ثقافة: دهشة التفاصيل في "بيت الزوقبي": رمزية المرأة المنسحقة ورحلة الانعتاق من الظلام
يمن فيوتشر - خيوط- همدان دماج السبت, 11 مايو, 2024 - 08:48 مساءً
ثقافة: دهشة التفاصيل في

لا يمكن الكتابة عن رواية "بيت الزوقبي"- صادرة عن عناوين بوكس القاهرة 2023 - وهي أول عمل سردي للفنان المعروف عبد الرحمن الغابري، دون أن يكون هناك ما يستدعي الخلط بين الرواية والمؤلف، الجنتلمان المبدع، كما أحب دائماً أن أناديه في مجالسنا الأدبية الأثيرة. لهذا كان معظم الكتابات والقراءات التي تناولت الرواية حتى الآن احتفائية، محملة بعلاقة كُتَّابها بالمؤلف وحبهم له، أكثر من كونها قراءات نقدية، أو حتى انطباعية، تعنى بالنص السردي بشكل مجرد. وأنا هنا لن أخالف كثيراً ما ذهبوا إليه من تحيز للمؤلف واحتفاءً بعمله الروائي الأول؛ لكنني سأحاول أيضاً أن أعطي للنص السردي مساحة من التحليل، وتسليط الضوء على تفاصيل العمل وبعض جوانبه الفنية، فهذا ما يستحقه النص والكاتب على حد سواء.

 

 عن العنوان العتبة

إن أكثر ما يثير القارئ للوهلة الأولى في هذه الرواية هو عنوانها، الذي قد يكون معروفاً عند البعض، ومجهولاً عند البعض الآخر؛ لكنه يحمل سمة المحلية اليمنية، التي تعلن عن نفسها بقوة، وهو ما يشد القارئ اليمني، قبل العربي، لقراءة الرواية. إذن، لقد أحسن المؤلف اختيار هذا العنوان اللافت، وإن كان القارئ سيكتشف أن الأحداث المتعلقة بـبيت الزوقبي لا تشكل إلا الربع الأخير من الرواية، عكس ما يوحي به العنوان، وما يتوقعه القارئ. هذا اللاتناسب بين العنوان المثير والمحتوى السردي قد تنبه له بعض من كتبوا عن الرواية، إذ يقول بلال قائد: "ومع أن اسم الرواية شديدُ الدلالة، فإن موضوعه لم يظهر إلا في الفصل التاسع عشر من الرواية"، وهذا ربما متصل بالجدل القائم حول أهمية هذا التناسب، خاصة بعد أن انتشرت ظاهرة العنونة المثيرة (إن صح الوصف) لعدد كبير من المنتج السردي اليمني، الذي ساعد على انتشاره سهولة النشر في الآونة الأخيرة، والذي لم يرْقَ الكثير منه إلى مستوى العناوين التي اتخذها، لكأنّ أصحاب بعض الأعمال السردية توقفوا عند إبداع العنوان، وتاهوا بعد ذلك في سراديب المغامرة السردية، وهو الأمر الذي لم تقع فيه رواية "بيت الزوقبي" على أية حال، بل كان القارئ ربما ينتظر تفاصيلَ أكثر، ومساحة أكبر، عن هذا الجزء من الرواية، اللذين بخلَ بهما علينا المؤلف، الذي أعتقد أنه أنهى الرواية بسرعة، أو قبل الأوان.

