية دولية، ما يعرضهم للعقوبات المحلية والدولية.
وفي ظل هذه القراءات المتضاربة، يبدو أن الصراع المصرفي اليمني قد دخل مرحلة "تكسير العظام"، حيث لم يعد الصراع مقتصراً على القرارات الإدارية، بل امتد ليمسّ الأصول العينية والعقارية التي تشكل الركيزة الأخيرة لاستدامة البنوك.


التعليقات