تقرير: إغلاق أقسام الفلسفة في اليمن.. تأثير الصراعات السياسية على التعليم الأكاديمي
يمن فيوتشر - الجزيرة نت- صلاح الواسعي: السبت, 25 أبريل, 2026 - 04:02 مساءً
تقرير: إغلاق أقسام الفلسفة في اليمن.. تأثير الصراعات السياسية على التعليم الأكاديمي

على طول البلاد اليمنية وعرضها لا تكاد تجد جامعة يمنية تدرس الفلسفة أو تضيف مواد ذات طابع فكري، سواء في أقسام الجامعات العلمية أو الأدبية، وهذا ما يجعل من الحياة الفكرية في اليمن شبه راكدة، إن لم نقل إنها تشهد تغييبا كليا.
فبعد إغلاق قسم الفلسفة في كلية التربية في جامعة صنعاء، وقبله قرار إيقاف تدريس مادة الفلسفة والمنطق في القسم الأدبي في المدارس الثانوية، قبل أن يتم إيقاف القسم الأدبي كليا من المرحلة الثانوية، شهدت المخرجات الإنسانية في اليمن ضعفا وهشاشة، وتراجع العقل على نحو كبير من الحياة السياسية والاجتماعية، لصالح بروز الخطاب العاطفي والشعبوي.
وفي مرحلة اليمن الآن، وما تعيشه من انهيار الدولة وضياع الهوية الوطنية لصالح نمو هويات ما قبل دولتية، يجد اليمنيون أنفسهم بحاجة شديدة إلى "عودة العقل"، وإعادة تشغيل الدراسات في الحقل الأكاديمي والبحثي في المجالات الإنسانية، وبالذات الفلسفية، لكي تستقيم الرؤى وتستوضح الأهداف في الذهنيات العامة قبل أن تترجم واقعا عمليا سياسيا واجتماعيا في البلاد.
يقول معن دماج، أستاذ الفلسفة في جامعة صنعاء لـ"الجزيرة نت" إن تدريس العلوم الإنسانية والفلسفة في اليمن بدأ منذ نشأة التعليم الجامعي محاطا بجملة من التحديات، أبرزها غياب التقاليد العلمية الراسخة وطبيعة الصراع السياسي الذي رافق نشوء الجامعات في البلاد.
ويوضح دماج أن التخصصات الإنسانية تحتاج إلى مساحة واسعة من الحرية، لارتباطها بالأفكار والقيم وتأثيرها المباشر في المجتمع، إضافة إلى علاقتها الوثيقة بالسياسة والثقافة السياسية، مشيرا إلى أن الفلسفة كانت الأقل حظا من حيث الحرية، بسبب ارتباطها في نظر الثقافة الدينية التقليدية باتهامات الكفر أو الزندقة.
ويرى دماج أن الجامعة تحولت منذ بداياتها إلى ساحة صراع سياسي وأيديولوجي، خصوصا بين التيار الإسلامي والتيار اليساري، لافتا إلى أن التيار اليساري والماركسي كان حاضرا بقوة بين مؤسسي وطلاب قسم الفلسفة، الذي كان آنذاك قسما مشتركا للفلسفة وعلم الاجتماع، وتدرس بعض مواده لطلاب كليتي الآداب والتربية.


•بدايات التراجع الأكاديمي للفلسفة
وحول تراجع تدريس الفلسفة في الجامعات اليمنية إلى منتصف تسعينيات القرن الماضي، يقول دماج إنها بدأت في أعقاب حرب 1994 في اليمن، التي -بحسب قوله- لم تعامل كهزيمة سياسية وعسكرية فحسب، بل كتحول أفضى إلى إقصاء التيارات اليسارية والديمقراطية، وهو ما انعكس على الحقل الأكاديمي، ومنه إغلاق أقسام الفلسفة استجابة لضغوط قوى صاعدة آنذاك.
ويوضح دماج أن تقليص حضور الفلسفة بدأ تدريجيا، سواء عبر حذف موادها من أقسام أخرى أو إسناد تدريسها لغير المختصين، قبل أن يصل إلى ذروته مطلع الألفية بإغلاق قسم الفلسفة والاجتماع في جامعة صنعاء، في سياق قرارات وصفها بـ"غير المألوفة"، طالت البيئة الجامعية عموما.
ويشير إلى أن خلفيات سياسية وأيديولوجية لعبت دورا في هذا التراجع، لافتا إلى حضور أسماء فكرية بارزة مثل الدكتور أبو بكر السقاف، الذي مثّل -وفق تعبيره- نموذجا للفيلسوف الذي قصده الرازي "إنسان مخلص للثقافة والفكر، لا يبدو أنه يخاف من شيء، ومات دون أن يقف في باب أحد"، واشتبك مع الشأن العام، وأسهم في رفع سقف النقد السياسي، ما جعله في مواجهة مع السلطة.
من جانبها، ترى الدكتورة آمنة النصيري أستاذة علم الجمال في جامعة صنعاء في حديثها لـ"الجزيرة نت" أن إقصاء الفلسفة بدأ منذ عقود، لكنه ازداد حدة خلال السنوات الأخيرة مع تصاعد نفوذ التيارات الأصولية وسيطرتها على مؤسسات التعليم، ما عزز -بحسب قولها- الخطاب الشعبوي القائم على التعبئة العاطفية.
وتضيف النصيري أن الفلسفة ظلت تعاني تاريخيا من ضعف الإقبال الطلابي، إلا أن هذا التراجع تفاقم تدريجيا خلال العقود الثلاثة الماضية، بالتوازي مع تقليص المواد الفلسفية في التخصصات الأخرى، وانتشار تصورات سلبية عنها بفعل الخطاب الديني المتشدد.
وتلفت إلى أن تدريس الفلسفة داخل الجامعات كان محفوفا بمحاذير مستمرة، إذ اضطر الأساتذة إلى الموازنة بين الصدق الأكاديمي وتجنب الاصطدام بالتابوهات الدينية والسياسية، وهو ما خلق -على حد وصفها- حالة من الضغط والصراع الداخلي لدى الأكاديمي.