وقبل أن نغادر عتبة العنوان، يجدر بنا أن نذكر أن "بيت الزوقبي" هو مصطلح شعبي شائع، خاصة في المناطق الشمالية من اليمن، وهو اسم سجن للنساء في صنعاء، وكان مبنى صغير الحجم، قليل الغرف، يقع في "حارة الميدان" في صنعاء القديمة، محاذياً لسور "قصر السلاح"، وقد تحول الاسم عند العامة للدلالة على سجن النساء عموماً، ثم تم تعميمه ليطلق أيضاً على بيوت الدعارة عند البعض الآخر، وقد جاء ذكره في قصيدة "رجعة الحكيم بن زائد" للشاعر الكبير عبد الله البردوني في البيت الذي يقول فيه تهكماً:  

وكان "بيت الزوقبي" فارتقى

لـ"المركزي" الآن، وارقب غدا 

وهو البيت الذي أورده الغابري ضمن ثلاثة أبيات من القصيدة استهل بها روايته. أما كلمة "المركزي" في البيت فهي إشارة إلى السجن المركزي، الذي نُقلت سجينات "بيت الزوقبي" -بعد إغلاقه مطلع ثمانينيات القرن العشرين- إلى قسم ملحق به.

 

في البدء كانت القرية

تبدأ الرواية أحداثها من إحدى قرى اليمن، أغلب الظن أنها تقع في أقصى جنوب محافظة إب أو في شمال محافظة تعز؛ لأن الراوي لم يوضح لنا أين تقع القرية، التي أطلق عليها قرية "البن الأخضر"، وهو الاسم الذي لا أعتقد إلا أنه تسمية وصفية رمزية أكثر من كونه اسماً حقيقياً للقرية، وهذا ما سنلاحظه في عدد من التسميات التي أطلقها المؤلف على بعض الأماكن والشخصيات في الرواية، مثل "الوادي الخصيب" وغيرها من التسميات. لكن القارئ يستطيع أن يستنتج موقع هذه القرية من الجزء الذي سيحكي عن رحلة بطل الرواية الرئيسي، الطفل "سام"، من القرية إلى مدينة صنعاء. أما زمن الرواية فقد كان واضحاً، وهو خمسينيات القرن المنصرم، قبل الثورة اليمنية عام 1962.

تبدأ الرواية بسرد حياة القرية، وأطفالها الرعاة والفلاحين الفقراء، وبالإشارة السريعة إلى الجنّية "صَيَاد"، وهو اسم شائع في الريف اليمني لجنّية يُرعب بها الكبار أطفالهم، ثم ما يلبثون أنفسهم أن يرتعبوا منها. ثم يستمر الحديث عمّن سمّاهم الراوي "الخمسة الهلاميون"، الذين يطلقون مختلف الإشاعات لتخويف أبناء القرية واستغلالهم وتمكين طبقة فاسدة من ثروات البلاد وجهد العباد، وهم الذين أطلقوا على الجنّية اسم "صَيَاد" وحاربوها وأخافوا الناس منها، بينما في حقيقة الأمر ما هي إلا جنّية طيبة تسمى "حارسة العسل"، والتي ستلعب دوراً كبيراً في إنقاذ المظلومين في القرية، وتحريض "سام"، بطل الرواية، على رفض واقع القرية والسفر إلى صنعاء للدراسة وطلب العلم الحديث، باعتبار ذلك هو الكنز الحقيقي الـ" أغلى من الذهب؛ لكنه يحتاج إلى عمل كبير ليخرج ويوزع بين سكان هذه البلاد ليعودوا سعداء كما كان أجدادهم في السابق"- الرواية ص30

ولعلّي هنا أتوقف عند هذه البداية التي أرادها المؤلف أن تكون مدخلاً شاملاً للحكاية، وخلفية واضحة ومختصرة للصراع الفني بين شخوص الرواية، مختصِراً على القارئ إدراك هذه الأشياء أو الوصول إليها من خلال السرد وتناميه، وهذا ما سنجده في مواضع عديدة من الرواية، وهو ما يثبت أن هدف المؤلف كان ينصب في إيصال فكرته، وآرائه حول قضايا كثيرة أراد أن يعبر عنها، إما بالترميز حيناً، وإما بالتصريح أحياناً كثيرة، وإن جاء هذا على حساب جودة النص أو الحبكة الدرامية وتصاعدها في الرواية، وطغيان شخصية المؤلف على الراوي وعلى بقية الشخصيات، وهو ما ذهب إليه بلال قائد بالقول: "يتجلى دور الكاتب بصفته شخصية أمامية من خلال رؤيته الشاملة، وتناوله للمشكلات الاجتماعية، وتوجيهه للرسائل، ووعيه الاجتماعي، ودعمه للتغيير في المجتمع".

