اقتصاد: حرب إيران تهز أسواق الطاقة العالمية.. أكبر صدمة إمدادات منذ عقود
يمن فيوتشر - مودرن دبلوماسي- سنا خان - ترجمة خاصة الاربعاء, 22 أبريل, 2026 - 02:00 مساءً
اقتصاد: حرب إيران تهز أسواق الطاقة العالمية.. أكبر صدمة إمدادات منذ عقود

أدى الصراع المستمر الذي تشارك فيه الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران إلى ما يصفه محللون بأنه أكبر اضطراب في إمدادات النفط والغاز في التاريخ الحديث. ويعود اتساع نطاق هذه الأزمة بشكل كبير إلى إغلاق مضيق هرمز، الذي يُعد شريانًا حيويًا للتجارة العالمية في مجال الطاقة.

وبحسب وكالة الطاقة الدولية، فإن الوضع الراهن يمثل أشد أزمة طاقة عالمية عند احتسابه مع التداعيات المستمرة لأزمة الغاز الأوروبية عام 2022، التي أعقبت الغزو الروسي لأوكرانيا.

وقد أعاد هذا الاضطراب إحياء المقارنات مع صدمات طاقة سابقة، من بينها حظر النفط عام 1973، والثورة الإيرانية، وحرب الخليج.

 

• صدمة أوسع وأكثر تعقيدًا

على خلاف الأزمات السابقة، لا يقتصر الاضطراب الراهن على النفط الخام فحسب، بل يمتد ليشمل في الوقت ذاته الغاز الطبيعي، والغاز الطبيعي المُسال، والوقود المُكرر، وحتى سلاسل إمداد الأسمدة.

ويعكس ذلك التحول العميق الذي شهدته أسواق الطاقة العالمية خلال العقود الأخيرة؛ إذ أدى تزايد الاعتماد المتبادل، وارتفاع الطلب، واتساع دور الشرق الأوسط في تصدير الوقود المُكرر، إلى خلق مواطن هشاشة جديدة.

وتؤدي المصافي الكبرى في منطقة الخليج اليوم دورًا محوريًا في تزويد أسواق أوروبا وآسيا وأفريقيا بوقود الطائرات والديزل. كما أن توقف جزء كبير من إنتاج الغاز الطبيعي المُسال في قطر يبرز حجم الاضطراب بصورة أوضح، لا سيما في ظل الاعتماد العالمي المتزايد على الغاز مقارنة بما كان عليه الحال في القرن العشرين.

 

• حجم فقدان الإمدادات

أفضت الأزمة الحالية إلى ذروة في فقدان الإمدادات تجاوزت 12 مليون برميل يوميًا، وهو ما يعادل نحو 11.5% من الطلب العالمي على النفط.

 

ويتجاوز هذا المستوى ذروات الاضطرابات السابقة، بما في ذلك:

* 4.5 ملايين برميل يوميًا خلال أزمة حظر النفط عام 1973.

* 5.6 ملايين برميل يوميًا خلال الثورة الإيرانية.

* 4.3 ملايين برميل يوميًا خلال حرب الخليج.

وبمقياس التأثير اليومي المباشر، تمثل حرب إيران أكبر صدمة في إمدادات النفط تم تسجيلها على الإطلاق.

 

• المدة والتأثير التراكمي

رغم أن الاضطراب اليومي غير مسبوق، فإن الخسائر التراكمية عبر الزمن تتيح إجراء مقارنة أكثر دقة.

فقد أدى الصراع الحالي، الذي استمر نحو 52 يومًا، إلى سحب ما يُقدَّر بـ624 مليون برميل من الإمدادات العالمية، وهو ما يضعه تقريبًا على قدم المساواة مع إجمالي الخسائر خلال حظر النفط عام 1973، التي تراوحت بين 530 و650 مليون برميل.

غير أن الثورة الإيرانية أسفرت عن خسائر تراكمية أكبر بكثير على مدى فترة أطول؛ إذ أدت تراجعات الإنتاج في إيران بين عامي 1978 و1981 إلى فقدان يُقدَّر بأكثر من 4 مليارات برميل، رغم أن جزءًا من هذه الخسائر جرى تعويضه بزيادة الإنتاج من دول مجاورة.

