تقرير: أبرز الملفات الاقتصادية المطروحة أمام الحكومة اليمنية الجديدة
يمن فيوتشر - العربي الجديد- فخر العزب: الإثنين, 09 فبراير, 2026 - 05:05 مساءً
تقرير: أبرز الملفات الاقتصادية المطروحة أمام الحكومة اليمنية الجديدة

تستقبل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة شائع الزنداني، مهامها في توقيت هو الأصعب اقتصادياً منذ اندلاع الصراع، إذ يواجه اليمن ما يشبه الاختناق الشامل في الموارد والخدمات. 
وتجد حكومة الزنداني التي جرى الإعلان عنها الجمعة الماضي، نفسها أمام تركة مثقلة بتشتّت المالية العامة وانقسام المؤسّسات النقدية، وهو ما يصفه صندوق النقد الدولي بأنه عجز بنيوي يحد من قدرة الدولة على المناورة، وتوقع تقرير "المرصد الاقتصادي لليمن" الصادر عن البنك الدولي في خريف 2025، انكماش إجمالي الناتج المحلي بنسبة 1.5%، مدفوعاً باستمرار حصار صادرات النفط وتشرذم المؤسسات المالية. 


•تصدير النفط والغاز
يعدّ توقف تصدير النفط والغاز أبرز تحد يهدد قدرة الحكومة اليمنية الجديدة على الوفاء بحدها الأدنى من الالتزامات. هذا التوقف، الذي دخل عامه الرابع منذ هجمات الحوثيين على موانئ التصدير في أكتوبر/ تشرين الأول 2022، لم يعد مجرد عائق فني أو أمني، بل تحول إلى ثقب لنزيف الإيرادات، كبّد الخزينة العامة خسائر تراكمية تجاوزت 7.5 مليارات دولار وفق بيان الحكومة اليمنية في مايو/أيار الماضي.
وتساهم الصادرات النفطية وفق البيان ذاته، بما يقارب 90% من إجمالي الصادرات السلعية و80% من إجمالي إيرادات الموازنة العامة للدولة. وكان النفط قبل الحرب يمثل نحو 70% من موارد الموازنة العامة و63% من إجمالي الصادرات. ويتوزع إنتاج النفط في اليمن جغرافياً على خريطة حيوية لكنّها مشلولة، أهمها قطاع المسيلة بمحافظة حضرموت، كأكبر الحقول إنتاجاً، يليه قطاع مأرب، ثم قطاعات شبوة والجوف.
ورغم أن الطاقة الإنتاجية كانت تزيد عن 450 ألف برميل يومياً قبل عقدين، إلا أنها تراجعت بشكل حاد لتستقر عند حدود 55 إلى 60 ألف برميل يومياً قبيل التوقف الأخير، وهي كمية رغم تواضعها كانت تمثّل طوق النجاة لتمويل رواتب موظفي الدولة. وفي المقابل، يظلّ ملف الغاز الطبيعي المُسال في منشأة بلحاف الاستراتيجية معطّلاً بالكامل، وهو المشروع الذي كان يؤمّل منه رفد الخزينة بمليارات الدولارات سنوياً، لولا التعقيدات الأمنية والسياسية التي أبقت هذه الثروة حبيسة الأنابيب.


•الإيرادات وتوحيد الأوعية الضريبية
يعدّ ملف الإيرادات من أبرز الملفات الاقتصادية المطروحة على طاولة الحكومة اليمنية الجديدة، إذ إنّ حجم الفساد الذي رافق هذا الملف خلال السنوات الماضية جعل من الخزينة العامة مجرد وعاء مثقوب. وكشفت تصريحات رسمية صادمة لمحافظ البنك المركزي اليمني في عدن، أحمد غالب المعبقي، في يوليو/ تموز عام 2025، أنّ نحو 75% من إيرادات الدولة لا تزال خارج سيطرة البنك المركزي في عدن، وهو ما يعني عملياً أن الحكومة لا تدير سوى ربع مواردها المتاحة، بينما تتبدد المليارات في قنوات موازية وحسابات خاصة بعيداً عن الرقابة المالية للدولة.
تتنوّع مصادر الإيرادات بين الضرائب والجمارك وفوائض المؤسسات الإيرادية وعوائد مبيعات المشتقات النفطية والغاز المنزلي، غير أن خريطة التوريد تكشف عن "جزر مالية معزولة"؛ ففي مأرب ومنفذي المهرة مع عُمان والوديعة مع السعودية، لا تزال السلطات المحلية تمتنع عن توريد الإيرادات المركزية إلى المقرّ الرئيسي للبنك في عدن، متمسكة بذريعة تغطية النفقات التشغيلية المحلية والاحتياجات الأمنية.
الأمر الذي دفع المعبقي، إلى التأكيد بأن البنك المركزي ليس هو الغريم الذي يمنع صرف الرواتب، بل إنّ الجهات التي تمتنع عن التوريد هي من تقوّض الاستقرار النقدي. وأوضح أن أكثر من 147 مؤسسة وجهة إيرادية لا يعرف البنك أين تذهب أموالها، ما أدى إلى فقدان السيادة المالية للدولة. وتتكشف أزمة السيادة المالية للحكومة اليمنية الجديدة عند النظر في "الثقوب السوداء" التي تلتهم نحو 75% من إيرادات الدولة، إذ تبرز مؤسّسات سيادية كبرى مثل المؤسسة العامة للاتصالات وهيئة الطيران المدني ومؤسسات الموانئ، بوصفها جهات تحتجز عوائدها الضخمة في حسابات خاصة بعيداً عن البنك المركزي.