وبالعودة إلى فضاء القرية، الذي انطلق منه العمل، نقرأ عن شخصيات متعددة، منها ما هو نمطي كالشيخ والفقيه والتاجر، وهم مجموعة الأشرار داخل القرية، المدعومين من "الخمسة الهلاميون" الذين لن يعرف القارئ عنهم الشيء الكثير. كما نقرأ عن الفلاحين والرعاة والنساء، وهم المظلومون الذين يتم استلاب حقوقهم، بل والتنكيل بهم وقتلهم. كما نقرأ عن شخصيات أخرى أفرد لها المؤلف مساحة لا بأس بها من السرد، مثل الراعية الصغيرة - التي جعلها المؤلف بلا اسم، ولا نعرف لماذا حقاً!- ، وأخيها الشاب "منصور" الذي كان من القلائل الذين يعرفون "حارسة العسل"، وما حدث لهما، فقد كانت الراعية الصغيرة شديدة الجمال، ومطمعاً لرجال القرية، وعلى رأسهم ابن الشيخ، الذي يدبر مهمة مصطنعة لأخيها "منصور" مع تاجر القرية ليبعده عن أخته، وخلال سفر "منصور" يعتدي عليها ويغتصبها في أحد الكهوف التي كانت قد لجأت إليه مع أغنامها من المطر. عندما عاد "منصور" من السفر، واستطاع بعد أيام من انتزاع اعتراف أخته بما حدث، بعد أن دخلت في حالة نفسية سيئة وصراع داخلي برع المؤلف في الحديث عنه، ذهب "منصور" لمكاشفة الشيخ، الذي كان متواطئاً مع ابنه في فعلته تلك. لكن الشيخ لم ينصف منصور، بل أهانه بأن عرض عليه بعض المال كتعويض عن شرف أخته. هنا لجأ "منصور" إلى "حارسة العسل"، التي عرضت عليه أن تؤوي أخته في بيتها، مثلها مثل أخريات تعرضن للاغتصاب وتوارين عن الأنظار. يوافق "منصور" على عرضها، وبعد أيام يكمن لابن الشيخ، ويقتله قبل أن يُقبض عليه، ويموت تحت التعذيب في أحد سجون الشيخ.

إن قتل "منصور" لابن الشيخ المغتصِب دلالة على عدم القبول بالظلم، وتحريض على عدم الخوف وعلى الوقوف في وجه الظالم. ويذكرنا هذا الموقف بقصة "العائد من البحر" للروائي اليمني الكبير زيد مطيع دماج، التي يقوم فيها البطل "علي بن علي"، المغترب العائد من البحر، بطلقة من بندقيته، بقتل الشيخ الظالم المتعجرف، الذي نهب منزله عنوة، وجعل أبناء القرية يتخلون عنه.

 

ترميزاً لـسام بن نوح 

نبدأ مع "سام" حكايته في القرية، نتعرف على هذا الطفل اليتيم الذي قُتل أبوه في إحدى الحروب العبثية التي أثارها "الخمسة الهلاميون". كما نتعرف على أمه، التي تعمل مع أخته في الحقول، والتي لا تسمح له بالعمل معهما، لأنها تريده أن يتفرغ للدراسة في مِعْلامة (كُتّاب) القرية عند الفقيه ، وكيف التقى "سام" أول مرة بالجنّية "صَيَاد"، التي يكتشف في حوار سريع معها أنها "حارسة العسل"، والتي قررت أن تهتم به بعد أن وجدت لديه نبوغاً واضحاً ووعياً يستحق الاهتمام.