ويكمن أحد الفوارق الجوهرية اليوم في أن كبار المنتجين، مثل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، غير قادرين على تعويض النقص في الإمدادات، نتيجة تعطل مسارات الشحن عبر مضيق هرمز.

 

• التأثير الإقليمي وتحولات السوق

تجلّت الآثار الفورية للأزمة الحالية بصورة أوضح في آسيا وأفريقيا، حيث بدأت مظاهر نقص الوقود بالظهور. ويختلف ذلك عن أزمات سابقة، مثل حظر النفط عام 1973، التي أثّرت بشكل كبير على الولايات المتحدة والاقتصادات الغربية، وأدت إلى نقص ملحوظ واصطفاف طوابير طويلة أمام محطات الوقود.

كما شهد توزيع الطلب العالمي على الطاقة وسلاسل الإمداد تحولات كبيرة منذ ذلك الحين، ما غيّر طبيعة التأثيرات ومناطق تمركزها عند وقوع مثل هذه الاضطرابات.

 

• مقارنة مع الأزمات الحديثة

أدّت صدمة الطاقة التي أعقبت الغزو الروسي لأوكرانيا إلى اضطراب الأسواق العالمية، لا سيما في أوروبا. غير أن حجم فقدان الإمدادات كان أقل بكثير، إذ تراجع إنتاج النفط الروسي بنحو مليون برميل يوميًا في ذروته.

وعلى خلاف الأزمة الراهنة، تمكّنت روسيا من إعادة توجيه صادراتها للحد من التداعيات طويلة الأمد، وهو ما أسهم في تقليص الخسائر التراكمية.

 

• تحليل

تُعد صدمة الطاقة الناجمة عن حرب إيران حالة استثنائية مقارنة بالأزمات السابقة، سواء من حيث الحجم أو النطاق أو التداعيات النظامية. فبينما كانت الاضطرابات السابقة تتركز أساسًا على النفط الخام، تمتد الأزمة الحالية لتطال في آن واحد عدة أسواق طاقة مترابطة، ما يضاعف من أثرها العالمي.

ويمثل عجز الموردين البديلين عن تعويض النقص تحولًا جوهريًا مقارنة بالأزمات الماضية. ففي أعقاب الثورة الإيرانية وغيرها من الاضطرابات، أسهمت الطاقة الإنتاجية الفائضة لدى الدول المجاورة في استقرار الأسواق. أما اليوم، فقد قيّدت العوائق اللوجستية، مثل تعطل مسارات الشحن عبر مضيق هرمز، هذه القدرة على التعويض.

ومن السمات الفارقة أيضًا عمق الترابط داخل أنظمة الطاقة العالمية؛ إذ لم تعد سلاسل الإمداد الحديثة تعتمد على النفط الخام فحسب، بل تشمل كذلك الوقود المُكرر والغاز، ما يعني أن أي اضطراب يمتد أثره بسرعة واتساع أكبر عبر مختلف الاقتصادات.

وفي الوقت ذاته، تبرز المقارنة مع الأزمات التاريخية أهمية عامل الزمن؛ فبالرغم من أن الصدمة الحالية غير مسبوقة من حيث الحجم اليومي، فإن أثرها طويل الأمد سيعتمد على سرعة استعادة سلاسل الإمداد. وإذا استمرت الاضطرابات لأشهر أو سنوات، فقد تعادل الخسائر التراكمية أو تتجاوز تلك التي شهدتها أشد الأزمات التاريخية.

وفي المحصلة، تكشف هذه الأزمة عن هشاشة بنيوية في نظام الطاقة العالمي؛ فبرغم التقدم التكنولوجي وجهود تنويع مصادر الطاقة، لا يزال العالم شديد التعرض لعدم الاستقرار الجيوسياسي في مناطق العبور الحيوية.

كما تعزز هذه التطورات الحاجة الملحّة إلى تسريع التحول نحو أنظمة طاقة أكثر مرونة وتنوعًا. غير أن الأزمة الراهنة تُظهر أن هذا التحول لم يكتمل بعد، ما يُبقي الأسواق العالمية عرضة لصدمات بهذا الحجم.


التعليقات