 

•إقصاء الفلسفة وانتشار التطرف
وأكدت النصيري أن إقصاء الفلسفة من الجامعات اليمنية والعربية أسهم في تدهور العقل وانتشار الخطاب العاطفي والخرافات، مؤكدة أن الفلسفة تمثل أحد أهم الحقول المعرفية التي تحارب التطرف وتعزز التفكير النقدي والعقلاني في المجتمع.
وأوضحت النصيري لـ"الجزيرة نت" أن غياب الفلسفة والمناهج الفكرية عن التعليم يجعل الطلاب أكثر قابلية لتلقي الأفكار المتطرفة، مشيرة إلى أن كثيرا من مظاهر التطرف تنشط في بيئات تعليمية تفتقر إلى الدراسات الفكرية والنقدية التي تدرب العقل على التساؤل والتحليل.
وأضافت أن إقصاء الفلسفة أسهم في تراجع الاتجاهات الفكرية داخل المؤسسات الأكاديمية لصالح الخطابات الشعاراتية والعاطفية غير القائمة على المنطق، كما أدى إلى انتشار التفسيرات الغيبية للمشكلات الاقتصادية والاجتماعية بدل دراستها وفق مناهج علمية.
وأشارت إلى أن الخطاب الديني المتشدد لعب دورا في ترسيخ صورة سلبية عن الفلسفة واتهامها بمعاداة الدين، رغم أن الفلسفة -بحسب قولها- لا تعادي العقائد، بل تعمل على تأصيل الفكر حتى فيما يتعلق بالثوابت وتشجع على التفكير والتأمل وطرح الأسئلة الوجودية، وتؤكد على حرية الاعتقاد والعلاقة الفردية بين الإنسان والله.


•الفلسفة في جامعة صنعاء
بدوره، يؤكد معن دماج أن قسم الفلسفة في جامعة صنعاء يشهد "اندثارا شبه كلي"، خصوصا بعد ما وصفه بتوغل جماعة أنصار الله "الحوثيين" في مؤسسات التعليم ومحاولتها السيطرة على القطاع الأكاديمي. ويضيف أن كلية الآداب في الجامعة أصبحت شبه مهجورة من الأساتذة والطلاب، في ظل تعيين مدرسين تابعين للجماعة دون استيفائهم الشروط الأكاديمية اللازمة، في وقت يحاول فيه بعض الأساتذة الحفاظ على ما تبقى من تقاليد التعليم الجامعي رغم الظروف الصعبة وانقطاع الرواتب.
كما توضح الدكتورة آمنة النصيري أن الأكاديميين في القسم واجهوا خلال السنوات الأخيرة ضغوطا كبيرة، مباشرة وغير مباشرة، مشيرة إلى أن الضغوط كانت في السابق تأتي من أطراف متشددة، حيث كانت تُسجَّل المحاضرات ويُحاسَب الأساتذة على ما يُطرح داخل القاعات الدراسية. وترى النصيري أن هذه الظروف أثرت على الأداء الأكاديمي، وأن كثيرا من المحاضرات لم يعد يُقدَّم في بيئة أكاديمية طبيعية في ظل الأوضاع الراهنة.

 

•طلاب الفلسفة ومعضلة الغياب
تقول إيناس السبئي، طالبة ماجستير الفلسفة في معهد الدوحة للدراسات العليا، في حديثها لـ "الجزيرة نت"، إن غياب الفلسفة كتخصص أكاديمي في اليمن أثر عليها بشكل كبير، واصفة ذلك بأنه كان "صدمة معرفية" واجهتها عند انتقالها لدراسة الماجستير في قطر.
وتوضح السبئي أن هذه الصدمة دفعتها إلى بذل جهد كبير لاكتساب مهارات التحليل المنطقي قبل الانتقال إلى مهارات النقد والتفكير النقدي، مشيرة إلى أن المشكلة في اليمن – من وجهة نظرها – لا تتعلق بغياب تخصص الفلسفة بحد ذاته، بقدر ما تتعلق بغياب التعليم الذي يعزز التفكير الحر وإعمال العقل. وترى أن المستهدف في النهاية هو العقل بوصفه أداة للتفكير الحر والنقد، وهو ما لا ترحب به – بحسب قولها – السلطات الدينية أو القبلية أو السياسية، مضيفة أنه لو وُجد نظام تعليمي يعزز التفكير والتحليل لما واجه الطلاب هذه الصعوبات عند دراسة الفلسفة في الخارج.

 

•وجهة نظر وزارة التعليم العالي
في حديثه لـ "الجزيرة نت"، قال الدكتور أحمد عبد السلام التويجي، وكيل قطاع البحث العلمي بوزارة التعليم العالي والبحث العلمي في الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا، إن تجميد أو غياب أقسام الفلسفة في بعض الجامعات اليمنية لا يعكس موقفا علميا أو معرفيا من هذا التخصص، بقدر ما يرتبط بعوامل أكاديمية وإدارية واقتصادية أثرت في منظومة التعليم العالي خلال السنوات الماضية.
وأوضح أن ضعف الإقبال الطلابي يعد من أبرز الأسباب التي دفعت بعض الجامعات إلى تجميد أو إيقاف بعض الأقسام، ومنها أقسام الفلسفة.


التعليقات