من الجدير بالذكر هنا أن المؤلف يختار لبطل الرواية اسماً لم يكن شائعاً بين أبناء القرى في ذلك الوقت، ولم يكن مقنعاً للقارئ الذي يعرف عن ثقافة الزمان والمكان؛ لكن المؤلف أراد أن يسمي بطله "سام" ربما ترميزاً لـسام بن نوح، الذي بنى مدينة صنعاء، حسب المعتقدات التاريخية والدينية. والحقيقة أن الترميز في الرواية واضح الدلالة منذ البداية، مروراً بمعظم منعطفاتها، وحتى نهايتها، وإن جاء بعض هذا الترميز مباشراً أكثر من اللازم.

يتطور وعي "سام" تدريجياً إلى أن يقرر أنه حان الوقت أن يغادر القرية ويذهب إلى صنعاء لتحصيل العلم. وبعد أن يحصل من أمه على الموافقة، ومن "حارسة العسل" على بعض النقود والتمائم، تبدأ رحلته التي استغرقت أياماً عبر القوافل من قريته إلى صنعاء، ماراً بعدد من المدن التي كان يتوقف عندها بصحبة رفيقه، صاحب القافلة الذي شاطر "سام" جزءاً لا بأس منه من الأحداث، وظل يتحدث معه عن أشياء كثيرة، مما جعل الرحلة بذاتها جزءاً من دراسة "سام" سبقت وصوله إلى صنعاء، المكان الذي يذهب إليه ليتلقى العلم الحقيقي، ويشق طريق المستقبل الناجح. هنا أيضاً لا نعرف لماذا لم يطلق المؤلف على صاحب القافلة اسماً، رغم أنه إحدى الشخصيات الجميلة التي كان بالإمكان البناء عليها أكثر!

 

احتشاد في التفاصيل 

على الرغم من أن المؤلف لم يفسح للوصف المساحة الكافية في الرواية، ولا أكثر من السرد البصري الإبداعي الذي كان متوقعاً من فنان كبير مثله، إلا أن الرواية احتشدت بكَمٍّ هائل من الأحداث المشوقة والصور الحية والوصف الجميل. وهنا أجدني أخالف رأي علي المعبقي في أن الرواية خلت "تقريباً من أي صور سردية أو وصف للشخصيات والمكان" ، فالقارئ حقيقة يقف أمام أكثر من دهشة وأكثر من إبهار، حين يقرأ مثلاً عن تفاصيل مهمة عن حياة اليمنيين في ذلك الزمن، عن بيوت القرية ونمط بنائها، عن أعشاش طائر الهدهد ورائحته الكريهة، عن البيوت الكبيرة المكونة من عدد من الطوابق، والتي يتقاسم غرفها عائلات كثيرة تجمعت لأنها لا تستطيع بناء بيوت منفصلة، عن المِعْلامة وتفاصيلها الداخلية، والدراسة فيها، وأرضيتها المبتلة بمياه الأمطار التي تتسرب من سطحها، والتي كانت تصيب الأطفال الذين يجلسون عليها بالإسهال الحاد، وعن ألواح القرآن المصنوعة من خشب الطنب القوي، والتي كان على الطلاب تسويدها بالفحم أو بقشور الرمان، عن أحجار الجبس التي كان عليهم أن يجدوها ليكتبوا على الألواح بدل الطباشير، عن ابتزاز "سيدنا الفقيه" للطلاب من أجل الحصول على العطايا من أهاليهم، عن تكريسه للوعي الطبقي في عقولهم، وانحرافاته الأخلاقية، عن الطعام وعادات الأكل في ذلك الزمن، والنبات الذي كان يأكله الناس اضطراراً في مواسم الجوع، عن خانات المسافرين وعادات المبيت فيها وأثاثها وما تكتظ به من براغيث تمتص بشَرَهٍ دماء النزلاء المنهكين من السفر، عن أهازيج الفلاحين في الحقول ورائحة الأرض والنبات، وتطواف "المثامنة" جباة الضرائب المكروهين، عن غناء أفراد القافلة للجمال والحمير التي تنقل البضائع والركاب لتحفيزها على الصمود في المسير واستجابتها للغناء، عن الأسواق الشعبية، روائح الطعام، طقوس غسل الملابس في مجاري ينابيع صنعاء القديمة، عفوية النساء ومساعدتهن للغرباء بغسل ملابسهم، عن التسابيح الجنائزية الموحشة التي كانت تنطلق فجراً من الجوامع وتصبغ الأرض والسماء بالحزن والخوف، عن الأطفال الذين يتم جمعهم في الجنازات من أجل التهليل مقابل بعض النقود التي تدفع لهم بعد انتهاء المهمة، عن عميان المدينة وهم يتحركون في طوابير توصلهم إلى الأماكن التي يقصدونها، عن صليل القيود الذي يُسمع بوضوح كطنين النحل من وراء جدران القلعة عندما يتحرك المساجين المقيدون في الداخل منتظرين استدعاءهم في أية لحظة لتطبيق الأحكام عليهم، ولا يمكن بالتأكيد أن ننسى تفاصيل تنفيذ الأحكام في ساحة القلعة وشوارع المدينة، من التعزير إلى قطع الرؤوس، والتي أفرد لها المؤلف مساحة ملائمة كشاهد على أحوال ذلك الزمن الرهيب...