•ملف الرواتب
يعدّ "ملف الرواتب" واحداً من أبرز الأزمات الاقتصادية التي تواجه الحكومة اليمنية الجديدة، فالراتب في زمن الحرب تحول من حق وظيفي إلى أداة ضغط سياسي واقتصادي، وهو اليوم التحدي الأكبر لاستقرار المناطق الواقعة تحت نفوذ الحكومة المعترف بها دولياً، في ظل تآكل القوة الشرائية للريال اليمني واتّساع هوة العجز المالي. ووفقاً لآخر البيانات المتاحة والتقارير المالية، تعاني قاعدة البيانات الوظيفية في اليمن من تضخم وازدواجية ناتجة عن سنوات الحرب، إذ يُقدَّر عدد الموظفين المسجلين في كشوفات الدولة (مدنيين وعسكريين) ما بين 1.2 و1.4 مليون موظف على مستوى الجمهورية.
في المناطق الواقعة تحت نفوذ الحكومة المعترف بها دولياً، تتحمل الحكومة الالتزام تجاه ما يقرب من 650 ألف إلى 700 ألف موظف، وقفزت فاتورة الأجور الشهرية لتتجاوز 120 مليار ريال يمني، وهي فاتورة تلتهم الجزء الأكبر من الإنفاق العام. ويجري صرف الرواتب عبر "البند الأول" من الموارد المحلية والمنح الخارجية، ولا سيّما المنحة السعودية التي غطت في فترات سابقة ما يصل إلى 70% من النفقات العامة.


•الخدمات والكهرباء
تتصدر أزمة الخدمات، وفي قلبها الكهرباء، قائمة التركة الثقيلة التي ورثتها حكومة الزنداني، إذ تحول هذا القطاع من خدمة أساسية إلى استنزاف مالي مزمن يهدّد بابتلاع ما تبقى من موارد الدولة. وتشير الأرقام إلى أن العجز في توليد الطاقة في المناطق الواقعة تحت سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً يتجاوز 60%، إذ لا يتعدى حجم التوليد الفعلي 500 ميغاوات، بينما يتجاوز الاحتياج الفعلي في فترات الذروة الصيفية حاجز 1200 ميغاوات في مدينة عدن والمحافظات المجاورة لها فقط.
وتنفق الحكومة اليمنية سنوياً ما يقرب من 1.2 مليار دولار على وقود محطات التوليد (الديزل والمازوت)، وهو مبلغ يمثل أكثر من 60% من إجمالي الإنفاق العام في بعض السنوات. وتكمن المعضلة في أن معظم هذه المحطات تعتمد على وقود الديزل عالي التكلفة بدلاً من الغاز الطبيعي أو الطاقة المتجددة، ما يجعل تكلفة إنتاج الكيلووات الواحد في اليمن من بين الأعلى عالمياً. 
ورغم الدعم المقدم عبر المنح النفطية السعودية، إلّا أن تعثر سلاسل التوريد وتأخر الدفعات يحمل الخزينة أعباء إضافية، إذ تضطر الحكومة لشراء الوقود من السوق المحلية بأسعار مضاعفة لتفادي الخروج الكلي للخدمة، وهو ما يستنزف الاحتياطيات المحدودة من العملة الصعبة ويساهم مباشرة في انهيار قيمة الريال. وتكشف تقارير رقابية عن حجم فساد مستشرٍ في صفقات الطاقة المستأجرة، التي كانت إحدى المعالجات الكارثية للحكومات السابقة؛ إذ جرى الاعتماد على استئجار محطات من شركات خاصة بتكلفة باهظة بدلاً من بناء محطات حكومية مستدامة.


•تركة فساد ورثتها الحكومة اليمنية الجديدة
يرى المحلل الاقتصادي ضيف الله سلطان، في حديثه لـ"العربي الجديد"، أن الحكومة الجديدة ستواجه تركة فساد ثقيلة تؤثر على جميع الجوانب، وفي مقدمتها الجانب الاقتصادي الذي يعدّ ركيزة النجاح أو الفشل. ومع ذلك، فإنّ محاربة الفساد هي أولوية للحفاظ على ما يتوفر من إيرادات، داعياً إلى خطوات متزامنة تتمثل بتفعيل الأوعية الإيرادية وتوريدها إلى البنك المركزي بعدن، وتشديد الرقابة على الأسواق الموازية للصرف، والبحث عن ضمانات دولية لاستئناف تصدير النفط والغاز المُسال.
ويؤكد المحلل الاقتصادي أن الحكومة الجديدة تحظى بدعم سعودي لم تحظَ به الحكومات السابقة، وعليها استغلال هذا الأمر عبر الاستغلال الأمثل للدعم وتوجيهه إلى المشاريع التي تُحدث نقلة في حياة الناس وعلى رأسها الكهرباء.
ويرى الصحافي محمد الحكيمي، في حديثه لـ"العربي الجديد"، أن نجاح الحكومة اليمنية الجديدة مرهون بمدى قدرتها على تنفيذ مصفوفة إجراءات عاجلة تبدأ بفرض الاستقرار النقدي كأولوية قصوى. ويشدد الحكيمي على ضرورة انتقال الحكومة من اقتصاد الجبايات، إلى تفعيل الأوعية الإيرادية السيادية، وتحديداً في قطاعات النفط والغاز والجمارك، لضمان ديمومة صرف المرتبات وتمويل الخدمات الأساسية، بالإضافة إلى ضرورة خلق بيئة آمنة للقطاع الخاص ومنحه تسهيلات ضريبية مقابل تحفيز الإنتاج المحلي.


التعليقات