لقد احتشدت الرواية بالعديد من الصور والتفاصيل المدهشة، عكسها المؤلف من وعيه بتاريخ الأمكنة والموروث الشعبي والثقافي، وذكرياته الشخصية التي تتقاطع مع بعض أحداث الرواية، ومخزونه الفني الكبير، واضعاً كل ذلك أمام جيل من القراء لم يعرف الشيء الكثير عن هذه الحقبة الزمنية من تاريخ بلادهم، ولا عن تفاصيل ملامحها الاجتماعية.

 

صنعاء ووعود العاشق

تبدأ حياة "سام" في صنعاء بالاندهاش الكبير لما رآه من شوارعها العديدة، وأسواقها المكتظة، ومبانيها بطراز معمارها الجميل، وجوامعها بمآذنها ذات النقوش المميزة التي كانت تدل الناس على أماكن تواجدهم في المدينة... لقد فتنته صنعاء بتفاصيلها التي قام "سامح"، رفيقه بالسكن (المعروف باسم "المنزلة") بتعريفه عليها، وعلى تاريخها وتفاصيل الحياة فيها؛ لكن سرعان ما تنتهي هذه الدهشة وهذا الإعجاب، إذ يصادف أن يشاهد "سام" مع رفيقه عملية إعدام أحد مساجين "القلعة"، وكيف هوى سيف الجلاد على رقبة السجين المقيد بالحديد، وتدحرج رأسه في التراب المخضب بالدماء، وسط صيحات المتفرجين المهللين! هنا "تلاشت كل البهجة التي كان يشعر بها {سام} وشعر كأنّ ندبة انحفرت في أعماقه"-الرواية، ص 82..

ظلّ "سام" فترة طويلة يحاول أن يتجاوز هذا المشهد الرهيب، وأن يتجنب النظر أو الذهاب إلى القلعة، التي كرهها من كل أعماقه، "وتمنى لو أن لديه القدرة على نقلها إلى مكان بعيد عن المدينة، كما فعل بعش الهدهد الذي كان يزعجه في منزله بالقرية"- الرواية، ص 90.. وهكذا حاول "سام" أن ينشغل بترتيب حياته والبدء في حضور حلقات الدرس في جامع "الزُّمُر" مع بقية طلاب "المنزلة"؛ لكنه سرعان ما يتعرف بواسطة صديقه "سامح" على الأستاذين العراقي والمصري، اللذين كانا ضخمي الجثتين مقارنة بجثث اليمنيين الهزيلة من الجوع والمرض، ليأخذ عنهما العلوم الحديثة، كالرياضيات والجغرافيا والتاريخ، حسب وصية "حارسة العسل" له، وهي العلوم التي لم يكن يحصل عليها في حلقات الدروس في الجامع، التي لم تكن تدرس إلا العلوم الشرعية.

ينتقل "سام" بعد ذلك إلى المدرسة المتوسطة، ويواصل دراسته فيها، ويستطيع أن يتدبر عملاً يساعده على تكاليف الحياة، فيعمل بائعاً متجولاً لـ"الكدم" (نوع من الخبز) واللبان (العلكة). وخلال هذه الفترة يشاهد "سام" المزيد من الإعدامات في ساحة القلعة، ومنها إعدام أب وابنه في الوقت نفسه، وفظاعة مشهد الابن وانهياره، وهو يرى رأس أبيه يُقطع بالسيف أمامه! كما يشاهد "سام" حادثة تطبيق حكم قضائي بالتعزير بحق بائع نبيذ، وهي العملية التي تعرف بـ"الدردحة"، والتي حسناً فعل الراوي أن أفرد لها حيزاً مناسباً من الحكي.

إلى هنا تتجاوز الرواية ربعها الأخير، قبل أن نقرأ كيف التقى "سام" مصادفةً بـ"مريم"، إحدى سجينات "بيت الزورقبي"، بعد أن نادته من وراء أحد الشبابيك، وطلبت منه أن يبيعها كل ما لديه من العلكة، التي ستوزعها على بقية السجينات ليهدأن كما قالت، كما طلبت منه أن يذهب إلى السوق ويشتري لها "قاتاً" جيداً لكي تعطيه للسجانة الرهيبة، كرشوة لها لكي تحسن معاملتها ومعاملة بقية السجينات.

كانت "مريم" قد سُجنت ظلماً بوشاية من مساعد الأمير، انتقاماً من رفضها الزواج منه، وقد ساعده على ذلك الأمير نفسه. لكن مريم كانت ميسورة الحال نوعاً ما، بسبب أخيها الذي يعمل قبطاناً وراء البحار، والذي كان يرسل لها النقود والتطمينات بالسعي لإخراجها من السجن، وهو ما مكنها من تجنب المصائر المرعبة التي تنتظر السجينات اللواتي كن في نظر المجتمع منبوذات لا مستقبل لهن، حتى حين تموت إحداهن يأتي "المخروي" (جامع الفضلات الآدمية من أماكن قضاء الحاجة، المعروفة بـ"المساقط"، في البيوت والسجون) لحمل جثمانها على عربته التي يجرها حمار، وبدون "أية طقوس أو شهود، ويدفنها في أي مكان بعيد عن المدينة. كانت السجينة تُحتقر وتعيش كالأموات داخل السجن، وتُحتقر أيضاً وتهان حتى بعد موتها"- الرواية، ص 115. .

العلاقة بين "سام" و"مريم" تتطور تدريجيا، وتتحول إلى إعجاب سرعان ما يجعله المصير المشترك، وتعاطف "سام" مع مظلومية "مريم"، وتطور وعيه السياسي، حباً حقيقياً، فيأخذ "سام" على عاتقه زرع الأمل لدى "مريم"، ومتابعة قضيتها، مستمراً في طرح الأسئلة على نفسه وعلى الآخرين: "هل يستمر الناس بالخضوع والخنوع حتى يموتوا كمداً وقهراً؟!"، إذ "لا بد من ثورة تجتث كل هذا الظلم"، ومعه كل الحكام الغاصبين وسطوة النافذين الفاسدين، والنظام "البشع القائم على ادعاء عنصري بأفضليته، كونه يعتقد أنه من سلالة عليها واجب حماية الدين والأخلاق"- الرواية، ص 132. ، مختتماً باعترافه لـ"مريم" بحبه لها، ووعده أن يجعل هدم السجن مهراً لها، وأن يعيد بناء "قصر غمدان" التاريخي من جديد على أنقاض "القلعة"، وأن يحول ميدانها المشؤوم "الذي تسيل عليه دماء الأبرياء إلى حديقة للورود، وساحة للغناء والرقص"- الرواية، ص 133.

 

المباشرة و ثورية النص

لا أعتقد أن القارئ يمكن، بعد ما استعرضناه، أن يخطئ طغيان الجانب الثوري التغييري الذي ينطلق منه الراوي/ المؤلف في تعاطيه مع الأحداث والشخوص، وتجاربهم وأقدارهم، على امتداد الرواية، بل لعلنا نستطيع القول إن هذا الجانب هو الدافع الأول لكتابة هذه الرواية، فالنص السردي ثوري بامتياز، وهذا ما يمكن أن يفسر لنا اعتماد المؤلف على الطرح المباشر لمجمل آرائه وأفكاره، كما سبقت الإشارة، والذي وصل في أماكن كثيرة من الرواية حد التلقين، وهو الأمر الذي يضع العمل السردي دائماً في إشكالية مع المتلقي، ويؤثر في تقبله واقتناعه بالآراء المطروحة، بالإضافة إلى ما يمكن أن تتعرض له فنية النص وقدرته على الإمتاع من ضعف أو تشويش.

وحقيقة، فالأدلة على هذا التوجه الثوري التغييري كثيرة في الرواية، والذي جاء بعضه كرسائل أو أحكام سياسية مباشرة، والبعض الآخر عن طريق دحض المسلّمات والموروثات الاجتماعية والفكرية. فبالإضافة إلى دحض خرافة الجنّية "صَيَاد"، يدحض الراوي/ المؤلف أسطورة الهدهد كرمز يفتخر به اليمنيون ويجعلونه في شعاراتهم القومية، فيصوره بأنه طائر مزعج ورائحته نتنة، ويقول على لسان "حارسة العسل" إن قصة الطائر الجاسوس وسفره إلى مملكة سبأ ما هي إلا خرافة ولا يمكن أن تكون أمراً حقيقياً، وأن هذه الخرافات تستخف بالعقول بشكل فج- الرواية، ص 27.، معربة لـ"سام" عن أن الهدهد حصل على ما يستحقه عندما أبعده من جدار المنزل ونقله إلى مكان خارج القرية.

لم يتردد المؤلف أيضاً، في سبيل إيصال أفكاره، في استخدام شخصيات الرواية وإنطاقها بكلام لا يتناسب مع واقعية خلفياتهم الثقافية واللغوية، فنجده يتحدث بلسان البطل "سام" عن قضايا لا تتفق مع سنه، وهو ما لاحظه بلال قائد أيضاً عندما قال إن المؤلف "حمَّل على لسان بطل الرواية أفكاراً كبيرة وقضايا تتجاوز عمره". هذا ما نجده أيضاً على لسان عدد آخر من الشخصيات، مثل راعية الغنم الصغيرة، و"مريم" (سجينة "بيت الزوقبي")، وبائع النبيذ الذي وأثناء عملية التعزير يخاطب الناس المتجمهرين والمهللين حوله بخطاب تاريخي وفلسفي أشبه ما يكون بمحاضرة في ندوة تاريخية، وهو الكلام الذي لا نتوقع أن يقوله بائع النبيذ في ذلك الزمن، وهو في تلك الحالة، حتى وإن كان يحمل الأفكار والمعاني نفسها التي جاءت في خطابه، ذلك أن تناسق السياق الثقافي واللغوي واللحظي (إذا صح الوصف) مهم جداً في العمل السردي، لإقناع المتلقي بصدق الدراما التي يتخيلها أمامه.

لا شك أن المؤلف قد تعمد جعل المرأة رمزاً وقضية جوهرية في صلب عمله الروائي "بيت الزوقبي"، بدءاً من أم "سام"، الفلاحة المناضلة من أجل تربية أولادها والحفاظ عليهم، مروراً بالراعية الصغيرة وغيرها من فتيات القرية، والمقهوية "حسناء"، وسجينات "بيت الزوقبي" اللاتي يتم الاعتداء على حياتهن وحقوقهن، وانتهاءً بـ"حارسة العسل"، التي أصبحت رمزاً للأمل والتنوير مقابل رفض التجهيل والظلام، وكذلك "مريم"، المعشوقة التي ينبغي إنقاذها من السجن الموحش الذي وُضعت فيه.

لقد أخذت المرأة حيزاً كبيراً في رواية "بيت الزوقبي"، ولم يكن الأمر محل صدفة، ذلك أن في اعتقادي أن المؤلف أرادها، من خلال معاناتها واضطهادها ومحاولاتها للانعتاق، أن ترمز إلى اليمن في تلك الحقبة من التاريخ، بل وربما في كل حقبة من الزمن. 

 

مترعة بالصور والانهاك

 في ختام هذه المقاربة أقول: 

بغض النظر عن تسارع أحداث الرواية في النهاية بشكل ملحوظ، كما لو كان المؤلف قد أصابه الإنهاك، وعدم تخصيص المساحة الكافية والمتوقعة من السرد عن "بيت الزوقبي"، إلى جانب التلقين المباشر وحضور المؤلف/ الراوي الواضح في الكثير من الشخصيات في الرواية متلبساً إياها فعلاً وقولاً كما أشرنا سابقاً، إلا أن الرواية كعمل أول للمؤلف جاءت مترعة بالصور الجميلة، واحتشدت بالتفاصيل الكثيرة المدهشة، كما جاءت محملة أيضاً بالخيال الأسطوري. وهنا أجدني مخالفاً رأي الأستاذ عبد الباري طاهر، الذي ذهب إلى أنها "سرد حكائي عادي بلغة التخاطب، الخيال فيه محدود، والوقائع حاضرة تكاد تلمسها"، فكما أن في الرواية وقائع تاريخية قد تكون معروفة لجيل عبد الباري طاهر من القراء أو الجيل الذي بعده، فهي محملة أيضاً بخيال سردي سواء من خلال شخوصها الواقعية، وأحداثها الكثيرة التي بينّاها سابقاً، أو من خلال شخصياتها الأسطورية وأحداثها الغرائبية، مثل شخصية "حارسة العسل"، الجنية التي جعلها المؤلف شخصية حقيقية، تتحدث مع أبناء القرية، وتساعدهم، وتزودهم بالثمار والمال والتمائم، بعد أن كانت خرافة يخيف بها الأهالي أطفالهم، وربما أنفسهم أيضاً.

ربما ما أستطيع أن أخلص إلى قوله، في مختتم هذا التطواف الذي أردتُ أن يحمل نوعاً من التحليل الفني للرواية، هو أن الرواية، التي صدرت بالقطع المتوسط، وبصفحاتها الـ133، كان بإمكانها أن تكون أكبر حجماً من هذا، وأن بعض الإشكالات الفنية والسردية التي ذكرنا معظمها كان يمكن تلافيها، لو أن المؤلف أعطاها وقتاً أكثر، وأفرد لبعض وقائعها مساحة أكبر. لكننا نقف كالعادة أمام معضلة متى ينبغي أن يتوقف النص كي لا يطول أكثر من اللازم، ولا يقصر أكثر من اللازم أيضاً، وهي المعضلة المتصلة باستمرار محاولات الإبداع السردي نفسه.

.

•الهوامش

- بلال قائد: "بيت الزوقبي" سجن للنساء أم معتقل للوعي؟ تفاصيل الحياة القاتمة بعدسة المصوِّر السرديّ، "خيوط"، فبراير 2024.

- علي سالم المعبقي: عبدالرحمن الغابري.. عندما تتحول "الصورة" إلى مرثية وشاهدة قبر، مجلة "الفيصل"، 1 نوفمبر2023. 

- عبدالباري طاهر: عبد الرحمن الغابري و"بيت الزوقبي"، اليمني الأمريكي، 6 نوفمبر 2023.


التعليقات